الذخيرة
الذخيرة · الجزء التاسع
الصفحة 1334 · ص. المطبوع 189
189 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْحَمَالَةِ
وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحَمْلِ ; لِأَنَّ الضَّامِنَ حَمَلَ وَالْمَضْمُونَ نَقَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَهِيَ فِي اللُّغَةِ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ كُلُّهَا مُتَرَادِفَةٌ : الْحَمِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْكَفِيلُ وَالْقَبِيلُ وَالْأَذِينُ وَالصَّبِيرُ وَالضَّامِنُ ، يُقَالُ : حَمَلَ يَحْمِلُ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ وَزَعَمَ يَزْعُمُ زَعَامَةً فَهُوَ زَعِيمٌ وَكَفَلَ يَكْفُلُ كَفَالَةً فَهُوَ كَفِيلٌ وَقَبِلَ يَقْبَلُ قَبَالَةً فَهُوَ قَبَيْلٌ وَأَذِنَ يَأْذَنُ إِذَانَةً فَهُوَ أَذِينٌ وَصَبَرَ يَصْبِرُ صَبْرًا فَهُوَ صَبِيرٌ وَضَمِنَ يَضْمَنُ ضَمَانًا فَهُوَ ضَامِنٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَ ( سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ۝ الزَّعِيمُ غَارِمٌ ) . وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ . أَيْ مَنْ يَتَحَمَّلُ الْكَلَامَ عَنْهُمْ وَيَتَقَدَّمُ فِيهِ دُونَهُمْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ 190 مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ . وَقَالَ تَعَالَى : ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ) . وَالْأَذِينُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) . وَأَصْلُ الْأَذِينِ وَالْأَذَانِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ ذَلِكَ الْإِعْلَامُ ، وَالْكَفِيلُ : مُعْلِمٌ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَتِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ) . قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ : وَمِثْلُ حَمِيلٍ ، عَزِيزٌ وَكَوِينٌ ، قَالَ : وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْحِفْظِ وَالْحِيَاطَةِ ، فَالْكَفَالَةُ مِنَ الْكَفِيلِ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يُطْوَى حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُحْفَظَ بِهِ الرَّاكِبُ ، وَالْكَفِيلُ حَافِظٌ لِمَا الْتَزَمَهُ ، وَالضَّامِنُ مِنَ الضَّمْنِ وَهُوَ الْحِرْزُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْرَزْتَهُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْتَهُ إِيَّاهُ ، وَالْقِبَالَةُ : ، وَمِنْهُ : مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ ، وَمِنْهُ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ قَبِلَ الْحَيْلَ قِبْلَةً الْأَوَّلِ ( كَذَا ) وَالْقَبِيلُ قُوَّةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، وَالزَّعَامَةُ السِّيَادَةُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَكَفَّلَ بِهِ صَارَ عَلَيْهِ سِيَادَةٌ وَحَكَمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَالْأَذِينُ وَالْإِذَانَةُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ ، وَذَكَرَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ أَيْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَزِيدَ لِلشَّاكِرِ وَالْعَذَابَ لِلْكَافِرِ ، قَالَ : وَأَصْلُهُ مِنَ الْأَذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ ، قَالَ : وَالضَّامِنُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَزِمَهُ وَأَعْلَمَ بِذَلِكَ ، وَالصَّبِيرُ مِنَ الصَّبْرِ وَهُوَ الثَّبَاتُ وَالْحَبْسُ ، وَمِنْهُ الْمَصْبُورَةُ وَهِيَ الْمَحْبُوسَةُ لِلرَّمْيِ ; لِأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِأَدَاءِ الْحَقِّ ، وَالْكَوِينُ مِنْ كَنَيْتُ لَكَ بِكَذَا ، وَقَالُوا : عَزِيزُكَ أَيْ كَفِيلُكَ ، قَالَ غَيْرُهُ : الْكَفَالَةُ مِنَ الضَّمِّ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُعْمَلُ لِلْحَائِطِ كِفْلَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) أَيْ ضَمَّهَا لِنَفْسِهِ ، وَالْحَمِيلَ : ضَمَّ ذِمَّتَهُ لِذِمَمٍ أُخْرَى .
191 فَائِدَةٌ : : قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ : كَثُرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفُعَالَةِ وَالْفِعَالَةِ فِي مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَالْفُعَالَةُ بِالضَّمِّ فِي الْفَضَلَاتِ وَالْمُطْرَحَاتِ نَحْوَ النُّخَالَةِ وَالْفُضَالَةِ وَالزُّبَالَةِ وَالْكُنَاسَةِ ، وَبِالْفَتْحِ مِنَ السَّجَايَا وَالْأَخْلَاقِ نَحْوَ الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالْبَرَاعَةِ وَالْخَلَاعَةِ ، وَبِالْكَسْرِ فِي الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ نَحْوَ الْخِيَاطَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّيَاغَةِ وَالْفِلَاحَةِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ .
وَأَصْلُ هَذَا الْكِتَابِ : الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ( وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا حَتَّى يُنْسَخَ ، وَهِيَ كَفَالَةٌ بِالْمَالِ ، وَقَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ) وَهُوَ كَفَالَةٌ بِالْوَجْهِ . وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ الزَّعِيمُ غَارِمٌ . وَأَجْمَعَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّهُ بَابٌ مَعْرُوفٌ فَيَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى الْعَارِيَةِ وَالْقَرْضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَبْوَابِ الْمَعْرُوفِ ، وَلِأَنَّهُ تَوَثَّقَ بِالْحَقِّ فَيَجُوزُ كَالرَّهْنِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث