سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني عشر
5 يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ ( ت )
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَطَنٍ ، قَاضِي الْقُضَاةِ ، الْفَقِيهُ الْعَلَّامَةُ ، أَبُو مُحَمَّدٍ ، التَّمِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ . وُلِدَ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ .
وَسَمِعَ مِنْ : عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْفَضْلِ السِّينَانِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، وَعِدَّةٍ . وَلَهُ رِحْلَةٌ وَمَعْرِفَةٌ . 6
حَدَّثَ عَنْهُ : التِّرْمِذِيُّ : ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالْبُخَارِيُّ خَارِجَ " صَحِيحِهِ " ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتَّوَيْهِ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَرْوَزِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ ، وَلَهُ تَصَانِيفُ ، مِنْهَا كِتَابُ " التَّنْبِيهِ " .
قَالَ الْحَاكِمُ : مَنْ نَظَرَ فِي " التَّنْبِيهِ " لَهُ ، عَرَفَ تَقَدُّمَهُ فِي الْعُلُومِ .
؛ وَقَالَ طَلْحَةُ الشَّاهِدُ كَانَ وَاسِعَ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ ، كَثِيرَ الْأَدَبِ ، حَسَنَ الْعَارِضَةِ ، قَائِمًا بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ . غَلَبَ عَلَى الْمَأْمُونِ ، حَتَّى لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُ أَحَدٌ مَعَ بَرَاعَةِ الْمَأْمُونِ فِي الْعِلْمِ . وَكَانَتِ الْوُزَرَاءُ لَا تُبْرِمُ شَيْئًا حَتَّى تُرَاجِعَ يَحْيَى .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَلَّاهُ الْمَأْمُونُ قَضَاءَ بَغْدَادَ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعَ مِنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ صَغِيرًا فَصَنَعَ أَبُوهُ طَعَامًا ، وَدَعَا النَّاسَ ، وَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّ ابْنِي سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ : كُنْتُ عِنْدَ سُفْيَانَ ، 7 فَقَالَ : بُلِيتُ بِمُجَالَسَتِكُمْ بَعْدَمَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ ، فَمَنْ أَعْظَمُ مِنِّي مُصِيبَةً ؟ قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، الَّذِينَ بَقُوا حَتَّى جَالَسُوكَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ، أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيبَةً .
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَلِيَّتِي إِلَّا أَنِّي حِينَ كَبِرْتُ صَارَ جُلَسَائِي الصِّبْيَانَ ، بَعْدَمَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ . قُلْتُ : أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيبَةً مَنْ جَالَسَكَ فِي صِغَرِكَ بَعْدَمَا جَالَسَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .
قَالَ : فَسَكَتَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى قَالَ : صِرْتُ إِلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَهُ ، فَأَتَى بِعُسٍّ ، فَشَرِبَ ، وَنَاوَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي .
قَالَ : فَقُلْتُ : أَيُسْكِرُ كَثِيرُهُ ؟ .
قَالَ : إِي وَاللَّهِ ، وَقَلِيلُهُ . فَتَرَكْتُهُ .
وَرَوَى أَبُو حَازِمٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَلِيَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ قَضَاءَ 8 الْبَصْرَةِ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً ، فَاسْتَصْغَرُوهُ . وَقِيلَ : كَمْ سِنُّ الْقَاضِي ؟ . قَالَ : أَنَا أَكْبَرُ مِنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي وَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مَكَّةَ ، وَأَكْبَرُ مِنْ مُعَاذٍ حِينَ وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ قَاضِيًا عَلَى الْيَمَنِ ، وَأَكْبَرُ مِنْ كَعْبِ بْنِ سُورٍ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ عُمَرُ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ .
قَالَ الْفَضْلُ الشَّعْرَانِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ ، فَمَنْ قَالَ : مَخْلُوقٌ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَعَنْ يَحْيَى قَالَ : مَا سُرِرْتُ بِشَيْءٍ سُرُورِي بِقَوْلِ الْمُسْتَمْلِي : مَنْ ذَكَرْتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ . وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَا يُرْمَى بِهِ يَحْيَى ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ هَذَا ؟ ! .
قُلْتُ : قَدْ وَلِعَ النَّاسُ بِيَحْيَى لِتَوَلُّعِهِ بِالصُّوَرِ حُبًّا أَوْ مُزَاحًا .
الصُّولِيُّ : سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي يُعَظِّمُ شَأْنَ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَذَكَرَ لَهُ يَوْمَ قِيَامِهِ فِي وَجْهِ الْمَأْمُونِ ، لَمَّا أَبَاحَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْحَقِّ ، وَنَصَّ لَهُ الْحَدِيثَ فِي تَحْرِيمِهَا ، فَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ : فَمَا 9 كَانَ يُقَالُ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَزُولَ عَدَالَةُ مِثْلِهِ بِكَذِبِ بَاغٍ أَوْ حَاسِدٍ . ثُمَّ قَالَ : وَكَانَتْ كُتُبُهُ فِي الْفِقْهِ أَجَلَّ كُتُبٍ ، تَرَكَهَا النَّاسُ لِطُولِهَا .
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ : سُئِلَ رَجُلٌ مِنَ الْبُلَغَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُوَادَ : أَيُّهُمَا أَنْبَلُ ؟ قَالَ : كَانَ أَحْمَدُ يَجِدُّ مَعَ جَارِيَتِهِ وَبَيْتِهِ ، وَكَانَ يَحْيَى يَهْزِلُ مَعَ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ : كَانَ يَكْذِبُ .
وَقَالَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ : ذَاكَ الدَّجَّالُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجُنَيْدِ : يَسْرِقُ الْحَدِيثَ .
وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ : حَدَّثَ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ بِأَحَادِيثَ لَمْ يَسْمَعْهَا .
وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ : رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ عَجَائِبَ . 10
قُلْتُ : مَا هُوَ مِمَّنْ يَكْذِبُ ، كَلَّا وَكَانَ عَبَثُهُ بِالْمُرْدِ أَيَّامَ الشَّبِيبَةِ ، فَلَمَّا شَاخَ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ ، وَبَقِيَتِ الشَّنَاعَةُ ، وَكَانَ أَعْوَرَ .
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ وَقَفَ لَهُ الْأَضِرَّاءُ ، فَطَالَبُوهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكُمْ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ . فَقَالُوا : لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فَصَاحَ : الْحَبْسَ الْحَبْسَ ، فَحُبِسُوا ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ضَجُّوا . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : الْأَضِرَّاءُ . فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ حَبَسْتَهُمْ ؟ أَعَلَى أَنْ كَنَّوْكَ ؟ قَالَ : بَلْ حَبَسْتُهُمْ عَلَى التَّعْرِيضِ بِشَيْخٍ لَائِطٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ . قَالَ فَضْلَكُ الرَّازِّيُّ : مَضَيْتُ أَنَا وَدَاوُدُ الْأَصْبَهَانِيُّ إِلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَمَعَنَا عَشَرَةُ مَسَائِلَ ، فَأَجَابَ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا أَحْسَنَ جَوَابٍ . وَدَخَلَ غُلَامٌ مَلِيحٌ ، فَلَمَّا رَآهُ اضْطَرَبَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ يَجِيءُ وَلَا يَذْهَبُ فِي مَسْأَلَةٍ .
فَقَالَ دَاوُدُ : قُمِ ، اخْتُلِطَ الرَّجُلُ . 11
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ : كُنَّا فِي مَجْلِسِ أَبِي عَاصِمٍ ، فَنَازَعَ أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غُلَامًا ، فَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ : مَهْيَمْ ؟ قِيلَ : أَبُو بَكْرٍ يُنَازِعُ غُلَامًا ، فَقَالَ : إِنْ يَسْرِقْ ، فَقَدْ سَرَقَ أَبٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ . وَقَدْ هُجِيَ بِأَبْيَاتٍ مُفَرَّقَةٍ لَمْ أَسُقْهَا .
قَالَ الْخَطِيبُ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ صَيَّرَ يَحْيَى فِي مَرْتَبَةِ ابْنِ أَبِي دُوَادَ ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خَمْسَ خِلَعٍ .
وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ : لَمَّا عُزِلَ يَحْيَى مِنَ الْقَضَاءِ بِجَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ جَاءَهُ كَاتِبُهُ ، فَقَالَ : سَلِّمِ الدِّيوَانَ . فَقَالَ : شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا . وَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِقَضِّ أَمْلَاكِهِ ، وَحُوِّلَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَأُلْزِمَ بَيْتَهُ .
قَالَ الْكَوْكَبِيُّ : حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ السَّعْدِيُّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، فَقَالَ : افْتَحْ هَذَا الْقِمَطْرَ . فَفَتَحَ ، فَإِذَا فِيهِ شَيْءٌ رَأْسُهُ رَأْسُ إِنْسَانٍ ، وَمِنْ سُرَّتِهِ إِلَى أَسْفَلَ خِلْقَةُ زَاغٍ ، وَفِي ظَهْرِهِ سِلْعَةٌ -يَعْنِي : حَدْبَةٌ وَفِي صَدْرِهِ كَذَلِكَ . 12 فَكَبَّرْتُ وَهَلَّلْتُ وَجَزِعْتُ ، وَيَحْيَى يَضْحَكُ ، فَقَالَ لِي بِلِسَانٍ طَلِقٍ : ﴿﴾ أَنَا الزَّاغُ أَبُو عَجْوَةَ ﴿﴾ ﴿﴾ أَنَا ابْنُ اللَّيْثِ وَاللَّبْوَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ أُحِبُّ الرَّاحَ وَالرَّيْحَا ﴿﴾ ﴿﴾ نَ وَالنَّشْوَةَ وَالْقَهْوَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَا عَرْبَدَتِي تُخْشَى ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا تُحْذَرُ لِي سَطْوَهْ ﴿﴾ ثُمَّ قَالَ : يَا كَهْلُ ، أَنْشِدْنِي شِعْرًا غَزَلًا ، فَأَنْشَدْتُهُ : ﴿﴾ أَغَرَّكِ أَنْ أَذْنَبْتِ ثُمَّ تَتَابَعَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ ذُنُوبٌ ، فَلَمْ أَهْجُرْكِ ثُمَّ أَتُوبُ ﴿﴾ 13 ﴿﴾ وَأَكْثَرْتِ حَتَّى قُلْتِ : لَيْسَ بِصَارِمِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَقَدْ يُصْدَمُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ حَبِيبُ ﴿﴾ فَصَاحَ : زَاغَ زَاغَ زَاغَ ، فَطَارَ ، ثُمَّ سَقَطَ فِي الْقِمَطْرِ . فَقُلْتُ : أَعَزَّ اللَّهُ الْقَاضِيَ ، وَعَاشِقٌ أَيْضًا ؟ ! فَضَحِكَ . فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : هُوَ مَا تَرَى . وَجَّهَ بِهِ صَاحِبُ الْيَمَنِ إِلَى أَمِيرِ الْمُومِنِينَ ، وَمَا رَآهُ بَعْدُ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : قَدِمْتُ الشِّحْرَ عَلَى رَئِيسِهَا ، فَتَذَاكَرْنَا النَّسْنَاسَ . فَقَالَ : صِيدُوا لَنَا مِنْهَا . فَلَمَّا أَنْ رُحْتُ إِلَيْهِ ، إِذَا بِنَسْنَاسٍ مَعَ الْأَعْوَانِ ، فَقَالَ : أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ! فَقُلْتُ : خَلُّوهُ ، فَخَلَّوْهُ ، فَخَرَجَ يَعْدُو ، وَإِنَّمَا يَرْعَوْنَ النَّبَاتَ . فَلَمَّا حَضَرَ الْغَدَاءُ قَالَ : اسْتَعِدُّوا لِلصَّيْدِ ، فَإِنَّا خَارِجُونَ . فَلَمَّا كَانَ السَّحْرُ سَمِعْنَا قَائِلًا يَقُولُ : أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنَّ الصُّبْحَ قَدْ 14 أَسْفَرَ ، وَهَذَا اللَّيْلُ قَدْ أَدْبَرَ ، وَالْقَانِصُ قَدْ حَضَرَ . فَعَلَيْكَ بِالْوَزَرِ .
فَقَالَ كُلِي وَلَا تُرَاعِي ، فَقَالُوا : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، فَهَرَبَ وَلَهُ وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، وَشَعَرَاتٌ بِيضٌ فِي ذَقْنِهِ ، وَمِثْلُ الْيَدِ فِي صَدْرِهِ ، وَمِثْلُ الرِّجْلِ بَيْنَ وَرِكَيْهِ ، فَأَلَظَّ بِهِ كَلْبَانِ ، وَهُوَ يَقُولُ : ﴿﴾ إِنَّكُمَا [ حِينَ ] تُجَارِيَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلْفَيْتُمَانِي خَضِلًا عِنَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْ بِي شَبَابٌ مَا مَلَكْتُمَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى تَمُوتَا أَوْ تُفَارِقَانِي ﴿﴾
قَالَ : فَأَخَذَاهُ . قَالَ : يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا مِنْهَا نَسْنَاسًا ، فَقَالَ قَائِلٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا أَحْمَرَ دَمَهُ ! قَالَ : يَقُولُ نَسْنَاسٌ مِنْ شَجَرَةٍ : كَانَ يَأْكُلُ السُّمَّاقَ ، فَقَالُوا : نَسْنَاسٌ ، فَأَخَذُوهُ ، وَقَالُوا : لَوْ سَكَتَ ، مَا عُلِمَ بِهِ . 15
فَقَالَ آخَرُ مِنْ شَجَرَةٍ : أَنَا صُمَيْمِيتٌ ، فَقَالُوا : نَسْنَاسٌ خُذُوهُ . قَالَ : وَبَنُو مَهْرَةَ يَصْطَادُونَهَا ، وَيَأْكُلُونَهَا . قَالَ : وَكَانَ بَنُو أُمَيْمِ بْنُ لَاوَذِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، سَكَنُوا زُنَّارَ أَرْضِ رَمْلٍ كَثِيرَةِ النَّخْلِ ، وَيُسْمَعُ فِيهَا حِسُّ الْجِنِّ حَتَّى كَثُرُوا ، فَعَصَوْا ، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ ، فَأَهْلَكَهُمْ ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ بَقَايَا لِلْعَرَبِ تَقَعُ عَلَيْهِمْ . وَلِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْهُمْ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ فِي شِقٍّ وَاحِدٍ ، يُقَالُ لَهُمُ : النَّسْنَاسُ .
قُلْتُ : هَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : ذَهَبَ النَّاسُ ، وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ . يُشَبِّهُونَ النَّاسَ ، وَلَيْسُوا بِنَاسٍ . لَعَلَّ هَؤُلَاءِ تَوَلَّدُوا مِنْ قِرَدَةٍ وَنَاسٍ . فَسُبْحَانَ الْقَادِرِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ ، رُئِيَ فِي النَّوْمِ ، وَأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ ، وَأُدِخَلَ الْجَنَّةَ .
قَالَ السَّرَّاجُ فِي " تَارِيخِهِ " : مَاتَ بِالرَّبَذَةِ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحَجِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ : بَلَغَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً . 16 وَدُعَابَةُ يَحْيَى مَعَ الْمُرْدِ أَمْرٌ مَشْهُورٌ ، وَبَعْضُ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ . وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشِيخَ . عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَعَنَّا .
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَطَنٍ ، قَاضِي الْقُضَاةِ ، الْفَقِيهُ الْعَلَّامَةُ ، أَبُو مُحَمَّدٍ ، التَّمِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ . وُلِدَ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ .
وَسَمِعَ مِنْ : عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْفَضْلِ السِّينَانِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، وَعِدَّةٍ . وَلَهُ رِحْلَةٌ وَمَعْرِفَةٌ . 6
حَدَّثَ عَنْهُ : التِّرْمِذِيُّ : ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالْبُخَارِيُّ خَارِجَ " صَحِيحِهِ " ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَتَّوَيْهِ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَرْوَزِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ ، وَلَهُ تَصَانِيفُ ، مِنْهَا كِتَابُ " التَّنْبِيهِ " .
قَالَ الْحَاكِمُ : مَنْ نَظَرَ فِي " التَّنْبِيهِ " لَهُ ، عَرَفَ تَقَدُّمَهُ فِي الْعُلُومِ .
؛ وَقَالَ طَلْحَةُ الشَّاهِدُ كَانَ وَاسِعَ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ ، كَثِيرَ الْأَدَبِ ، حَسَنَ الْعَارِضَةِ ، قَائِمًا بِكُلِّ مُعْضِلَةٍ . غَلَبَ عَلَى الْمَأْمُونِ ، حَتَّى لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُ أَحَدٌ مَعَ بَرَاعَةِ الْمَأْمُونِ فِي الْعِلْمِ . وَكَانَتِ الْوُزَرَاءُ لَا تُبْرِمُ شَيْئًا حَتَّى تُرَاجِعَ يَحْيَى .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَلَّاهُ الْمَأْمُونُ قَضَاءَ بَغْدَادَ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعَ مِنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ صَغِيرًا فَصَنَعَ أَبُوهُ طَعَامًا ، وَدَعَا النَّاسَ ، وَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّ ابْنِي سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ : كُنْتُ عِنْدَ سُفْيَانَ ، 7 فَقَالَ : بُلِيتُ بِمُجَالَسَتِكُمْ بَعْدَمَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ ، فَمَنْ أَعْظَمُ مِنِّي مُصِيبَةً ؟ قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، الَّذِينَ بَقُوا حَتَّى جَالَسُوكَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ، أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيبَةً .
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَلِيَّتِي إِلَّا أَنِّي حِينَ كَبِرْتُ صَارَ جُلَسَائِي الصِّبْيَانَ ، بَعْدَمَا كُنْتُ أُجَالِسُ مَنْ جَالَسَ الصَّحَابَةَ . قُلْتُ : أَعْظَمُ مِنْكَ مُصِيبَةً مَنْ جَالَسَكَ فِي صِغَرِكَ بَعْدَمَا جَالَسَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- .
قَالَ : فَسَكَتَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى قَالَ : صِرْتُ إِلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، فَتَعَشَّيْنَا عِنْدَهُ ، فَأَتَى بِعُسٍّ ، فَشَرِبَ ، وَنَاوَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، فَشَرِبَ وَنَاوَلَنِي .
قَالَ : فَقُلْتُ : أَيُسْكِرُ كَثِيرُهُ ؟ .
قَالَ : إِي وَاللَّهِ ، وَقَلِيلُهُ . فَتَرَكْتُهُ .
وَرَوَى أَبُو حَازِمٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَلِيَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ قَضَاءَ 8 الْبَصْرَةِ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً ، فَاسْتَصْغَرُوهُ . وَقِيلَ : كَمْ سِنُّ الْقَاضِي ؟ . قَالَ : أَنَا أَكْبَرُ مِنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي وَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مَكَّةَ ، وَأَكْبَرُ مِنْ مُعَاذٍ حِينَ وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ قَاضِيًا عَلَى الْيَمَنِ ، وَأَكْبَرُ مِنْ كَعْبِ بْنِ سُورٍ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ عُمَرُ قَاضِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ .
قَالَ الْفَضْلُ الشَّعْرَانِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ ، فَمَنْ قَالَ : مَخْلُوقٌ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .
وَعَنْ يَحْيَى قَالَ : مَا سُرِرْتُ بِشَيْءٍ سُرُورِي بِقَوْلِ الْمُسْتَمْلِي : مَنْ ذَكَرْتَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ . وَذُكِرَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَا يُرْمَى بِهِ يَحْيَى ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ هَذَا ؟ ! .
قُلْتُ : قَدْ وَلِعَ النَّاسُ بِيَحْيَى لِتَوَلُّعِهِ بِالصُّوَرِ حُبًّا أَوْ مُزَاحًا .
الصُّولِيُّ : سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي يُعَظِّمُ شَأْنَ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَذَكَرَ لَهُ يَوْمَ قِيَامِهِ فِي وَجْهِ الْمَأْمُونِ ، لَمَّا أَبَاحَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْحَقِّ ، وَنَصَّ لَهُ الْحَدِيثَ فِي تَحْرِيمِهَا ، فَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ : فَمَا 9 كَانَ يُقَالُ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَزُولَ عَدَالَةُ مِثْلِهِ بِكَذِبِ بَاغٍ أَوْ حَاسِدٍ . ثُمَّ قَالَ : وَكَانَتْ كُتُبُهُ فِي الْفِقْهِ أَجَلَّ كُتُبٍ ، تَرَكَهَا النَّاسُ لِطُولِهَا .
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ : سُئِلَ رَجُلٌ مِنَ الْبُلَغَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُوَادَ : أَيُّهُمَا أَنْبَلُ ؟ قَالَ : كَانَ أَحْمَدُ يَجِدُّ مَعَ جَارِيَتِهِ وَبَيْتِهِ ، وَكَانَ يَحْيَى يَهْزِلُ مَعَ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ .
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ .
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ : كَانَ يَكْذِبُ .
وَقَالَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ : ذَاكَ الدَّجَّالُ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجُنَيْدِ : يَسْرِقُ الْحَدِيثَ .
وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ : حَدَّثَ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ بِأَحَادِيثَ لَمْ يَسْمَعْهَا .
وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ : رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ عَجَائِبَ . 10
قُلْتُ : مَا هُوَ مِمَّنْ يَكْذِبُ ، كَلَّا وَكَانَ عَبَثُهُ بِالْمُرْدِ أَيَّامَ الشَّبِيبَةِ ، فَلَمَّا شَاخَ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ ، وَبَقِيَتِ الشَّنَاعَةُ ، وَكَانَ أَعْوَرَ .
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ وَقَفَ لَهُ الْأَضِرَّاءُ ، فَطَالَبُوهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكُمْ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ . فَقَالُوا : لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ، فَصَاحَ : الْحَبْسَ الْحَبْسَ ، فَحُبِسُوا ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ضَجُّوا . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : الْأَضِرَّاءُ . فَقَالَ لَهُ : وَلِمَ حَبَسْتَهُمْ ؟ أَعَلَى أَنْ كَنَّوْكَ ؟ قَالَ : بَلْ حَبَسْتُهُمْ عَلَى التَّعْرِيضِ بِشَيْخٍ لَائِطٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ . قَالَ فَضْلَكُ الرَّازِّيُّ : مَضَيْتُ أَنَا وَدَاوُدُ الْأَصْبَهَانِيُّ إِلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَمَعَنَا عَشَرَةُ مَسَائِلَ ، فَأَجَابَ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا أَحْسَنَ جَوَابٍ . وَدَخَلَ غُلَامٌ مَلِيحٌ ، فَلَمَّا رَآهُ اضْطَرَبَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ يَجِيءُ وَلَا يَذْهَبُ فِي مَسْأَلَةٍ .
فَقَالَ دَاوُدُ : قُمِ ، اخْتُلِطَ الرَّجُلُ . 11
قَالَ أَبُو الْعَيْنَاءِ : كُنَّا فِي مَجْلِسِ أَبِي عَاصِمٍ ، فَنَازَعَ أَبُو بَكْرِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غُلَامًا ، فَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ : مَهْيَمْ ؟ قِيلَ : أَبُو بَكْرٍ يُنَازِعُ غُلَامًا ، فَقَالَ : إِنْ يَسْرِقْ ، فَقَدْ سَرَقَ أَبٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ . وَقَدْ هُجِيَ بِأَبْيَاتٍ مُفَرَّقَةٍ لَمْ أَسُقْهَا .
قَالَ الْخَطِيبُ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ صَيَّرَ يَحْيَى فِي مَرْتَبَةِ ابْنِ أَبِي دُوَادَ ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خَمْسَ خِلَعٍ .
وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ : لَمَّا عُزِلَ يَحْيَى مِنَ الْقَضَاءِ بِجَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ جَاءَهُ كَاتِبُهُ ، فَقَالَ : سَلِّمِ الدِّيوَانَ . فَقَالَ : شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا . وَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ بِقَضِّ أَمْلَاكِهِ ، وَحُوِّلَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَأُلْزِمَ بَيْتَهُ .
قَالَ الْكَوْكَبِيُّ : حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ السَّعْدِيُّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، فَقَالَ : افْتَحْ هَذَا الْقِمَطْرَ . فَفَتَحَ ، فَإِذَا فِيهِ شَيْءٌ رَأْسُهُ رَأْسُ إِنْسَانٍ ، وَمِنْ سُرَّتِهِ إِلَى أَسْفَلَ خِلْقَةُ زَاغٍ ، وَفِي ظَهْرِهِ سِلْعَةٌ -يَعْنِي : حَدْبَةٌ وَفِي صَدْرِهِ كَذَلِكَ . 12 فَكَبَّرْتُ وَهَلَّلْتُ وَجَزِعْتُ ، وَيَحْيَى يَضْحَكُ ، فَقَالَ لِي بِلِسَانٍ طَلِقٍ : ﴿﴾ أَنَا الزَّاغُ أَبُو عَجْوَةَ ﴿﴾ ﴿﴾ أَنَا ابْنُ اللَّيْثِ وَاللَّبْوَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ أُحِبُّ الرَّاحَ وَالرَّيْحَا ﴿﴾ ﴿﴾ نَ وَالنَّشْوَةَ وَالْقَهْوَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَا عَرْبَدَتِي تُخْشَى ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا تُحْذَرُ لِي سَطْوَهْ ﴿﴾ ثُمَّ قَالَ : يَا كَهْلُ ، أَنْشِدْنِي شِعْرًا غَزَلًا ، فَأَنْشَدْتُهُ : ﴿﴾ أَغَرَّكِ أَنْ أَذْنَبْتِ ثُمَّ تَتَابَعَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ ذُنُوبٌ ، فَلَمْ أَهْجُرْكِ ثُمَّ أَتُوبُ ﴿﴾ 13 ﴿﴾ وَأَكْثَرْتِ حَتَّى قُلْتِ : لَيْسَ بِصَارِمِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَقَدْ يُصْدَمُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ حَبِيبُ ﴿﴾ فَصَاحَ : زَاغَ زَاغَ زَاغَ ، فَطَارَ ، ثُمَّ سَقَطَ فِي الْقِمَطْرِ . فَقُلْتُ : أَعَزَّ اللَّهُ الْقَاضِيَ ، وَعَاشِقٌ أَيْضًا ؟ ! فَضَحِكَ . فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : هُوَ مَا تَرَى . وَجَّهَ بِهِ صَاحِبُ الْيَمَنِ إِلَى أَمِيرِ الْمُومِنِينَ ، وَمَا رَآهُ بَعْدُ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : قَدِمْتُ الشِّحْرَ عَلَى رَئِيسِهَا ، فَتَذَاكَرْنَا النَّسْنَاسَ . فَقَالَ : صِيدُوا لَنَا مِنْهَا . فَلَمَّا أَنْ رُحْتُ إِلَيْهِ ، إِذَا بِنَسْنَاسٍ مَعَ الْأَعْوَانِ ، فَقَالَ : أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ! فَقُلْتُ : خَلُّوهُ ، فَخَلَّوْهُ ، فَخَرَجَ يَعْدُو ، وَإِنَّمَا يَرْعَوْنَ النَّبَاتَ . فَلَمَّا حَضَرَ الْغَدَاءُ قَالَ : اسْتَعِدُّوا لِلصَّيْدِ ، فَإِنَّا خَارِجُونَ . فَلَمَّا كَانَ السَّحْرُ سَمِعْنَا قَائِلًا يَقُولُ : أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنَّ الصُّبْحَ قَدْ 14 أَسْفَرَ ، وَهَذَا اللَّيْلُ قَدْ أَدْبَرَ ، وَالْقَانِصُ قَدْ حَضَرَ . فَعَلَيْكَ بِالْوَزَرِ .
فَقَالَ كُلِي وَلَا تُرَاعِي ، فَقَالُوا : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، فَهَرَبَ وَلَهُ وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ، وَشَعَرَاتٌ بِيضٌ فِي ذَقْنِهِ ، وَمِثْلُ الْيَدِ فِي صَدْرِهِ ، وَمِثْلُ الرِّجْلِ بَيْنَ وَرِكَيْهِ ، فَأَلَظَّ بِهِ كَلْبَانِ ، وَهُوَ يَقُولُ : ﴿﴾ إِنَّكُمَا [ حِينَ ] تُجَارِيَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَلْفَيْتُمَانِي خَضِلًا عِنَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْ بِي شَبَابٌ مَا مَلَكْتُمَانِي ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى تَمُوتَا أَوْ تُفَارِقَانِي ﴿﴾
قَالَ : فَأَخَذَاهُ . قَالَ : يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا مِنْهَا نَسْنَاسًا ، فَقَالَ قَائِلٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا أَحْمَرَ دَمَهُ ! قَالَ : يَقُولُ نَسْنَاسٌ مِنْ شَجَرَةٍ : كَانَ يَأْكُلُ السُّمَّاقَ ، فَقَالُوا : نَسْنَاسٌ ، فَأَخَذُوهُ ، وَقَالُوا : لَوْ سَكَتَ ، مَا عُلِمَ بِهِ . 15
فَقَالَ آخَرُ مِنْ شَجَرَةٍ : أَنَا صُمَيْمِيتٌ ، فَقَالُوا : نَسْنَاسٌ خُذُوهُ . قَالَ : وَبَنُو مَهْرَةَ يَصْطَادُونَهَا ، وَيَأْكُلُونَهَا . قَالَ : وَكَانَ بَنُو أُمَيْمِ بْنُ لَاوَذِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ ، سَكَنُوا زُنَّارَ أَرْضِ رَمْلٍ كَثِيرَةِ النَّخْلِ ، وَيُسْمَعُ فِيهَا حِسُّ الْجِنِّ حَتَّى كَثُرُوا ، فَعَصَوْا ، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ ، فَأَهْلَكَهُمْ ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ بَقَايَا لِلْعَرَبِ تَقَعُ عَلَيْهِمْ . وَلِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْهُمْ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ فِي شِقٍّ وَاحِدٍ ، يُقَالُ لَهُمُ : النَّسْنَاسُ .
قُلْتُ : هَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : ذَهَبَ النَّاسُ ، وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ . يُشَبِّهُونَ النَّاسَ ، وَلَيْسُوا بِنَاسٍ . لَعَلَّ هَؤُلَاءِ تَوَلَّدُوا مِنْ قِرَدَةٍ وَنَاسٍ . فَسُبْحَانَ الْقَادِرِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ ، رُئِيَ فِي النَّوْمِ ، وَأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ ، وَأُدِخَلَ الْجَنَّةَ .
قَالَ السَّرَّاجُ فِي " تَارِيخِهِ " : مَاتَ بِالرَّبَذَةِ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْحَجِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ : بَلَغَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً . 16 وَدُعَابَةُ يَحْيَى مَعَ الْمُرْدِ أَمْرٌ مَشْهُورٌ ، وَبَعْضُ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ . وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشِيخَ . عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَعَنَّا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith