الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الرابع
page 473 · printed p. 382 · commentary
382 كِتَابُ السِّيَرِ وَهِيَ جَمْعُ سِيرَةٍ ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ خَيْرًا كَانَتْ أَوْ شَرًّا ، وَمِنْهُ سِيرَةُ الْعُمَرَيْنِ : أَيْ طَرِيقَتُهُمَا ; وَيُقَالُ : فُلَانٌ مَحْمُودُ السِّيرَةِ ، وَفُلَانٌ مَذْمُومُ السِّيرَةِ : يَعْنِي الطَّرِيقَةَ ، وَسُمِّيَ هَذَا الْكِتَابُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ سِيَرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَطَرِيقَتَهُ فِي مَغَازِيهِ ، وَسِيرَةَ أَصْحَابِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ .
وَالْجِهَادُ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا ، ثَبَتَتْ فَرَضِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ . أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ فِي الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ . وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ۝ الْجِهَادُ مَاضٍ - أَيْ فَرْضٌ - مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةَ ، حَتَّى يُقَاتِلَ عِصَابَةٌ مِنْ أَمَّتِي الدَّجَّالَ " وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ . " ۝ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا أَوْ سَرِيَّةً أَوْصَى صَاحِبَهُمْ : أَيْ أَمِيرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ : اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمْ ، وَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَبَوْا فَانْبِذُوا إِلَيْهِمْ : أَيْ أَعْلِمُوهُمْ بِالْقِتَالِ ، وَإِذَا حَاصَرْتُمْ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُنْزِلُوهُمْ ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللُّهِ فِيهِمْ ، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ ، ثُمَّ اقْضُوا فِيهِمْ مَا رَأَيْتُمْ ، وَإِذَا أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ أَعْطُوهُمْ 383 ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ آبَائِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفِرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذَمَّةَ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ " وَإِخْفَارُ الذِّمَّةِ : نَقْضُهَا .
قَالَ : ( الْجِهَادُ فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ النَّفِيرِ الْعَامِّ وَكِفَايَةٌ عِنْدَ عَدَمِهِ ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ) الْآيَةَ ; وَالنَّفِيرُ الْعَامُّ : أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ إِعْزَازُ الدِّينِ وَقَهْرُ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بِالْجَمِيعِ ، فَيَصِيرُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ كَرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ وَالْمَقْصُودَ مِنْهُ دَفْعُ شَرِّ الْكُفْرِ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ ، وَإِطْفَاءُ ثَائِرَتِهِمْ ، وَإِعْلَاءُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْجِهَادِ وَلَا يَخْرُجُ جَمِيعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ تَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزِّرَاعَاتِ وَالصَّنَائِعِ ، وَانْقَطَعَتْ مَادَّةُ الْجِهَادِ مِنَ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فَلَا يَقْدِرُ الْمُجَاهِدُونَ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْجِهَادِ فَيُؤَدِّيَ إِلَى تَعْطِيلِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ جَمِيعُ النَّاسِ بِتَرْكِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ .
قَالَ : ( وَقِتَالُ الْكُفَّارِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ عَاقِلٍ صَحِيحٍ حُرٍّ قَادِرٍ ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ مَشْغُولَانِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي الْخِطَابِ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَادِرِ فَلِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَاجِزِ قَبِيحٌ كَالْمَرِيضِ وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ وَنَحْوِهِمْ ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ) الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ .
قَالَ : ( وَإِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الدَّفْعُ ، تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذَنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ ، وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ فَرْضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .
384 قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِالْجُعْلِ إِذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ ) لِأَنَّهُ دَفْعُ الضَّرَرِ الْأَعْلَى بِاحْتِمَالِ الْأَدْنَى ، وَالْحَاجَةُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ وَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمِيرَةِ وَمَوَادِّ الْجِهَادِ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ; وَقَدْ صَحَّ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُغْزِي الْأَعْزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ ، وَيُعْطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ الْقَاعِدِ .
قَالَ : ( وَإِذَا حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي مَدِينَةٍ أَوْ حِصْنٍ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ) لِمَا رُوِيَ ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُمْ رُبَّمَا أَسْلَمُوا فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِأَهْوَنِ الشَّرَّيْنِ .
( فَإِنْ أَسْلَمُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ " الْحَدِيثَ ، وَلِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِسْلَامُهُمْ وَقَدْ حَصَلَ .
قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا دَعَاهُمْ إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ) لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ ( إِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا وَبَيَّنُوا لَهُمْ كَمِّيَّتَهَا ، وَمَتَى تَجِبُ ) عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي بَابِهِ ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا لَا يَدْعُوهُمْ ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، إِذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ وَيُعَرِّفُهُمْ قَدْرَهَا لِتَنْقَطِعَ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْقِتَالَ يَنْتَهِي بِالْجِزْيَةِ ، قَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ) أَيْ حَتَّى يَقْبَلُوهَا .
قَالَ : ( فَإِنْ قَبِلُوهَا فَلَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا ) قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ فَإِذَا قَبِلُوهَا فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ " وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّمَا 385 بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَالْمُرَادُ بِالْبَذْلِ الْقَبُولُ إِجْمَاعًا .
قَالَ : ( وَيَجِبُ أَنْ يَدْعُوا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ) لِمَا تَقَدَّمَ وَلِيَعْلَمُوا مَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ فَرُبَّمَا أَجَابُوا فَنُكْفَى مَئُونَةُ الْقِتَالِ ، فَإِنْ قَاتَلَهُمْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ قِيلَ يَجُوزُ ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَدِ انْتَشَرَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَامَ الشُّيُوعُ مَقَامَ الْبُلُوغِ ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ آثِمٌ لِلنَّهْيِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ عَلَى مَا مَرَّ ، وَلِأَنَّ الشُّيُوعَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يُعْتَبَرُ شُيُوعًا فِي الْكُلِّ .
قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ بَلَغَتْهُ ) الدَّعْوَةُ أَيْضًا مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، ۝ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يُغِيرَ عَلَى بَنِي الْأَصْفَرِ صَبَاحًا ثُمَّ يُحَرِّقَ نَخْلَهُمْ " وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ عَنْ دَعْوَةٍ .
قَالَ : ( فَإِنْ أَبَوْا ) يَعْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ ( اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَحَارَبُوهُمْ ) لِمَا بَيَّنَّا ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ " وَلِأَنَّهُ أَعْذَرُ إِلَيْهِمْ فَأَقَامُوا عَلَى عَدَاوَتِهِمْ فَوَجَبَتْ مُنَاجَزَتُهُمْ ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُ النَّاصِرُ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُذِلُّ لِأَعْدَائِهِ فَيُسْتَعَانُ بِهِ .
قَالَ : ( وَنَصَبُوا عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ ، وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ ، وَحَرَّقُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ - وَإِنْ تَتَرَّسُوا - بِالْمُسْلِمِينَ وَيَقْصِدُونَ بِهِ الْكُفَّارَ ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ غَيْظًا وَكَبْتًا لِلْكُفَّارِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ ، وَقَدْ صَحَّ ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَكَانَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلِأَنَّ بِلَادَهُمْ لَا تَخْلُو عَنِ الْمُسْلِمِينَ الْأَسْرَى وَالتُّجَّارِ وَالْأَطْفَالِ ، فَلَوِ امْتَنَعَ الْقِتَالُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ لَامْتَنَعَ أَصْلًا ، وَلَا يَقْصِدُونَ بِالرَّمْيِ الْمُسْلِمِينَ تَحَرُّزًا عَنْ قَتْلِهِمْ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ " ۝ وَلَمَّا مَرَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ 386 الطَّائِفَ بَدَا لَهُ قَصْرُ عُمَرَ بْنِ مَالِكٍ النَّضْرَيِّ فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْكُرُومِ أَمَرَ بِقَطْعِهَا " قَالَ الزُّهْرِيُّ : ۝ وَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ الْبُيُوتَ; وَلَمَّا تَحَصَّنَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ وَتَحْرِيقِهِ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ تَرْضَى بِالْفَسَادِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَسَادًا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
قَالَ : ( وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَغْدُرُوا ، وَلَا يَغُلُّوا ، وَلَا يُمَثِّلُوا ) لِمَا رَوَيْنَا مِنَ الْحَدِيثِ أَوَّلَ الْبَابِ; وَالْغُلُولُ : الْخِيَانَةُ وَالسَّرِقَةُ مِنَ الْمَغْنَمِ; وَالْغَدْرُ : نَقْضُ الْعَهْدِ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الْأَمَانِ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَهُ وَهُوَ حِيلَةٌ وَخُدْعَةٌ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ " وَالْمُثْلَةُ الْمَنْهِيَّةُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ ، وَلَا بَأْسَ بِهَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي كَبْتِهِمْ وَأَضَرُّ بِهِمْ .
قَالَ : ( وَلَا يَقْتُلُوا مَجْنُونًا ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا صَبِيًّا ، وَلَا أَعْمَى ، وَلَا مُقْعَدًا ، وَلَا مَقْطُوعَ الْيَمِينِ ، وَلَا شَيْخًا فَانِيًا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ مَلِكًا ، أَوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ ، أَوْ يُحَرِّضُ عَلَيْهِ ، أَوْ لَهُ رَأْيٌ فِي الْحَرْبِ أَوْ مَالٌ يَحُثُّ بِهِ ، أَوْ يَكُونُ الشَّيْخُ مِمَّنْ يَحْتَالُ ) ۝ لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَالذَّرَارِيِّ ، وَرَأَى عَلْيِهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَقَالَ : " هَاهْ مَا 387 لَهَا قُتِلَتْ وَمَا كَانَتْ تُقَاتِلُ ; وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَتْلِ هُوَ الْحِرَابُ بِإِشَارَةِ هَذَا النَّصِّ وَهَؤُلَاءِ لَا يُقَاتِلُونَ وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطِبٍ ، وَكَذَلِكَ مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرَّجْلِ مِنْ خِلَافٍ ، وَيَابِسُ الشَّقِّ لِمَا بَيَّنَّا ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مَلِكًا ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ ، أَوْ لَهُ مَالٌ يُعِينُ بِهِ ، أَوْ رَأْيٌ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ فَصَارَ كَالْمُقَاتِلِ " وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةَ وَكَانَ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سُنَّةً لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ رَأْيٍ " وَيَقْتُلُ الرَّهَابِينَ وَأَهْلَ الصَّوَامِعِ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ أَوْ يَدُلُّونَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا مَرَّ ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ أَوْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَبَلٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ وَنَحْوِهِ لَا يُقْتَلُونَ لِمَا بَيَّنَّا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith