الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثالث عشر
الصفحة 2032 · ص. المطبوع 279
النَّوْعُ السَّابِعُ : الْفِطْرَةُ
فِي " الْجَوَاهِرِ " : مَا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، وَهِيَ خِصَالُ الْفِطْرَةِ ، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ : الْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَقَصُّ إِطَارِ الشَّارِبِ ، وَحَلْقُهُ مِثْلُهُ ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ إِلَّا أَنْ تَطُولَ جِدًّا فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا ، وَفَرْقُ الشَّعْرِ ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ : حَلْقُ الْعَانَةِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطَيْنِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَالِاسْتِنْجَاءُ ، وَالْخِتَانُ ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ مَكَرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ ، وَيُسْتَحَبُّ خِتَانُ الصَّبِيِّ إِذَا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ مِنَ السَّبْعِ إِلَى الْعَشْرِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ فِي السَّابِعِ ; لِأَنَّهَا عَادَةُ الْيَهُودِ ، فَإِنْ خَافَ الْكَبِيرُ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ رَخَّصَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي تَرْكِهِ ، وَأَبَى ذَلِكَ سَحْنُونٌ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا ، فَقِيلَ : كَفَتْهُ مُؤْنَتُهُ ، وَقِيلَ : يُجْرَى الْمُوسَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُقْطَعُ قُطِعَ .
وَبَقَاءُ شَعْرِ الرَّأْسِ زِينَةٌ ، وَحَلْقُهُ بِدْعَةٌ ; لِأَنَّهَا شِعَارُ الْخَوَارِجِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ جُمَّةً ، وَهِيَ مَا أَحَاطَ بِمَنَابِتِ الشَّعْرِ ، وَوَفْرَةً ، وَهُوَ أَنْ يَقْطَعَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَفِي الصَّحِيحِ ۝ كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَصَّ شَعْرَهُ بَلَغَ بِهِ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ ، فَإِذَا تَرَكَهُ قَارَبَ مَنْكِبَيْهِ ، وَكَانَ شَعْرُهُ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ ، وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ أَنْ يَحْلِقَ الْبَعْضَ وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ تَشَبُّهًا بِقَزَعِ السَّحَابِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يَتَخَصَّصُ الْقَزَعُ بِتَعَدُّدِ مَوَاضِعِ الْحَلْقِ حَتَّى تَتَعَدَّدَ مَوَاضِعُ الشَّعْرِ فَتَحْصُلُ الْمُشَابَهَةُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : الْقَزَعُ أَنْ يَتْرُكَ شَعْرًا مُتَفَرِّقًا فِي رَأْسِهِ ، وَفِي " الْمُقَدِّمَاتِ " ، وَ " الْجَلَّابِ " ، وَ " ابْنِ يُونُسَ " : ( وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ أَحْفُوا الشَّارِبَ ) ، وَقُصُّوا الشَّارِبَ فَيَكُونُ الْقَصُّ مُبَيِّنًا لِلْإِحْفَاءِ ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ 279 أَعْلَاهُ ، وَتُتْرَكُ اللِّحْيَةُ لِمَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ : " ۝ إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَقُولُونَ : سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ بَنِي آدَمَ بِاللِّحَى ، وَمَاعَدَا ذَلِكَ نَظَافَةٌ ، وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ .
وَالْخِتَانُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ ، قِيلَ : وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ ، وَقِيلَ : مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَعَاشَ بَعْدَهُ ثَمَانِينَ ، رُوِيَ الْأَمْرَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَغْلَفِ ، وَلَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ حَتَّى يَخْتَتِنَ وَفِي " الْمُوَطَّأِ " قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ، قَالَ فِي " الْمُنْتَقَى " : الْفِطْرَةُ الدِّينُ ، أَيْ : مِنَ الدِّينِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ .
قُلْتُ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : حَمْلُ الْفِطْرَةِ عَلَى التَّهَيُّؤِ أَحْسَنُ ، أَيْ : خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى حَالَةٍ لَوْ خُلِّيَ وَإِيَّاهَا لَكَانَ مُوَحِّدًا ، وَإِنَّمَا الْعَوَائِدُ تَمْنَعُ ، وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ : أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى أَوْلَادِ الْكُفَّارِ بِأَحْكَامِ الْكُفْرِ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ ، وَغَيْرِهِ مَعَ حُصُولِ الْإِيمَانِ الْفِعْلِىِّ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الطِّفْلَ يَتَعَذَّرُ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ أَنَّهُ عَارِفٌ بِاللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ إِلَّا بِمَعْنَى التَّهَيُّؤِ وَالْقَبُولِ .
قَالَ فِي " الْمُنْتَقَى " : وَقَصُّ الشَّارِبِ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ ، وَلَيْسَ لِقَصِّ الشَّارِبِ ، وَالْأَظْفَارِ حَدٌّ إِذَا انْقَضَى أَعَادَ ، بَلْ إِذَا طَالَ ، وَكَذَلِكَ شَعْرُ الرَّأْسِ ، وَوَافَقَ ( ح ) مَالِكًا فِي أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَنَهُ بِقَصِّ الشَّارِبِ ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ ، فَقَالَ فِي " الْمُوَطَّأِ " : ۝ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ : تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَالِاخْتِتَانُ . وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَلِأَنَّهُ قَطْعُ جُزْءٍ مِنَ الْجَسَدِ كَقَصِّ الظُّفُرِ ، وَقَالَ ( ش ) : وَاجِبٌ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( 280 وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) هِيَ الْفِطْرَةُ ، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ ، وَهِيَ مَا تَقَدَّمَتْ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ : " ۝ أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ " . وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا تَقَدَّمَتْ . ۝ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِأُمِّ عَطِيَّةَ ، وَكَانَتْ تَخْتِنُ النِّسَاءَ فِي الْمَدِينَةِ : " أَشِمِّي ، وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ " . أَيْ : يَحْسُنُ وَجْهُهَا بِلَوْنِهِ بِظُهُورِ الدَّمِ ، وَجِمَاعُهَا بِهَيْئَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ مَأْذُونٍ فَكَانَ وَاجِبًا كَقَطْعِ السَّرِقَةِ ، أَوْ لِأَنَّهُ قَطْعٌ يُؤْلِمُ فَلَا يُقْطَعُ إِلَّا وَاجِبًا كَالْيَدِ فِي السَّرِقَةِ ، وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ قَطَعَ الْعَزَلَةَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ ، فَمَاتَ الصَّبِيُّ لَمْ يَضْمَنَاهَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَضَمِنَاهَا .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ دُونَ فُرُوعِهَا لِلْمُخَالَفَةِ فِي الْفُرُوعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي : أَنَّ إِلْقَاءَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَكَذَلِكَ الْخِتَانُ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأُمِّ عَطِيَّةَ إِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ الْهَيْئَةِ لَا لِبَيَانِ الْوُجُوبِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ : يَبْطُلُ بِالْفِصَادِ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ ، ثُمَّ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " ۝ الْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ " ، أَوْ لِأَنَّهُ قَطْعٌ مُؤْلِمٌ فَلَا يَجِبُ كَالسُّرَّةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَامِسِ : أَنَّ الْمُدَاوَةَ تُكْشَفُ لَهَا الْعَوْرَةُ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَفِي " الْمُنْتَقَى " عَنْ مَالِكٍ : مَنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ إِمَامَتُهُ ، وَلَا شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمُرُوءَةَ ، وَهِيَ تَقْدَحُ فِيهِمَا ، وَتَأْخِيرُهُ فِي الصَّبِيِّ بَعْدَ الْإِثْغَارِ أَحَبُّ لِمَالِكٍ ; لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، فَتُؤَخَّرُ لِوَقْتِ الْأَمْرِ بِالْعِبَادَاتِ حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يُؤَخَّرَ الصَّبِيُّ بِقَصْدِ ذَلِكَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث