الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الثاني
page 255 · printed p. 391 · commentary
فَصْلٌ
( اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمَبِيعِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ أَوْلَى ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَقَدْ تَرَجَّحَتْ دَعْوَاهُ بِالْبَيِّنَةِ .
( وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْمُثْبِتَةُ لِلزِّيَادَةِ أَوْلَى ) لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِثْبَاتِ ، فَمَهْمَا كَانَتْ أَكْثَرَ إِثْبَاتًا كَانَتْ أَقْوَى فَتَتَرَجَّحُ عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الثَّمَنِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا ، وَبَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا .
( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ; وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي : إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مِنَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَسَخْنَا الْبَيْعَ ) لِأَنَّهُمَا قَدْ لَا يَخْتَارَانِ الْفَسْخَ ، فَإِذَا عَلِمَا بِذَلِكَ تَرَاضَيَا ، فَتَرْتَفِعُ الْمُنَازَعَةُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ .
( فَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ ) وَيُحَلِّفُ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " ۝ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا " فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ بِاللَّهِ مَا بَاعَهُ بِأَلْفٍ كَمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ كَمَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَالَ لَهُمَا الْقَاضِي : مَا تُرِيدَانِ ؟ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبَا الْفَسْخَ تَرَكَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ ، وَإِنْ طَلَبَا الْفَسْخَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَسَخَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنِ الثَّمَنُ وَلَا الْمَبِيعُ صَارَ مَجْهُولًا فَيُفْسَخُ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِنُفُوسِ التَّحَالُفِ حَتَّى يَتَفَاسَخَا أَوْ يَفْسَخَ الْقَاضِي .
قَالَ : ( وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ ) فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . قَالَ عَلَيْهِ 391 الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ " وَأَقَلُّ فَائِدَتِهِ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ . وَقَوْلُهُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا وَهُوَ يُنْكِرُ ، وَهُوَ لَا يُطَالِبُ الْبَائِعَ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِلْحَالِ .
قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُقَايَضَةً ) أَوْ صَرْفًا . ( بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِنْكَارِ; وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا يُبْدَأُ بِيَمِينِ مَنْ بَدَأَ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِنْكَارِ فَيَتَرَجَّحُ بِالْبِدَايَةِ وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا يَبْدَأُ الْقَاضِي بِأَيِّهِمَا شَاءَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا; وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الْعَقْدِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَيْعًا وَقَالَ الْآخَرُ هِبَةً ، أَوْ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ ، وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ يَتَحَالَفَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الثَّمَنِ وَجِنْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ دَيْنٌ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِجِنْسِهِ وَوَصْفِهِ ، وَلَا وُجُودَ لَهُ بِدُونِهِمَا ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَجَلُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّهِ وَقَالَا : لَا يَتَحَالَفَانِ ؛ لِأَنَّ نَصَّ التَّحَالُفِ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ ، وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ .
قَالَ : ( وَمَنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ دَعْوَى صَاحِبِهِ ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ ، أَوِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الثَّمَنِ لَمْ يَتَحَالَفَا ) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلُّ بِعَدَمِهِ ، بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعَقْدِ بِدُونِهِ .
( وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الشَّرْطَ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .
( وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَتَحَالَفَانِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ 392 وَعَلَى هَذَا إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي أَوْ صَارَ بِحَالٍ يَمْنَعُ الْفَسْخَ بِأَنِ ازْدَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً . لِمُحَمَّدٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا غَيْرَ مَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ فَيَتَحَالَفَانِ كَمَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا . وَلَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُنْكِرِ حَقِيقَةً بِالنَّصِّ وَالْبَائِعُ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِمُدَّعٍ ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ سُلِّمَتْ لَهُ مِلْكًا وَيَدًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ مُنْكِرًا لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ لِفَائِدَةِ الْفَسْخِ ، وَلَا فَسْخَ بَعْدَهَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْعَقْدِ ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى بِهَا ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ ، وَإِنْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتِ الْوَرَثَةُ فَلَا تَحَالُفَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَبَايِعَيْنِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمَا النَّصُّ .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِ الْمَبِيعِ لَمْ يَتَحَالَفَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيِّ وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْحَيِّ وَقِيمَةُ الْهَالِكِ وَعَلَى هَذَا إِذَا انْتَقَصَ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ . لِمُحَمَّدٍ أَنَّ هَلَاكَ السِّلْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّحَالُفَ عِنْدَهُ لِمَا مَرَّ ، فَهَلَاكُ الْبَعْضِ أَوْلَى . وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ قَائِمًا يَتَحَالَفَانِ ، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا يَتَحَالَفَانِ ، فَإِذَا هَلَكَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ يُعْطَى كُلُّ نِصْفٍ حُكْمَهُ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِتَرْكِ حِصَّةِ الْهَالِكِ يَصِيرُ الْهَالِكُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَرِدْ إِلَّا عَلَى الْبَاقِي; وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ عَلَى قَوْلِهِ أَبِي حَنِيفَةَ يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الْهَالِكِ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي دُونَ الزِّيَادَةِ . وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفٍ مَعَ قَوْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتُهُمَا بِأَلْفَيْنِ ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ ، وَإِنْ حَلَفَ يَحْلِفُ الْبَائِعُ مَا بِعْتُهُمَا بِأَلْفٍ ، فَإِنْ حَلَفَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْقَائِمِ وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْهَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ ، وَيُقَسِّمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا يَوْمَ الْقَبْضِ; وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ يَوْمَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ السُّقُوطِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الثَّمَنِ ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فِي الْبَدَلِ أَوْ فِي الْمُبْدَلِ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ نَظِيرُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ; فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأُجْرَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَنْفَعَةِ بُدِئَ بِيَمِينِ الْمُؤَجِّرِ ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ; 393 وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ إِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَنْفَعَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَجْرِ فَبَيِّنَةُ الْأَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا قَضَى بِالْبَيِّنَتَيْنِ ، كَمَا إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ ، وَالْآخَرُ شَهْرَيْنِ بِخَمْسَةٍ يَقْضِي بِشَهْرَيْنِ بِعَشْرٍ .
( وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا ) بِالْإِجْمَاعِ .
( وَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ إِنَّمَا يُفْسَخُ فِي الْهَالِكِ فَيَرُدُّ الْقِيمَةَ ، وَالْهَالِكُ هُنَا لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ ، فَلَوْ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَقْدَ فَيَرْجِعُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ .
( وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ يَتَحَالَفَانِ ، وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ فِيهِ بَقِيَ وَالْقَوْلُ فِيهِ مَضَى قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَمَا مَضَى صَارَ كَالْهَالِكِ وَمَا بَقِيَ لَمْ يَنْعَقِدْ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ جُمْلَةً وَاحِدَةً .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْإِقَالَةِ تَحَالَفَا وَعَادَ الْبَيْعُ ) وَمَعْنَاهُ : اخْتَلَفَا فَبْلَ الْقَبْضِ; أَمَّا إِذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْإِقَالَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَا لَمْ يَتَحَالَفَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَا إِشْكَالَ إِنَّمَا الْإِشْكَالُ عَلَى أَنَّهَا فَسْخٌ ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ إِنَّمَا أَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوَافِقُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي زِيَادَةَ الثَّمَنِ ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ ، وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا نَقَدَ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ فَيَحْلِفُ ، فَكَانَ التَّحَالُفُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَأَثْبَتْنَا التَّحَالُفَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُسَلِّمُ لِلْمُشْتَرِي ، فَلَا يَدَّعِي شَيْئًا فَلَا يَكُونُ الْبَائِعُ مُنْكِرًا .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَهْرِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ ، وَإِنْ أَقَامَا فَبَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ ) لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إِثْبَاتًا .
( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا ، فَأَيُّهُمَا نَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ; وَإِذَا تَحَالَفَا ) لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ أَثَرَ التَّحَالُفِ فِي انْعِدَامِ التَّسْمِيَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا عُرِفَ . لَكِنْ
394 ( يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ قَضَى بِقَوْلِهَا ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا .
( وَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ قَضَى بِقَوْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا قَالَتْ وَأَكْثَرَ مِمَّا قَالَ قَضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهِ ، وَلَا الْحَطِيطَةَ مِنْهُ نَظَرًا إِلَى يَمِينِهَا ، فَإِذَا سَقَطَتِ التَّسْمِيَةُ بِالتَّحَالُفِ اعْتُبِرَ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا إِذَا لَمْ تُوجَدِ التَّسْمِيَةُ حَقِيقَةً ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ كَمَا فِي الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ; وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ بِحُكْمِ مُتْعَةِ مِثْلِهَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ ، وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ مَهْرًا لَهَا ، وَقِيلَ مَا دُونُ الْعَشَرَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ . وَلَهُمَا أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ نَظَرًا إِلَى الْمُعْتَادِ وَإِلَى إِنْكَارِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَعْبِيرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ ، وَالْقَوْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَيُصَارُ إِلَيْهِ .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ ) كَالْمِقْنَعَةِ وَالدُّولَابِ وَأَشْبَاهِهِ . ( فَلِلْمَرْأَةِ ) بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ .
( وَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ) كَالْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَنَحْوِهِ . ( فَلِلرَّجُلِ ) وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْأَوَانِي وَالْبُسُطِ وَنَحْوِهَا فَلِلرَّجُلِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْبَيْتَ فِي يَدِ الرَّجُلِ ، فَكَانَتِ الْيَدُ شَاهِدَةً بِالْمِلْكِ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْيَدِ لَا أَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ مَا يَخْتَصُّ بِهَا .
( وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَلِلْبَاقِي ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ لَا لِلْمَيِّتِ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : مَا يَصْلُحُ لَهُمَا لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا حَالَةَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَدْفَعُ إِلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهِّزُ بِهِ مِثْلَهَا وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَأْتِي بِالْجِهَازِ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الزَّوْجِ فَيُبْطِلُهُ ، وَمَا وَرَاءَهُ لَا يُعَارِضُ يَدَ 539 الزَّوْجِ فَيَكُونُ لَهُ ، وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ تَقُومُ مَقَامَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَمْلُوكًا فَالْكُلُّ لِلْحُرِّ حَالَةَ الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ أَقْوَى ، وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِيَدِهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا فِي الْخُصُومَاتِ وَغَيْرِهَا .
قَالَ : ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَتَحَالَفَا ) وَقَالَا : يَتَحَالَفَانِ وَتُفْسَخُ الْكِتَابَةُ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، وَالْمَوْلَى يَدَّعِي بَدَلًا زَائِدًا وَالْمُكَاتِبُ يُنْكِرُ ، وَالْمُكَاتِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ عِنْدَ أَدَاءِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْقَدْرِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُهُ فَيَتَحَالَفَانِ كَالْبَيْعِ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَلَ مُقَابَلٌ فِي الْحَالِ بِفَكِّ الْحَجْرِ وَهُوَ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُقَابِلًا لِلْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ ، فَكَانَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الْبَدَلِ لَا غَيْرُ ، فَلَا يَتَحَالَفَانِ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith