الذخيرة
الذخيرة · الجزء العاشر
الصفحة 1409 · ص. المطبوع 109
109 الْبَابُ الـسَّادِسُ
‌‌‌‌‌‌ فِيمَنْ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُ وَمَنْ لَا يَجُوزُ
قَاعِدَةٌ : التُّهْمَةُ قَادِحَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْغَيْرِ إِجْمَاعًا ، وَأَصْلُ ذَلِكَ : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( ۝ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ ) وَالظِّنَّةُ : التُّهْمَةُ ، وَانْقَسَمَتْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : مُعْتَبَرَةً فِي الْإِلْغَاءِ إِجْمَاعًا ، كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، وَحُكْمِهِ لِنَفْسِهِ ، وَغَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ إِجْمَاعًا ، كَرَجُلٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ مُخْتَلَفٍ فِيهِ هَلْ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي لِوُجُودِ الشَّبَهَيْنِ فِيهِ ، كَأَخِيهِ وَامْرَأَتِهِ ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ مَنَاطُ مَا يَأْتِي مِنَ الْفُرُوعِ .
وَفِي الْبَابِ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ :
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ
الْقَضَاءُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ ، وَفِي الْكِتَابِ : إِذَا كَانَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَبَيْنَ رَجُلٍ دَعْوَى تَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ يَرْضَيَانِ بِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اخْتَصَمَ مَعَ أُبَيٍّ إِلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : فَإِنَّ الشَّاهِدَ فَوْقَهُ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ وَهُوَ الْحَاكِمُ فَيَضْعُفُ إِقْدَامُ الْخَصْمِ ، وَالْحَاكِمُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَمْرِهِ فَتَفُوتُ دَاعِيَةُ التُّهْمَةِ . قَالَ : وَلَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يَحْكُمُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يَتِيمِهِ أَوِ امْرَأَتِهِ ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ ، كَالْأَبِ وَالِابْنِ الْكَبِيرِ ، فَإِنِ امْتَنَعَتِ الشَّهَادَةُ فَإِنَّ مَنْصِبَ الْقَضَاءِ أَبْعَدُ عَنِ التُّهَمِ لِوَقْفِ رَاجِلَةِ ( كَذَا ) الْقَاضِي دُونَ 110 الشَّاهِدِ ، قَالَ أَصْبَغُ : إِنْ قَالَ : ثَبَتَ عِنْدِي ، وَلَا يُعْلَمُ أَثَبَتَ أَمْ لَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ الشُّهُودُ لَمْ يُنَفَّذْ ، فَإِنْ حَضَرَ الشُّهُودُ وَكَانَتْ شَهَادَةً ظَاهِرَةً بِحَقٍّ بَيِّنٍ جَازَ فِيمَا عَدَا الثَّلَاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْأُمُورِ يُضَعِّفُ التُّهْمَةَ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ ، وَعَنْ أَصْبَغَ : الْجَوَازُ فِي الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْأَخِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ ، وَصَحَّ الْحُكْمُ ، وَقَدْ يَحْكُمُ لِلْخَلِيفَةِ وَهُوَ فَوْقَهُ وَتُهْمَتُهُ أَقْوَى ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ الْقِضَابُ بَيْنَ أَحَدِ عَشِيرَتِهِ وَخَصْمِهِ وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ ، بِخِلَافِ رَجُلَيْنِ رَضِيَا بِحُكْمِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ يُنَفِّذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، وَلَا يَقْضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَلْيُشْهِدْ عَلَى رِضَاهُ وَيَجْتَهِدْ فِي الْحَقِّ ، فَإِنْ قَضَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يَمْتَنِعُ قَضَاؤُهُ لَهُ فَلْيَذْكُرِ الْقِصَّةَ كُلَّهَا وَرِضَا خَصْمِهِ وَشَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ بِرِضَا الْخَصْمِ ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَوْطِنِ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَرَأَى أَفْضَلَ مِنْهُ فَالْأَحْسَنُ فَسْخُهُ ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلَا يَفْسَخُهُ غَيْرُهُ إِلَّا فِي الْخَطَأِ الْبَيِّنِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِخِلَافٍ شَاذٍّ ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَفْسَخَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ عِنْدَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مُبَرَّزِينَ فِي الْعَدَالَةِ ، وَفِي النَّوَادِرِ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَاضِيَ عُدُوٌّ لِلْخَصْمِ نُقِضَ حُكْمُهُ ، وَمَنْ يَشْهَدُ مِنْ أَقَارِبِهِ يَحْكُمُ لَهُ إِلَّا فِي الْحُقُوقِ الْعَظِيمَةِ كَالْقِصَاصِ ، وَالْأَبْنَاءُ وَإِنْ سَفُلُوا سَوَاءٌ فِي الْمَنْعِ ، وَكَذَلِكَ الْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا ، وَإِذَا رَضِيَ خَصْمُ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ فَلْيُوَكِّلِ الْقَاضِي مَنْ يَقُومُ بِحُجَّتِهِ وَيَفْعَلُ مَا هُوَ أَبْقَى لِلتُّهْمَةِ ، وَقِيلَ : لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ أَصْلًا وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إِذَا تَخَاصَمَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ لَهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا حَقٌّ مَالِيٌّ قَضَى بَيْنَهُمَا إِنْ كَانَ خَصْمُهُ مَلِيًّا وَإِلَّا امْتَنَعَ كَالشَّهَادَةِ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِعَدَالَتِهِمَا ، بِخِلَافِ تَعْدِيلِهِمَا عِنْدَ تَمَيُّزِهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ لِغَيْرِ مَالٍ مِمَّا فِيهِ حَمِيَّةٌ أَوْ غَيْرَةٌ لَمْ يَحْكُمْ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ بِحَالٍ ، وَحَيْثُ مِنْهَا امْتَنَعَ رَفْعُ الشَّهَادَةِ بِمَا اعْتَرَفَ عِنْدَهُ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُ رَفَعَ لِمَنْ فَوْقَهُ .
111 الْفَرْعُ الثَّانِي : قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْقَضِيَّةِ حَقُّ الْقَاضِي وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى : لَا يَحْكُمُ بِمَالِهِ كَالسَّرِقَةِ . وَهَلْ يَحْكُمُ بِالْآخَرِ ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ : يَقْطَعُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يَرْفَعُهُ لِمَنْ فَوْقَهُ فَإِنْ شَهِدَ الْقَاضِي وَآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ ، رَفَعَ حَقَّهُ لِمَنْ فَوْقَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ فَيَقْطَعُهُ الْغَيْرُ بِالشَّهَادَةِ وَيُغَرِّمُهُ لِلْقَاضِي بِالشَّاهِدِ مَعَ يَمِينِ الْقَاضِي ، وَقِيلَ : لَا يَقْطَعُ بِشَهَادَتِهَا ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْقَاضِي تُرَدُّ عَنْهُ مِنْ بَابِ التُّهْمَةِ : تَتَبَعَّضُ الشَّهَادَةُ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا تَتَبَعَّضُ إِذَا كَانَتْ تُرَدُّ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا مِنْ أَجْلِ التُّهْمَةِ .
الْفَرْعُ الثَّالِثُ : قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : مَتَى كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ، قَضَى الْحَاكِمُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ جَرَيَانُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ إِلَّا فِي نِكَاحِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلَ حَرْبٍ وَأَمْكَنَ فَعَلَ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْرَجَ حُكْمَهُمْ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ ، وَأَمَّا أَحْكَامُ أَهْلِ الْكُفْرِ : فَإِنْ كَانَ الْخَصْمَانِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ كَنَصْرَانِيِّينَ ، لَا يَعْرِضُ لَهُمْ ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ سَابِقَةً وَرِضَا الْخَصْمَيْنِ ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْأَسَابِقَةُ ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُمْ ، فِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : إِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ حَكَمَ ، وَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَوِ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُمَا ، فَإِنِ اتَّفَقَا خُيِّرَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ أَوْ يَتْرُكُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الدِّينِ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : حَكَمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَرِهَ أَحَدُهُمَا لِاخْتِلَافِ الْمِلَّتَيْنِ ، وَهَذَا فِي صَدِّيقَةِ الْمَظَالِمِ بِالْحُقُوقِ الَّتِي سُلِّمَتْ بِرِضَا الطَّالِبِ لَهَا ، أَمَّا الْغَصْبُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ : فَيَحْكُمُ بِحُكْمِ 112 الْإِسْلَامِ كَانَا عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ لَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ فِي الْجِهَادِ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي مُتَّفِقِي الْمِلَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلذِّمَّةِ وَلَا أَهْلِ الصُّلْحِ وَلَا الْمُسْتَأْمَنِينَ مَا لَمْ يَتَعَلَّقِ الضَّرَرُ بِغَيْرِهِمْ ، وَاتَّفَقُوا - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَافَعَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ : أَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَقَالَ ( ش ) : يُخَيَّرُ فِي أَهْلِ الْمُوَادَعَةِ كَالْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ جِزْيَةٍ بَلْ مُوَادَعَةٍ ، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى بِالتَّخْيِيرِ فِي الْحُكْمِ : الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْخَصْمَانِ وَرَضِيَا فِي الْحُكْمِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَشُهُودٍ مُسْلِمِينَ ، وَبَعْدَ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ، وَكَذَلِكَ يُخَيَّرُ فِي الذِّمِّيِّينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ ، وَيُبَيِّنُ لِلذِّمَّةِ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا يُحَرِّمُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ ، وَيَحْكُمُ بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَقَالَ ( ح ) : يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوَّلًا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَيُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا يُحَرِّمُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ إِلَى نَصَارَى نَجْرَانَ : ( ۝ إِمَّا أَنْ تَرُدُّوا الرِّبَا وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وَلَا تُفْسَخُ أَنَكِحَتُهُمْ عِنْدَهُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَإِنْ جَاءُوكَ ) الْآيَةَ فَاشْتَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَجِيءَ ، وَهَىَ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) وَأَلْزَمَ الذِّمَّةَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا .
الْفَرْعُ الرَّابِعُ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا أَقَمْتَ بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ ثُمَّ حَضَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ ، لَا تُعَادُ بِحُضُورِهِ ، 113 لِأَنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ ، وَلَكِنْ يُخْبَرُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَبِالشَّهَادَةِ ، لَعَلَّ عِنْدَهُ حُجَّةً ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ عَمَلُ الْمَدِينَةِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا ، وَتُبَاعُ دَارُهُ وَعَقَارُهُ وَرَفِيقُهُ . وَقَالَ ( ش ) إِنْ كَانَ فِي عَمَلِهِ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ حَاكِمٌ كَتَبَ إِلَيْهِ فَيَنْظُرُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَاكِمٌ وَفِيهِ مَنْ يَتَوَسَّطُ مَنْ أَهْلِ الْحُكْمِ فُوِّضَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَرَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهُمَا فَعَلَ ، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهُ حَتَّى يُحَقِّقَ الْمُدَّعِي الدَّعْوَى لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَا يُجَابُ لَهَا كَشُفْعَةِ الْجَارِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ، إِحْضَارُهُ لِكَوْنِهِ غَائِبًا ، أَوْ كَانَ حَاضِرًا فَهَرَبَ وَلَيْسَ مَعَ الطَّالِبِ بَيِّنَةٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ ، أَوْ مَعَهُ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ وَحَلَّفَهُ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَنَحْوِهِ وَحَكَمَ ، وَقَالَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ ( ح ) : لَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ وَلَا الْهَارِبِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا لِمُسْتَتِرٍ فِي الْبَلَدِ ، وَلَكِنْ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَهُ لِلْحُكْمِ ، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَتَحَ عَلَيْهِ بَابَهُ ، وَاتَّفَقْنَا أَنَّهُ يَسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ ، إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ . لَنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ ، وَقَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ( ۝ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ) . وَقَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ لِهِنْدَ : ( ۝ خُذِي لَكِ وَلِوَلَدِكَ مَا يَكْفِيكَ بِالْمَعْرُوفِ ) فَقِيلَ : قَضَى عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَمْ يَحْضُرْ ، لِأَنَّهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ كَانَ يَعْلَمُ صِحَّةَ دَعْوَاهَا ، وَقِيلَ : فُتْيَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ ، وَالْحَاضِرُ بِالْبَلَدِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَتَّى يُعْلَمَ ؛ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ مَمْنُوعٌ ، وَرَجَّحَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْأَخْذِ فَقَالَ : خُذِي وَلَوْ كَانَ فَتْوَى لَقَالَ لَهَا : يَجُوزُ لَكِ أَنْ تَأْخُذِي ؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُفْتِي فِيمَا تَقَعُ فِيهِ الْخُصُومَةُ .
114
وَلَنَا أَيْضًا : إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : أَلَا إِنَّ الْأُسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ قَدْ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ ، فَادَّانَ مُعْرِضًا ، أَلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا غَدًا ، فَإِنَّا بَائِعُوا مَالِهِ . وَكَانَ الْأُسَيْفِعُ غَائِبًا ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَقِيَاسًا عَلَى الْحَاضِرِ ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَهِيَ غَائِبَةٌ ، وَعَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ ، لَأَخَذَ النَّاسُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَغَابُوا ، فَتَضِيعُ الْأَمْوَالُ ، وَيَجُوزُ ذَهَابُ مَالِ الْغَائِبِ قَبْلَ الْقُدُومِ فَيَضِيعُ الْحَقُّ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى جَمَاعَةٍ بَعْضُهُمْ حَاضِرٌ ، وَعَلَى الْمَفْقُودِ ، فَهَذِهِ كُلُّهَا سَلَّمَهَا ( ح ) ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ إِمَّا لِاحْتِمَالِ الْإِنْكَارِ عِنْدَ الْقُدُومِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ ، أَوْ لِتَرْجِيحِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ لَا يَفُوتُهُ عِنْدَ حُضُورِهِمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُمْ فَلَا يُتَوَقَّفُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُعْتَبُرُ رِضَاهُ لَا يُعْتَبَرُ حُضُورُهُ فَأَخَذَ الْوَرَثَةُ وَالْبَائِعُ فِي الشُّفْعَةِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ إِذَا ثَبَتَ قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِالدَّيْنِ ، احْتَجُّوا بِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ قَالَ لِعَلِيٍّ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ _ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ : ( إِذْ تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، فًإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يُقْضَى ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ غَائِبًا فِي الْبَلَدِ حَاضِرًا ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لِلْغَائِبِ لَا يَجُوزُ ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةُ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، فَلَا يَقْضِي بَيْنَهُمَا فِي غَيْبَةِ الْخَصْمِ كَالْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَمْ يَكُنِ الْحُضُورُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مُسْتَحَقًّا وَالْحُضُورُ مُسْتَحَقٌّ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ )
115 وَهُوَ سِيَاقُ ذَمٍّ فَيَجِبُ الْحُضُورُ ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْقَاضِيَ تَعَدَّى عَلَيْهِ ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَصَرُّفِهِ ، وَلِقَوْلِهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( ۝ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ ) وَالْغَائِبُ لَمْ تَطُبْ نَفْسُهُ .
الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا ، لِأَنَّهُ قَالَ : إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ ، فَاشْتَرَطَ حُضُورَهُمَا فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ ، وَمَفْهُومُهُ إِذَا لَمْ يَتَقَاضَيَا إِلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّمَاعُ مِنَ الْآخَرِ قَبْلَ الْحُكْمِ .
وَعَنِ الثَّانِي : الْفَرْقُ بِأَنَّ الْحَاضِرَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنْهُ تَجْرِيحُ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَسْلِيمِهَا فَيَنْحَسِمُ النِّزَاعُ ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ ، وَقَدْ نَقَضَتْ أَصْلَكُمْ بِامْرَأَةٍ ادَّعَتْ بِأَنَّ لَهَا زَوْجًا غَائِبًا لَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ غَائِبٍ وَتَحْتَاجُ لِلنَّفَقَةِ ، فَاعْتَرَفَ لَهَا بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ .
وَعَنِ الثَّالِثِ : إِذَا حَضَرَ لَا يَقْضِي لَهُ إِلَّا بِرِضَاهُ ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ ، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إِلَّا بِحُضُورِهِ ، وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ حَقَّ غَيْرِهِ ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِلْقَضَاءِ لَهُ .
وَعَنِ الرَّابِعِ : أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا حَضَرَ وَغَابَ الْمُدَّعِي لَا يَحْلِفُ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ .
وَعَنِ الْخَامِسِ : أَنَّ الْحَاضِرَ يَقُولُ حُكْمَهُ ( كَذَا ) لَعَلَّهُ يُقِرُّ لِيَ إِذَا حَضَرَ فَأَسْتَرِيحُ مِنَ الْبَيِّنَةِ وَتَعْجِيلِ تَخْرِيجِ الْبَيِّنَةِ فَيُنْجِزُ الْحُكْمَ ، أَمَّا الْغَائِبُ : فَضَرُورَتِي تَدْعُو لِأَخْذِ حَقِّي ، وَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا قَدِمَ .
وَعَنِ السَّادِسِ : أَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَشْتَرِطُ رِضَاهُ فَيُؤْخَذُ الْحَقُّ مِنْهُ كَرْهًا ، فَأَوْلَى الْغَائِبِ .
116 تَفْرِيعٌ : قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا بِيعَ مَالُهُ فَقَدِمَ فَافْهَمْ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَضَى بِهَذَا الْحَقِّ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : يَرْجِعُ الْمَقْضِيُّ لَهُ ، وَلَا يَنْقُضُ الْبَيْعَ إِلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَبِيعَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ : فَلَهُ أَخْذُهُ وَدَفَعُ الثَّمَنِ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا فِي الرُّبْعِ لِبُعْدِهِ عَنِ التَّغَيُّرِ . وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةَ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ ، وَيَكُونَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، وَحَلَّفَهُ الْقَاضِيَ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَالِاعْتِيَاضِ وَالْإِحَالَةِ وَالِاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَقِّ وَبَعْضِهِ ، وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ فِي الْيَمِينِ لِصِدْقِ الشُّهُودِ كَالْحَاضِرِ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ : يَقُولُ فِي آخِرِ الْيَمِينِ : وَإِنَّهُ لَحَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِي هَذَا ، وَالْمَحْكُومُ بِهِ كَالدُّيُونِ وَالْعَقَارِ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِالْحَدِّ إِذَا قُلْنَا : يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الْعَقَارِ إِمَّا لِبُعْدِ الْغَيْبَةِ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْفَرَسُ ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِعَلَامَةٍ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ كَانَ غَائِبًا ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : إِنِ ادَّعَى الْعَبْدُ الْحَرِيَّةَ أَوِ ادَّعَى أَحَدٌ مِلْكَهُ ، لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِالصِّفَةِ وَالْأَحْكَامِ ، وَشَرْطُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ ، وَاشْتَرَطَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ مَالٌ أَوْ وَكِيلٌ أَوْ حَمِيلٌ إِذَا لَمْ يُوَلِّ الْحَاكِمَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ ، بَلْ عَلَى بَلَدٍ خَاصٍّ ، وَتُنْقَلُ الشَّهَادَاتُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ ، وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْبَلَدِ : قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ إِلَّا بِحُضُورِهِ ، إِلَّا أَنْ يَتَوَارَى عَيْبٌ قَضَى عَلَيْهِ كَالْغَائِبِ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي بَيِّنَةَ الْخَصْمِ وَيُوقِّعَ شَهَادَتَهُمْ حَضَرَ الْخَصْمُ أَمْ لَا فَإِذَا حَضَرَ قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ وَمَسَاكِنِهِمْ ، فَإِنَّ قَدَحَ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ إِعَادَةِ الشَّهَادَةِ بِمَحْضَرِهِ ، لِأَنَّهَا قَدْ أُدِّيَتْ ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي ذَلِكَ ، وَلَوْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ابْتِدَاءً أَنْ لَا يَسْمَعَ بَيِّنَةَ خَصْمِهِ إِلَّا بِمَحْضَرِهِ وَاخْتَشَى الْقَاضِي دَلَّسَهُ ، وَرَأَى أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ ، أَجَابَهُ ، وَإِنْ أَمِنَ فَلَا يُجِيبْهُ ، فَإِنْ أَجَابَهُ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةٍ فَلْيُمْضِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَمُطْرِّفٌ ، وَأَصْبَغُ 117 وَسَحْنُونٌ : لَا يَسْمَعُ إِلَّا بِمَحْضَرِهِ ، فَإِنَّ غَابَ الْخَصْمُ وَلَمْ تَكُنْ مَسَافَتُهُ تَزِيدُ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدُوِّي : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا قَرُبَ مِنَ الْمِصْرِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَجْلِبَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عُسْرٌ ، وَلَا خَوْفٌ فِي الطَّرِيقِ إِلَّا نَادِرًا ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ : قَالَ مُحَمَّدٌ : لَمْ يَجْلِبْهُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ بِحَقٍّ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ ثِقَةٍ : إِمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ ، مَتَى كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ فِي الْبَلَدِ وَنَفْيٌ مِنْهُ : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : قَالَ مَالِكٌ : يُقَسَّمُ عَلَى الْغَائِبِ الرَّبْعُ ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَاصَمَ وَفَرَغَتِ الْحُجَجُ ثُمَّ هَرَبَ ، وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ ، وَقِيلَ : تُبَاعُ الرُّبَاعُ وَغَيْرُهَا ، قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، نَفْيًا لِضَرَرِ صَاحِبِ الْحَقِّ . وَفِي الْجَلَّابِ : لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الرَّبْعِ وَالْعَقَارِ إِلَّا أَنْ تَطُولَ غَيْبَتُهُ وَيَضُرَّ ذَلِكَ بِخَصْمِهِ .
فَرْعٌ
فِي الْجَوَاهِرِ : الْمُخَدَّرَةُ لَا تَحْضُرُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا ، وَهِيَ الَّتِي يُزْرِي بِهَا الْحُضُورُ ، وَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمَا لَهُ مَالٌ مِنَ الْحُقُوقِ يَخْرُجُ لَهَا لَيْلًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث