سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الحادي والعشرون
page 5613 · printed p. 455
قِيَامُهُ فِي الْمُنْكَرِ :
كَانَ لَا يَرَى مُنْكَرًا إِلَّا غَيَّرَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ ، وَكَانَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ . قَدْ رَأَيْتُهُ مَرَّةً يُهْرِيقُ خَمْرًا فَجَبَذَ صَاحِبُهُ السَّيْفَ فَلَمْ يَخَفْ مِنْهُ ، وَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ ، وَكَانَ قَوِيًّا فِي بَدَنِهِ ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ بِدِمَشْقَ يُنْكِرُ وَيَكْسِرُ الطَّنَابِيرَ وَالشَّبَّابَاتِ .
قَالَ خَالِيَ الْمُوَفَّقُ : كَانَ الْحَافِظُ لَا يَصْبِرُ عَنْ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ إِذَا رَآهُ ، وَكُنَّا مَرَّةً أَنْكَرْنَا عَلَى قَوْمٍ أَرَقْنَا خَمْرَهُمْ وَتَضَارَبْنَا ، فَسَمِعَ خَالِي أَبُو عُمَرَ ، فَضَاقَ صَدْرُهُ ، وَخَاصَمَنَا ، فَلَمَّا جِئْنَا إِلَى الْحَافِظِ طَيَّبَ قُلُوبَنَا ، وَصَوَّبَ فِعْلَنَا وَتَلَا : وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ .
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَحْمَدَ الطَّحَّانَ ، قَالَ : كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ قَدْ عُمِلَتْ لَهُمْ طَنَابِيرُ ، وَكَانُوا فِي بُسْتَانٍ يَشْرَبُونَ ، فَلَقِيَ الْحَافِظُ الطَّنَابِيرَ فَكَسَرَهَا .
قَالَ : فَحَدَّثَنِي الْحَافِظُ ، قَالَ : فَلَمَّا كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ الْهَادِي عِنْدَ حَمَّامِ كَافُورٍ إِذَا قَوْمٌ كَثِيرٌ مَعَهُمْ عِصِيٌّ فَخَفَّفْتُ الْمَشْيَ ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَلَمَّا صِرْتُ عَلَى الْجِسْرِ لَحِقُوا صَاحِبِي ، فَقَالَ : أَنَا مَا كَسَرْتُ لَكُمْ شَيْئًا ، هَذَا هُوَ الَّذِي كَسَرَ . قَالَ : فَإِذَا فَارِسٌ يَرْكُضُ 455 فَتَرَجَّلَ ، وَقَبَّلَ يَدَيَّ ، وَقَالَ : الصِّبْيَانُ مَا عَرَفُوكَ ? . وَكَانَ قَدْ وَضَعَ اللَّهُ لَهُ هَيْبَةً فِي النُّفُوسِ .
سَمِعْتُ فَضَائِلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرُورٍ الْمَقْدِسِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِمِصْرَ أَنَّ الْحَافِظَ كَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْعَادِلِ فَقَامَ لَهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي جَاءَ الْأُمَرَاءُ إِلَى الْحَافِظِ مِثْلُ سَرْكَسٍ وَأُزْكَشٍ ، فَقَالُوا : آمَنَّا بِكَرَامَاتِكَ يَا حَافِظُ .
وَذَكَرُوا أَنَّ الْعَادِلَ قَالَ : مَا خِفْتُ مِنْ أَحَدٍ مَا خِفْتُ مِنْ هَذَا ، فَقُلْنَا : أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذَا رَجُلٌ فَقِيهٌ . قَالَ : لَمَّا دَخَلَ مَا خُيِّلَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ سَبْعٌ .
قَالَ الضِّيَاءُ : رَأَيْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ : وَالْمَلِكُ الْعَادِلُ اجْتَمَعْتُ بِهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْهُ إِلَّا الْجَمِيلَ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ ، وَقَامَ لِي ، وَالْتَزَمَنِي ، وَدَعَوْتُ لَهُ ثُمَّ قُلْتُ : عِنْدَنَا قُصُورٌ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ التَّقْصِيرَ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ لَا تَقْصِيرٌ وَلَا قُصُورٌ ، وَذَكَرَ أَمْرَ السُّنَّةِ فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ شَيْءٌ تُعَابُ بِهِ لَا فِي الدِّينِ وَلَا الدُّنْيَا ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاسِدِينَ .
وَبَلَغَنِي بَعْدُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا رَأَيْتُ بِالشَّامِ وَلَا مِصْرَ مِثْلَ فُلَانٍ ، دَخَلَ عَلَيَّ فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَسَدٌ ، وَهَذَا بِبَرَكَةِ دُعَائِكُمْ وَدُعَاءِ الْأَصْحَابِ .
قَالَ الضِّيَاءُ : كَانُوا قَدْ وَغَرُوا عَلَيْهِ صَدْرَ الْعَادِلِ ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ أَرْسَلَ إِلَى الْعَادِلِ يَبْذُلُ فِي قَتْلِ الْحَافِظِ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ .
قُلْتُ : جَرَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ نَشْرُ الْحَافِظِ أَحَادِيثَ النُّزُولِ وَالصِّفَاتِ فَقَامُوا عَلَيْهِ ، وَرَمَوْهُ بِالتَّجْسِيمِ ، فَمَا دَارَى كَمَا كَانَ يُدَارِيهِمُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ .
سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَحْكِي عَنِ الْأَمِيرِ دِرْبَاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْحَافِظِ 456 إِلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ فَلَمَّا قَضَى الْمَلِكُ كَلَامَهُ مَعَ الْحَافِظِ ، جَعَلَ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ مَارِدِينَ وَحِصَارِهَا ، فَسَمِعَ الْحَافِظُ فَقَالَ : أَيْشٍ هَذَا ، وَأَنْتَ بَعْدُ تُرِيدُ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ ، مَا تَشْكُرُ اللَّهَ فِيمَا أَعْطَاكَ ، أَمَا . . . أَمَا !؟ قَالَ فَمَا أَعَادَ وَلَا أَبْدَى . ثُمَّ قَامَ الْحَافِظُ وَقُمْتُ مَعَهُ ، فَقُلْتُ : أَيْشٍ هَذَا ؟ نَحْنُ كُنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا ثُمَّ تَعْمَلُ هَذَا الْعَمَلَ ؟ قَالَ : أَنَا إِذَا رَأَيْتُ شَيْئًا لَا أَقْدِرُ أَصْبِرُ ، أَوْ كَمَا قَالَ .
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ الطَّحَّانِ ، قَالَ : كَانَ فِي دَوْلَةِ الْأَفْضَلِ جَعَلُوا الْمَلَاهِيَ عِنْدَ الدَّرَجِ فَجَاءَ الْحَافِظُ فَكَسَرَ شَيْئًا كَثِيرًا ، ثُمَّ صَعِدَ يَقْرَأُ الْحَدِيثَ ، فَجَاءَ رَسُولُ الْقَاضِي يَأْمُرُهُ بِالْمَشْيِ إِلَيْهِ لِيُنَاظِرَهُ فِي الدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ فَقَالَ : ذَاكَ عِنْدِي حَرَامٌ وَلَا أَمْشِي إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْحَدِيثَ . فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ : لَا بُدَّ مِنَ الْمَشْيِ إِلَيْهِ ، أَنْتَ قَدْ بَطَّلْتَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى السُّلْطَانِ ، فَقَالَ الْحَافِظُ : ضَرَبَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ وَرَقَبَةَ السُّلْطَانِ ، فَمَضَى الرَّسُولُ وَخِفْنَا ، فَمَا جَاءَ أَحَدٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith