الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الثاني
page 205 · printed p. 308 · commentary
فَصْلٌ
[ الْأُجَرَاءُ ]
فَصْلٌ
( الْأُجَرَاءُ : مُشْتَرَكٌ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إِمَّا الْعَمَلُ أَوْ أَثَرُهُ ، وَالْمَنْفَعَةُ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْغَيْرِ فَكَانَ مُشْتَرَكًا .
( وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ ) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( وَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ) لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَا يَضْمَنُهُ .
( إِلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِعَمَلِهِ كَتَخْرِيقِ الثَّوْبِ مِنْ دَقِّهِ وَزَلَقِ الْحَمَّالِ وَانْقِطَاعِ الْحَبْلِ مِنْ شَدِّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهِ وَهُوَ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعَمَلٍ فِيهِ صَلَاحٌ ، فَإِذَا أَفْسَدَهُ فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ .
( إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ إِذَا غَرِقَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ ، أَوْ سَقَطَ مِنَ الدَّابَّةِ بِسَوْقِهِ وَقَوْدِهِ ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَضْمَنُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ ، وَلَوْ غَرِقَتْ مِنْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ صَدْمِ جَبَلٍ أَوْ زُوحِمَ الْحَمَّالُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ تَلَفَ بِفِعْلِ أَجِيرِ الْقَصَّارِ لَا مُتَعَمِّدًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُسْتَاذِ ، لِأَنَّ فِعْلَ الْأَجِيرِ مُضَافٌ إِلَى أُسْتَاذِهِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَضْمَنُ سَوَاءً هَلَكَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، إِلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالْمَوْتِ وَالْحَرِيقِ وَالْغَرَقِ الْغَالِبِ ، وَالْعَدُوِّ الْمُكَابِرِ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ عَمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، فَإِذَا تَرَكَهُ ضَمِنَ كَمَا إِذَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ; ثُمَّ إِنْ 308 شَاءَ ضَمِنَهُ مَعْمُولًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَغَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِأَمْرِ الْمَالِكِ وَصَارَ كَأَجِيرِ الْوَاحِدِ ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ .
قَالَ : ( وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْفَصَّادِ وَالْبَزَّاغِ إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ ) لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْمُعْتَادَ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنِ السِّرَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الْمِزَاجِ وَضَعْفِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا يُتَقَيَّدُ بِهِ ، بِخِلَافِ دَقِّ الثَّوْبِ لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَثَخَانَتَهُ تُعْرَفُ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ فَتُقَيَّدُ بِالصَّلَاحِ; وَلَوْ قَالَ لِلْخَيَّاطِ : إِنْ كَفَانِي هَذَا الثَّوْبُ قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَطْعِ بِشَرْطِ الْكِفَايَةِ; وَلَوْ قَالَ لَهُ : هَلْ يَكْفِينِي; فَقَالَ نَعَمْ ، قَالَ فَاقْطَعْ فَلَمْ يَكْفِهِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَطْعِ مُطْلَقًا .
قَالَ : ( وَخَاصٌّ كَالْمُسْتَأْجَرِ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ وَرَعْيِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهِ ) لِأَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لِلْمُسْتَأْجِرِ طُولَ الْمُدَّةِ فَلَا يُمْكِنُهُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِهِ فَلِهَذَا كَانَ خَاصًّا ، وَيُسَمَّى أَجِيرَ الْوَاحِدِ أَيْضًا . ( وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ ) .
لِأَنَّهَا مُقَابَلَةٌ بِالْمَنَافِعِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَمَلَ لِصَرْفِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ ، وَمَنَافِعُهُ صَارَتْ مُسْتَوْفَاةً بِالتَّسْلِيمِ تَقْدِيرًا حَيْثُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ .
قَالَ : ( وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلَفَ فِي يَدِهِ ) لِمَا مَرَّ ( وَلَا بِعَمَلِهِ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْفَسَادَ ) لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ سَلِيمَةٌ ، وَالْمَعِيبُ الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ إِذَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْعَمَلِ انْتَقَلَ عَمَلُهُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَائِبًا عَنْهُ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ ، وَمَا تَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ ضَمَانُهُ عَلَى أُسْتَاذِهِ لِمَا أَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ .
قَالَ : ( وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ ) لِأَنَّ خِدْمَةَ السَّفَرِ أَشَقُّ فَلَا يَنْتَظِمُهَا الْعَقْدُ إِلَّا بِشَرْطٍ ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ فَعَلَيْهِ خِدْمَتُهُ مِنَ السَّحَرِ إِلَى أَنْ يَنَامَ النَّاسُ بَعْدَ 309 الْعِشَاءِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ فِي الْخِدْمَةِ ، وَعَلَيْهِ خِدْمَةُ الْبَيْتِ وَالضَّيْفِ دُونَ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَالْخِيَاطَةِ وَعَلْفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ سَنَةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي خِلَالِهَا جَازَ الْعِتْقُ; وَالْعَبْدُ إِنْ شَاءَ مَضَى عَلَى الْإِجَارَةِ وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ ، وَأُجْرَةُ مَا مَضَى لِلسَّيِّدِ وَمَا بَقِيَ لِلْعَبْدِ ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ بَدَلُهَا ، وَإِذَا أَجَازَ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ قَبْضُ الْأُجْرَةِ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith