الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي الصَّلَاةِ .
وَفِي الْجَوَاهِرِ : تُشْرَعُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ حَاضِرٍ ، لَيْسَ بِشَهِيدٍ ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَلَا فُقِدَ أَكْثَرُهُ ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : سُنَّةٌ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ . قَالَ سَنَدٌ : وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، بَلْ قَالَ مَالِكٌ : هِيَ أَخْفَضُ مِنَ السُّنَّةِ : وَأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا إِلَّا جِنَازَةَ مَنْ تُرَجَّى بَرَكَتُهُ ، أَوْ لَهُ حَقٌّ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا . وَجْهُ الْأَوَّلِ : فِعْلُهُ 457 عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ ، وَقَوْلُهُ : " صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ : " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " ; فَيَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَجُوبُهَا عَلَيْنَا بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ; لِأَنَّ مَفْهُومَ النَّهْيِ إِثْبَاتُ نَقِيضِهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ثُبُوتِ الْأَمْرِ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ مُبَاحًا . وَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا بَيَّنَ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ ، قَالَ لَهُ السَّائِلُ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ; إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ . وَلِاشْتِغَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَتَقَدَّمَتْ ، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ : " لَمَّا تُوُفِّيَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَى وَلَدُهُ شِيثٌ بِكَفَنٍ وَحَنُوطٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ ، ثُمَّ كَفَّنَتْهُ بِذَلِكَ الْكَفَنِ وَحَنَّطَتْهُ بِذَلِكَ الْحَنُوطِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْكَفَنُ وِتْرًا مِنْ ثِيَابٍ بِيضٍ ، وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَجَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصُفَّتِ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَلْحَدُوهُ فِي الْقَبْرِ ، وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبَنَ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لِابْنِهِ شِيثٌ : هَكَذَا فَاصْنَعْ بِوَلَدِكَ وَإِخْوَتِكَ ; فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ " . قَالَ سَنَدٌ : وَكَرِهَ مَالِكٌ النِّدَاءَ لَهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَالصِّيَاحَ خَلْفَهَا ، وَاسْتَحَبَّ الْإِعْلَامَ بِهَا فِي الْحَيِّ مِنْ غَيْرِ صِيَاحٍ ، وَقَدْ نَعَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ إِخْرَاجِ الْمَيِّتِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ " ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ : يُسْتَحَبُّ سُرْعَةُ الْمَشْيِ بِهَا ، وَفِي الْكِتَابِ : تَتْبَعُ الشَّابَّةُ جِنَازَةَ وَلَدِهَا وَوَالِدِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا إِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ عَلَى مِثْلِهِ عُرْفًا ، وَيُكْرَهُ لَهَا عَلَى غَيْرِهِمْ 458 وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ مُطْلَقًا ، قَالَ : وَيَمْنَعُهُنَّ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا رَدَّهُنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : " ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي الْجَنَائِزِ نَصِيبٌ . ثُمَّ الْبَحْثُ عَنِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَبْحَاثٍ :
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي الشُّرُوطِ : وَفِي الْجَوَاهِرِ : هِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَيَدُلُّنَا عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهَا - خِلَافًا لِقَوْمٍ - قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ " - وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِوَضْعِهِ فِي الشَّرْعِ لِلْمُتَبَايِنَاتِ ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مُسَمَّيَاتِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ انْدِرَاجُهَا فِي اللَّفْظِ ، وَلَوْ سُلِّمَ جَوَازُهُ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ كَانَتْ تَفُوتُ بِالْتِمَاسِ الْمَاءِ فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمَاضِينَ كَرِهَهُ إِلَّا مَالِكًا ، وَاشْتَرَطَ حُضُورَ الْمَيِّتِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ . جَوَابُهُ : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهِ ، لَصَلَّى عَلَى الْغَائِبِينَ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : يَكْفِي الْوَاحِدُ - وَالْجَمَاعَةُ سُنَّتَهَا ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَشَرْطُ صِحَّتِهَا الْإِمَامَةُ ، فَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إِمَامٍ أُعِيدَتْ مَا لَمْ تَفُتْ . وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّفْلِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : إِنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً فِيهَا لَمْ يَقْطَعْ وَلَمْ يُعِدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ; لِأَنَّ الْجِنَازَةَ لَا تُقْضَى - وَالتَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْمُؤَقَّتَاتِ ، وَهِيَ آكَدُ مِنَ النَّوَافِلِ فَلَا 459 يَقْطَعُ ، وَإِنْ ذَكَرَ الْجِنَازَةَ فِيهَا اسْتَخْلَفَ ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُعِدْ - وَإِنْ لَمْ تُرْفَعِ الْجِنَازَةُ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : فِي الْأَرْكَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ :
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ : الْقِيَامُ : قَالَ أَشْهَبُ وَ ( ش ) وَ ( ح ) : إِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَا يُجْزِي إِلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنَ الرَّغَائِبِ سَاغَ أَنْ تُجْزِئَهُمْ .
الرُّكْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ : التَّحْرِيمُ وَالسَّلَامُ ، وَهُمَا فِيهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .
الرُّكْنُ الرَّابِعُ : الدُّعَاءُ ، وَفِي الْكِتَابِ يَدْعُو وَلَا يَقْرَأُ - وَقَالَهُ ( ح ) ، وَقَالَ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ : يَقْرَأُ فِي الْأُولَى خَاصَّةً ، وَحَكَاهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ أَشْهَبَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبُخَارِيِّ : " كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ " . جَوَابُهُ : أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تُضَافُ ، وَهَذِهِ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافَةً لِلْجِنَازَةِ ، فَلَا تَنْدَرِجُ فِي الْعُمُومِ ، كَمَا لَمْ يَنْدَرِجِ الْمَاءُ الْمُضَافُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ ; سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكٌ لِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْجِنَازَةِ ، وَمَا لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرٌ كَصَلَاةِ الْأَخْرَسِ ، وَمَا لَيْسَ فِيهَا قِيَامٌ كَالْمَرِيضِ - وَلَيْسَ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا ، وَإِنْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَهُ فِي جَمِيعِ مُسَمَّيَاتِهِ ، لَكِنْ لَا يَجِبُ فَلَا تَنْدَرِجُ صُورَةُ النِّزَاعِ . لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا جُزْءٌ لِلْمَكْتُوبَةِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَكَيْفَ تُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ؟ فَقَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُكَ ; أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَإِذَا وُضِعَتْ ، كَبَّرْتُ وَحَمَدْتُ اللَّهَ وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِيِّهِ ، ثُمَّ أَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ 460 وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، كَانَ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ; اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلُ الْمَدِينَةِ ، فَلَوْ كَانَ يُفْعَلُ مَعَ تَكْرَارِ الْأَمْوَاتِ لَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يُجْهَرُ بِالدُّعَاءِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ، قَالَ سَنَدٌ : وَيَبْدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، ثُمَّ يَدْعُو كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَ الْعُظَمَاءِ تَقْدِيمُ الثَّنَاءِ عَلَى طَلَبِ الْعَطَاءِ ، وَتُقَدَّمُ الصَّلَاةُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا تَكُونُ الصَّلَاةُ وَالتَّحْمِيدُ فِي التَّكْبِيرِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ فِي الْأُولَى ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيُسَلِّمُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ ( ش ) : الْفَاتِحَةُ فِي الْأُولَى ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي الثَّانِيَةِ ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُسَلِّمُ ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ فَقَدْ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَلَا يُكَرِّرُ ، وَقَدْ يُقِلُّ فَيُكَرِّرُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ ، فَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِعَدَمِهِ ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ ، وَاخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ : فَأَثْبَتَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ ، وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَفِي الرِّسَالَةِ : مِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى ، لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّنَاءُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ وَرَحِمْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ 461 فِي الْعَالَمِينَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، أَنْتَ خَلَقْتَهُ وَرَزَقْتَهُ ، وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيهِ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ ، جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ ، اللَّهُمَّ قِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ; اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . قَالَ : تَقُولُ هَذَا بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا وَلِوَالِدِينَا ، وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِكَ ، وَطَيِّبْنَا لِلْمَوْتِ ، وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا . ثُمَّ تُسَلِّمُ . فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً قُلْتَ : اللَّهُمَّ إِنَّهَا أَمَتُكَ وَابْنَةُ أَمَتِكَ ، وَتُرَتِّبُ مَا بَقِيَ ، وَلَا تَقُلْ : وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِزَوْجِهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَإِنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَلِلرِّجَالِ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَيَقُولُ فِي دُعَاءِ الطِّفْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتَ تُحْيِيهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا وَذُخْرًا ، وَفَرَطًا وَأَجْرًا ، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا ، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا ، وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمَا بَعْدَهُ ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَفَالَةِ 462 إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ . تَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَبَعْدَ الرَّابِعَةِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا ، وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ، وَيُسَلِّمُ .
تَنْبِيهٌ
الدُّعَاءُ بِكِفَايَةِ عَذَابِ جَهَنَّمَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَهُوَ إِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ مَنْ يَجُوزُ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ سَمْعًا ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي الْأَدْعِيَةِ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا مُحَرَّمَةً ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ وَآدَابُهُ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : حَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ فِي الْجَنَّةِ ، وَرُوِيَ فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا كَانُوا بِهِ عَامِلِينَ ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي أَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَ : أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَحْسُنُ الدُّعَاءُ بِكِفَايَتِهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ .
فَائِدَةٌ : الْفَرَطُ فِي اللُّغَةِ السَّابِقُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " وَأَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ " ، أَيْ : سَابِقُكُمْ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ سَبْقُهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَهُمَا ، أَوْ عَدَمُ سَبْقِهِ إِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا ، وَالدُّعَاءُ بِالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحِيلِ مُحَرَّمٌ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ جَعْلُهُ سَابِقَ خَيْرٍ .
463 فُرُوعٌ .
فِي الْجَوَاهِرِ : مَوْقِفُ الْإِمَامِ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ وَمَنْكِبِ الْمَرْأَةِ حِفْظًا لِلْإِمَامِ مِنَ التَّذَكُّرِ ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ الْمَتْبُوعُ ، وَفِيهِ عِنْدَ وَسَطِهَا سَتْرٌ لَهَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَهُ ( ش ) . الرُّكْنُ الْخَامِسُ التَّكْبِيرُ فِي الْجَوَاهِرِ هُوَ أَرْبَعٌ وَقَالَهُ ( ش ) وَ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ ; لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . وَلِأَنَّهَا كَالرَّكَعَاتُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى الْأَرْبَعِ ، فَلَوْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً صَحَّتِ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ لَا يُتَّبَعُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ شِعَارِ الشِّيعَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ ، فَلَوْ فَاتَتْ بَعْضَهُمْ تَكْبِيرَةٌ ، قَالَ سَنَدٌ : قَالَ أَشْهَبُ : لَا تُجْزِيهِ الْخَامِسَةُ وَيَقْضِي ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : تُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا فَهُوَ مَحَلُّ الْقَضَاءِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا مَعَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، وَقَالَهُ ( ح ) قِيَاسًا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : رُوِيَ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَهُ ( ش ) قِيَاسًا عَلَى الْأُولَى ، وَالْفَرْقُ فِي الْأُولَى أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ شُرِعَتْ لِلِانْتِقَالَاتِ ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَا انْتِقَالَ مَعَهَا فَشُرِعَتْ مَعَهَا حَرَكَةُ الرَّفْعِ ، وَالْجِنَازَةُ لَيْسَ فِيهَا انْتِقَالٌ ، فَأَشْبَهَتْ كُلُّهَا الْإِحْرَامَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ تَنْزِيلًا لِلتَّكْبِيرَاتِ مَنْزِلَةَ الرَّكَعَاتِ وَالرَّكَعَاتُ لَا يُرْفَعُ لَهَا ، وَرَوَى أَشْهَبُ التَّخْيِيرَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ .
464 فُرُوعٌ سَبْعَةٌ :
الْأَوَّلُ : كَرِهَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : وَضْعَهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَ ( ح ) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ; خِلَافًا ( ش ) وَابْنِ حَنْبَلٍ مُحْتَجَّيْنِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : " أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ مَاتَ لِتَدْعُوَ لَهُ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ ! مَا صَلَّى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ " . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : لَعَلَّهُ لِعُذْرِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيُعَضِّدُهُ إِنْكَارُ الْكَافَّةِ ، وَعَنِ الثَّانِي : الْفَرْقُ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ ، أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْجَسُ فِي نَفْسِهِ ; لَنَا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ الْمُتَقَدِّمُ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ السُّنَّةُ مَا أَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْمُصَلَّى ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : " مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ " ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ : الْمَنْعَ ، وَالْكَرَاهَةَ ، وَالْجَوَازَ .
الثَّانِي فِي الْكِتَابِ : الْبِدَايَةُ بِيَمِينِ السَّرِيرِ بِدْعَةٌ ، قَالَ سَنَدٌ : قَالَ أَشْهَبُ وَ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمِينِ ، قَالَ أَشْهَبُ : فَيَبْدَأُ بِالْمُقَدَّمِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ بِالْمُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْسَرِ تَقْدِيمًا لِلْأَيْمَنِ كُلِّهِ عَلَى الْأَيْسَرِ كُلِّهِ ، وَقَالَ ( ح ) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ : حَمْلُهَا مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ مِنْ خَارِجِ النَّعْشِ أَفْضَلُ مِنْ حَمْلِهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ; لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَالَ ( ش ) : بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ ; لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ 465 سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَذَلِكَ ، وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ حَمْلَهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ; لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ : قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " . وَيَنْبَغِي تَمْيِيزُ الْمَيِّتِ ; فَلَا يُحْمَلُ عَلَى دَابَّةٍ وَلَا عَجَلَةٍ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَحَمْلُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأَيْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدَّابَّةِ وَالنَّعْشِ .
الثَّالِثُ فِي الْكِتَابِ : السُّنَّةُ الْمَشْيُ أَمَامَهَا ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ : لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : رَأَيْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ فَيَتَقَدَّمُونَ كَمَا يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ فِي الْخَمْسِ ، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ رُؤْيَتَهُ لَهَا أَوْفَرُ فِي بَذْلِ الْجُهْدِ فِي الدُّعَاءِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الرَّاكِبُ وَرَاءَهَا أَفْضَلُ ; لِيُخَفِّفَ عَنِ النَّاسِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ " . وَقِيلَ : هُوَ كَالْمَاشِي ، وَقِيلَ : بِتَأْخِيرِهِمَا وَقَالَهُ ( ح ) ; لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِاعْتِبَارِ الْجَمِيعِ بِمَوْعِظَةِ الْمَوْتِ ، وَالشَّفَاعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ سَنَدٌ : وَخَيَّرَ أَبُو مُصْعَبٍ فِي الْجِهَاتِ كُلِّهَا ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ التَّأْخِيرُ وَرَاءَهَا خَلْفَ الرَّاكِبِ لِلسُّتْرَةِ .
الرَّابِعُ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَ الْقَبْرِ قَبْلَ وَضْعِ الْجِنَازَةِ وَقَالَهُ ( ش ) ، وَكَرِهَهُ ( ح ) حَتَّى تُوضَعَ مُحْتَجًّا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ " . لَنَا مَا فِي مُسْلِمٍ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ .
466 ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ " وَهُوَ دَلِيلُ نَسْخِ مَا ذَكَرُوهُ ، قَالَ سَنَدٌ : وَالْقِيَامُ تَعْظِيمٌ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَلَا يَنْزِلُ الرَّاكِبُ حَتَّى تُوضَعَ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ التَّسْوِيَةُ ، وَفِي الْجُلَّابِ مَنْ صَحِبَ جِنَازَةً فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى تُوَارَى وَيَأْذَنُ لَهُ أَهْلُ الْمَيِّتِ فِي الِانْصِرَافِ إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ ، وَفِي الرِّسَالَةِ : فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ ، وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ ، وَذَلِكَ فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ لِمَنْ يُرِيدُ التَّغَوُّطَ ، وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَتَوَسَّدُ الْقَبْرَ وَيَضْجَعُ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيُمْشَى عَلَى الْقَبْرِ إِذَا عَفَا بِخِلَافِ الْمُسَنَّمِ .
الْخَامِسُ فِي الْكِتَابِ : مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ ، وَقَالَهُ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ ، خِلَافًا ( ش ) ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ كَالرَّكَعَاتِ فَلَا يَقْضِي قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَلَا يَقْضِي مَا عَدَاهَا حَتَّى يُسَلِّمَ ، وَقَالَ أَيْضًا : يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : إِنْ مَضَى أَيْسَرُ الدُّعَاءِ كَبَّرَ ، وَإِلَّا فَلَا ; فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى التَّكْبِيرَ مُتَوَالِيًا عَلَى الْقَوْلِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ يَدْعُو بَيْنَهَا وَإِنْ غَابَتِ الْجِنَازَةُ عَنْهُ . قَالَ سَنَدٌ : وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ ، إِنْ شَاءَ سَكَتَ أَوْ دَعَا ، فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ ، كَبَّرَ مَعَهُ وَقَضَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَكْتَفِي بِالثَّانِيَةِ ; لِأَنَّهُ بِهَا أَحْرَمَ فَلَا يَقْضِي تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ، وَلَوْ سَهَا الْإِمَامُ عَنْ بَعْضِ التَّكْبِيرِ ، سَبَّحُوا بِهِ وَلَا يُكَبِّرُونَ إِلَّا إِنْ مَضَى 467 وَتَرَكَهُمْ ، وَلَوْ رُفِعَتْ فَذَكَرَ بَاقِيَ التَّكْبِيرِ ، قَالَ مَالِكٌ : يُتِمُّ مَا لَمْ يُدْفَنْ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ ابْتَدَأَهَا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلِلنَّاسِ أَنْ يُوَكِّلُوا عَلَيْهِ وَإِنْ دُفِنَ كَمَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .
السَّادِسُ : قَالَ سَنَدٌ : وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَنَائِزِ ، وَقَالَ ( ش ) : إِذَا اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٌ ; الْمُسْتَحَبُّ إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالصَّلَاةِ . لَنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّ عُثْمَانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ; يَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ .
السَّابِعُ فِي الْكِتَابِ : لَا يُدْخَلُ بِالثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا لَمْ تُنْوَ ، وَلَوْ أَتَى بِالثَّانِيَةِ قَبْلَ إِحْرَامِ الْأُولَى وَمَنْ خَلْفَهُ يَنْوِيهِمَا ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : تُعَادُ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يَنْوِهَا ذَهَبَتْ أَمْ لَا ; لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَصْلُ .
الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يُصَلِّي .
وَفِي الْجَوَاهِرِ : أَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ الْوَصِيُّ إِنْ قُصِدَ بِهِ الرَّغْبَةُ فِي صَلَاحِهِ ، ثُمَّ وَالِي الْمِصْرِ ، وَصَاحِبُ الشُّرْطِ ، وَالْقَاضِي إِنْ كَانَ يَلِيهَا ; لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ يُخَلِّي بِأُبَّهَتِهِمْ عِنْدَ الرَّعِيَّةِ فَتُقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ عَلَى الْخَاصَّةِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إِلَيْهِ الطَّاعَةُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ 468 يَقُولُ : هِيَ لِمَنْ كَانَتِ الْخُطْبَةُ لَهُ ، وَيَتَقَدَّمُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الْعَصَبَةُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ : الِابْنُ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَبُ ، ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ، ثُمَّ الْجَدُّ ، ثُمَّ الْعَمُّ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، ثُمَّ مَوَالِي النِّعْمَةِ قِيَاسًا عَلَى الْمَوَارِيثِ ، وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ : الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا مَنْ هُوَ أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ فَيُقَدَّمُ الْوَلِيُّ عَلَى الْوَالِي ، وَالْأَبُ عَلَى الِابْنِ ، وَالْجَدُّ عَلَى الْأَخِ . لَنَا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي أَمِيرَ الْمَدِينَةِ فَدَفَعَ فِي قَفَاهُ ، وَقَالَ : لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ . ثُمَّ صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْفَقِيهُ أَوْلَى مِنَ الْمُسِنِّ ; لِأَنَّهُ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ الصَّلَاةِ ، قَالَ سَنَدٌ : إِذَا اخْتَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْأَئِمَّةِ قُدِّمَ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يُقَدَّمُ أَوْلِيَاءُ الرَّجُلِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ لِفَضْلِ الرَّجُلِ .
وَفِي الْجَوَاهِرِ : تُشْرَعُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ حَاضِرٍ ، لَيْسَ بِشَهِيدٍ ، وَلَا صُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَلَا فُقِدَ أَكْثَرُهُ ، وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : سُنَّةٌ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ . قَالَ سَنَدٌ : وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، بَلْ قَالَ مَالِكٌ : هِيَ أَخْفَضُ مِنَ السُّنَّةِ : وَأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا إِلَّا جِنَازَةَ مَنْ تُرَجَّى بَرَكَتُهُ ، أَوْ لَهُ حَقٌّ مِنْ قَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا . وَجْهُ الْأَوَّلِ : فِعْلُهُ 457 عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ ، وَقَوْلُهُ : " صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ : " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا " ; فَيَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَجُوبُهَا عَلَيْنَا بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ; لِأَنَّ مَفْهُومَ النَّهْيِ إِثْبَاتُ نَقِيضِهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ثُبُوتِ الْأَمْرِ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ مُبَاحًا . وَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا بَيَّنَ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ ، قَالَ لَهُ السَّائِلُ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ; إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ . وَلِاشْتِغَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَتَقَدَّمَتْ ، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ : " لَمَّا تُوُفِّيَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَتَى وَلَدُهُ شِيثٌ بِكَفَنٍ وَحَنُوطٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ ، ثُمَّ كَفَّنَتْهُ بِذَلِكَ الْكَفَنِ وَحَنَّطَتْهُ بِذَلِكَ الْحَنُوطِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْكَفَنُ وِتْرًا مِنْ ثِيَابٍ بِيضٍ ، وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَجَعَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصُفَّتِ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَلْحَدُوهُ فِي الْقَبْرِ ، وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبَنَ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لِابْنِهِ شِيثٌ : هَكَذَا فَاصْنَعْ بِوَلَدِكَ وَإِخْوَتِكَ ; فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ " . قَالَ سَنَدٌ : وَكَرِهَ مَالِكٌ النِّدَاءَ لَهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، وَالصِّيَاحَ خَلْفَهَا ، وَاسْتَحَبَّ الْإِعْلَامَ بِهَا فِي الْحَيِّ مِنْ غَيْرِ صِيَاحٍ ، وَقَدْ نَعَى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ إِخْرَاجِ الْمَيِّتِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ " ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ : يُسْتَحَبُّ سُرْعَةُ الْمَشْيِ بِهَا ، وَفِي الْكِتَابِ : تَتْبَعُ الشَّابَّةُ جِنَازَةَ وَلَدِهَا وَوَالِدِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا إِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ عَلَى مِثْلِهِ عُرْفًا ، وَيُكْرَهُ لَهَا عَلَى غَيْرِهِمْ 458 وَكَرِهَ ابْنُ حَبِيبٍ مُطْلَقًا ، قَالَ : وَيَمْنَعُهُنَّ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا رَدَّهُنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : " ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي الْجَنَائِزِ نَصِيبٌ . ثُمَّ الْبَحْثُ عَنِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَبْحَاثٍ :
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي الشُّرُوطِ : وَفِي الْجَوَاهِرِ : هِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَيَدُلُّنَا عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهَا - خِلَافًا لِقَوْمٍ - قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ " - وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِوَضْعِهِ فِي الشَّرْعِ لِلْمُتَبَايِنَاتِ ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مُسَمَّيَاتِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ انْدِرَاجُهَا فِي اللَّفْظِ ، وَلَوْ سُلِّمَ جَوَازُهُ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ كَانَتْ تَفُوتُ بِالْتِمَاسِ الْمَاءِ فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الْمَاضِينَ كَرِهَهُ إِلَّا مَالِكًا ، وَاشْتَرَطَ حُضُورَ الْمَيِّتِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ . جَوَابُهُ : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهِ ، لَصَلَّى عَلَى الْغَائِبِينَ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : يَكْفِي الْوَاحِدُ - وَالْجَمَاعَةُ سُنَّتَهَا ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَشَرْطُ صِحَّتِهَا الْإِمَامَةُ ، فَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إِمَامٍ أُعِيدَتْ مَا لَمْ تَفُتْ . وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّفْلِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : إِنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً فِيهَا لَمْ يَقْطَعْ وَلَمْ يُعِدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ; لِأَنَّ الْجِنَازَةَ لَا تُقْضَى - وَالتَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْمُؤَقَّتَاتِ ، وَهِيَ آكَدُ مِنَ النَّوَافِلِ فَلَا 459 يَقْطَعُ ، وَإِنْ ذَكَرَ الْجِنَازَةَ فِيهَا اسْتَخْلَفَ ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُعِدْ - وَإِنْ لَمْ تُرْفَعِ الْجِنَازَةُ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : فِي الْأَرْكَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ :
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ : الْقِيَامُ : قَالَ أَشْهَبُ وَ ( ش ) وَ ( ح ) : إِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَا يُجْزِي إِلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنَ الرَّغَائِبِ سَاغَ أَنْ تُجْزِئَهُمْ .
الرُّكْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ : التَّحْرِيمُ وَالسَّلَامُ ، وَهُمَا فِيهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .
الرُّكْنُ الرَّابِعُ : الدُّعَاءُ ، وَفِي الْكِتَابِ يَدْعُو وَلَا يَقْرَأُ - وَقَالَهُ ( ح ) ، وَقَالَ ( ش ) وَابْنُ حَنْبَلٍ : يَقْرَأُ فِي الْأُولَى خَاصَّةً ، وَحَكَاهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ أَشْهَبَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْبُخَارِيِّ : " كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ " . جَوَابُهُ : أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تُضَافُ ، وَهَذِهِ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافَةً لِلْجِنَازَةِ ، فَلَا تَنْدَرِجُ فِي الْعُمُومِ ، كَمَا لَمْ يَنْدَرِجِ الْمَاءُ الْمُضَافُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ ; سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكٌ لِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْجِنَازَةِ ، وَمَا لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرٌ كَصَلَاةِ الْأَخْرَسِ ، وَمَا لَيْسَ فِيهَا قِيَامٌ كَالْمَرِيضِ - وَلَيْسَ بَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا ، وَإِنْ جَوَّزْنَا اسْتِعْمَالَهُ فِي جَمِيعِ مُسَمَّيَاتِهِ ، لَكِنْ لَا يَجِبُ فَلَا تَنْدَرِجُ صُورَةُ النِّزَاعِ . لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا جُزْءٌ لِلْمَكْتُوبَةِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ : سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَكَيْفَ تُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ؟ فَقَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُكَ ; أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَإِذَا وُضِعَتْ ، كَبَّرْتُ وَحَمَدْتُ اللَّهَ وَصَلَّيْتُ عَلَى نَبِيِّهِ ، ثُمَّ أَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ 460 وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، كَانَ يَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ; اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلُ الْمَدِينَةِ ، فَلَوْ كَانَ يُفْعَلُ مَعَ تَكْرَارِ الْأَمْوَاتِ لَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : لَا يُجْهَرُ بِالدُّعَاءِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ، قَالَ سَنَدٌ : وَيَبْدَأُ بِحَمْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، ثُمَّ يَدْعُو كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ عِنْدَ الْعُظَمَاءِ تَقْدِيمُ الثَّنَاءِ عَلَى طَلَبِ الْعَطَاءِ ، وَتُقَدَّمُ الصَّلَاةُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا تَكُونُ الصَّلَاةُ وَالتَّحْمِيدُ فِي التَّكْبِيرِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ فِي الْأُولَى ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَيُسَلِّمُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ ( ش ) : الْفَاتِحَةُ فِي الْأُولَى ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي الثَّانِيَةِ ، وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُسَلِّمُ ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ فَقَدْ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَلَا يُكَرِّرُ ، وَقَدْ يُقِلُّ فَيُكَرِّرُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ ، فَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِعَدَمِهِ ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ ، وَاخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ : فَأَثْبَتَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ ، وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَفِي الرِّسَالَةِ : مِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى ، لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّنَاءُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ وَرَحِمْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ 461 فِي الْعَالَمِينَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، أَنْتَ خَلَقْتَهُ وَرَزَقْتَهُ ، وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيهِ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ ، جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ ، اللَّهُمَّ قِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ; اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . قَالَ : تَقُولُ هَذَا بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا وَلِوَالِدِينَا ، وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِكَ ، وَطَيِّبْنَا لِلْمَوْتِ ، وَاجْعَلْ فِيهِ رَاحَتَنَا . ثُمَّ تُسَلِّمُ . فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً قُلْتَ : اللَّهُمَّ إِنَّهَا أَمَتُكَ وَابْنَةُ أَمَتِكَ ، وَتُرَتِّبُ مَا بَقِيَ ، وَلَا تَقُلْ : وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِزَوْجِهَا فِي الْجَنَّةِ ، فَإِنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَلِلرِّجَالِ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ ، وَيَقُولُ فِي دُعَاءِ الطِّفْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتَ تُحْيِيهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا وَذُخْرًا ، وَفَرَطًا وَأَجْرًا ، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا ، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا ، وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمَا بَعْدَهُ ، اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَفَالَةِ 462 إِبْرَاهِيمَ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَعَافِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ . تَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَبَعْدَ الرَّابِعَةِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا ، وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ، وَيُسَلِّمُ .
تَنْبِيهٌ
الدُّعَاءُ بِكِفَايَةِ عَذَابِ جَهَنَّمَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَهُوَ إِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ مَنْ يَجُوزُ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ سَمْعًا ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي الْأَدْعِيَةِ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا مُحَرَّمَةً ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ وَآدَابُهُ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : حَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ فِي الْجَنَّةِ ، وَرُوِيَ فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا كَانُوا بِهِ عَامِلِينَ ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ، وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي أَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَ : أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَحْسُنُ الدُّعَاءُ بِكِفَايَتِهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ .
فَائِدَةٌ : الْفَرَطُ فِي اللُّغَةِ السَّابِقُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " وَأَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ " ، أَيْ : سَابِقُكُمْ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ سَبْقُهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَهُمَا ، أَوْ عَدَمُ سَبْقِهِ إِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا ، وَالدُّعَاءُ بِالْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحِيلِ مُحَرَّمٌ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ جَعْلُهُ سَابِقَ خَيْرٍ .
463 فُرُوعٌ .
فِي الْجَوَاهِرِ : مَوْقِفُ الْإِمَامِ وَرَاءَ الْجِنَازَةِ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ وَمَنْكِبِ الْمَرْأَةِ حِفْظًا لِلْإِمَامِ مِنَ التَّذَكُّرِ ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ الْمَتْبُوعُ ، وَفِيهِ عِنْدَ وَسَطِهَا سَتْرٌ لَهَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَالَهُ ( ش ) . الرُّكْنُ الْخَامِسُ التَّكْبِيرُ فِي الْجَوَاهِرِ هُوَ أَرْبَعٌ وَقَالَهُ ( ش ) وَ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ ; لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . وَلِأَنَّهَا كَالرَّكَعَاتُ فَلَا يَزِيدُ عَلَى الْأَرْبَعِ ، فَلَوْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً صَحَّتِ الصَّلَاةُ ; لِأَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ لَا يُتَّبَعُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ شِعَارِ الشِّيعَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ ، فَلَوْ فَاتَتْ بَعْضَهُمْ تَكْبِيرَةٌ ، قَالَ سَنَدٌ : قَالَ أَشْهَبُ : لَا تُجْزِيهِ الْخَامِسَةُ وَيَقْضِي ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَقَالَ أَصْبَغُ : تُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا فَهُوَ مَحَلُّ الْقَضَاءِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إِلَّا مَعَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، وَقَالَهُ ( ح ) قِيَاسًا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : رُوِيَ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَهُ ( ش ) قِيَاسًا عَلَى الْأُولَى ، وَالْفَرْقُ فِي الْأُولَى أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ شُرِعَتْ لِلِانْتِقَالَاتِ ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَا انْتِقَالَ مَعَهَا فَشُرِعَتْ مَعَهَا حَرَكَةُ الرَّفْعِ ، وَالْجِنَازَةُ لَيْسَ فِيهَا انْتِقَالٌ ، فَأَشْبَهَتْ كُلُّهَا الْإِحْرَامَ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ تَنْزِيلًا لِلتَّكْبِيرَاتِ مَنْزِلَةَ الرَّكَعَاتِ وَالرَّكَعَاتُ لَا يُرْفَعُ لَهَا ، وَرَوَى أَشْهَبُ التَّخْيِيرَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ .
464 فُرُوعٌ سَبْعَةٌ :
الْأَوَّلُ : كَرِهَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : وَضْعَهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَ ( ح ) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ; خِلَافًا ( ش ) وَابْنِ حَنْبَلٍ مُحْتَجَّيْنِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : " أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ عَلَيْهَا بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ مَاتَ لِتَدْعُوَ لَهُ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ ! مَا صَلَّى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ " . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : لَعَلَّهُ لِعُذْرِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيُعَضِّدُهُ إِنْكَارُ الْكَافَّةِ ، وَعَنِ الثَّانِي : الْفَرْقُ بِاحْتِمَالِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ ، أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْجَسُ فِي نَفْسِهِ ; لَنَا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ الْمُتَقَدِّمُ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ السُّنَّةُ مَا أَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْمُصَلَّى ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ : " مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ " ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ : الْمَنْعَ ، وَالْكَرَاهَةَ ، وَالْجَوَازَ .
الثَّانِي فِي الْكِتَابِ : الْبِدَايَةُ بِيَمِينِ السَّرِيرِ بِدْعَةٌ ، قَالَ سَنَدٌ : قَالَ أَشْهَبُ وَ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ لِفَضْلِ الْيَمِينِ ، قَالَ أَشْهَبُ : فَيَبْدَأُ بِالْمُقَدَّمِ الْأَيْمَنِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ بِالْمُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ بِالْمُؤَخَّرِ الْأَيْسَرِ تَقْدِيمًا لِلْأَيْمَنِ كُلِّهِ عَلَى الْأَيْسَرِ كُلِّهِ ، وَقَالَ ( ح ) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ : حَمْلُهَا مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ مِنْ خَارِجِ النَّعْشِ أَفْضَلُ مِنْ حَمْلِهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ; لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَالَ ( ش ) : بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ ; لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ 465 سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَذَلِكَ ، وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ حَمْلَهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ; لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ : قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " . وَيَنْبَغِي تَمْيِيزُ الْمَيِّتِ ; فَلَا يُحْمَلُ عَلَى دَابَّةٍ وَلَا عَجَلَةٍ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَحَمْلُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأَيْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدَّابَّةِ وَالنَّعْشِ .
الثَّالِثُ فِي الْكِتَابِ : السُّنَّةُ الْمَشْيُ أَمَامَهَا ، وَقَالَهُ ( ش ) ، وَابْنُ حَنْبَلٍ : لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : رَأَيْتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ فَيَتَقَدَّمُونَ كَمَا يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ فِي الْخَمْسِ ، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ رُؤْيَتَهُ لَهَا أَوْفَرُ فِي بَذْلِ الْجُهْدِ فِي الدُّعَاءِ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الرَّاكِبُ وَرَاءَهَا أَفْضَلُ ; لِيُخَفِّفَ عَنِ النَّاسِ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ " . وَقِيلَ : هُوَ كَالْمَاشِي ، وَقِيلَ : بِتَأْخِيرِهِمَا وَقَالَهُ ( ح ) ; لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِاعْتِبَارِ الْجَمِيعِ بِمَوْعِظَةِ الْمَوْتِ ، وَالشَّفَاعَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ سَنَدٌ : وَخَيَّرَ أَبُو مُصْعَبٍ فِي الْجِهَاتِ كُلِّهَا ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ التَّأْخِيرُ وَرَاءَهَا خَلْفَ الرَّاكِبِ لِلسُّتْرَةِ .
الرَّابِعُ فِي الْكِتَابِ : لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عِنْدَ الْقَبْرِ قَبْلَ وَضْعِ الْجِنَازَةِ وَقَالَهُ ( ش ) ، وَكَرِهَهُ ( ح ) حَتَّى تُوضَعَ مُحْتَجًّا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ " . لَنَا مَا فِي مُسْلِمٍ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ .
466 ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ " وَهُوَ دَلِيلُ نَسْخِ مَا ذَكَرُوهُ ، قَالَ سَنَدٌ : وَالْقِيَامُ تَعْظِيمٌ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَلَا يَنْزِلُ الرَّاكِبُ حَتَّى تُوضَعَ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ التَّسْوِيَةُ ، وَفِي الْجُلَّابِ مَنْ صَحِبَ جِنَازَةً فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى تُوَارَى وَيَأْذَنُ لَهُ أَهْلُ الْمَيِّتِ فِي الِانْصِرَافِ إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ ، وَفِي الرِّسَالَةِ : فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ ، وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ ، وَذَلِكَ فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ مَالِكٌ : إِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْقُعُودِ عَلَى الْقُبُورِ لِمَنْ يُرِيدُ التَّغَوُّطَ ، وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَتَوَسَّدُ الْقَبْرَ وَيَضْجَعُ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَيُمْشَى عَلَى الْقَبْرِ إِذَا عَفَا بِخِلَافِ الْمُسَنَّمِ .
الْخَامِسُ فِي الْكِتَابِ : مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ ، وَقَالَهُ ( ح ) وَابْنُ حَنْبَلٍ ، خِلَافًا ( ش ) ; لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ كَالرَّكَعَاتِ فَلَا يَقْضِي قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَلَا يَقْضِي مَا عَدَاهَا حَتَّى يُسَلِّمَ ، وَقَالَ أَيْضًا : يَدْخُلُ بِالنِّيَّةِ ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : إِنْ مَضَى أَيْسَرُ الدُّعَاءِ كَبَّرَ ، وَإِلَّا فَلَا ; فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى التَّكْبِيرَ مُتَوَالِيًا عَلَى الْقَوْلِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ يَدْعُو بَيْنَهَا وَإِنْ غَابَتِ الْجِنَازَةُ عَنْهُ . قَالَ سَنَدٌ : وَلَوْ فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ ، إِنْ شَاءَ سَكَتَ أَوْ دَعَا ، فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ ، كَبَّرَ مَعَهُ وَقَضَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَكْتَفِي بِالثَّانِيَةِ ; لِأَنَّهُ بِهَا أَحْرَمَ فَلَا يَقْضِي تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ، وَلَوْ سَهَا الْإِمَامُ عَنْ بَعْضِ التَّكْبِيرِ ، سَبَّحُوا بِهِ وَلَا يُكَبِّرُونَ إِلَّا إِنْ مَضَى 467 وَتَرَكَهُمْ ، وَلَوْ رُفِعَتْ فَذَكَرَ بَاقِيَ التَّكْبِيرِ ، قَالَ مَالِكٌ : يُتِمُّ مَا لَمْ يُدْفَنْ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ ابْتَدَأَهَا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَلِلنَّاسِ أَنْ يُوَكِّلُوا عَلَيْهِ وَإِنْ دُفِنَ كَمَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .
السَّادِسُ : قَالَ سَنَدٌ : وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَنَائِزِ ، وَقَالَ ( ش ) : إِذَا اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٌ ; الْمُسْتَحَبُّ إِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالصَّلَاةِ . لَنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّ عُثْمَانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ; يَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ .
السَّابِعُ فِي الْكِتَابِ : لَا يُدْخَلُ بِالثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا لَمْ تُنْوَ ، وَلَوْ أَتَى بِالثَّانِيَةِ قَبْلَ إِحْرَامِ الْأُولَى وَمَنْ خَلْفَهُ يَنْوِيهِمَا ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : تُعَادُ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يَنْوِهَا ذَهَبَتْ أَمْ لَا ; لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَصْلُ .
الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِيمَنْ يُصَلِّي .
وَفِي الْجَوَاهِرِ : أَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ الْوَصِيُّ إِنْ قُصِدَ بِهِ الرَّغْبَةُ فِي صَلَاحِهِ ، ثُمَّ وَالِي الْمِصْرِ ، وَصَاحِبُ الشُّرْطِ ، وَالْقَاضِي إِنْ كَانَ يَلِيهَا ; لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ يُخَلِّي بِأُبَّهَتِهِمْ عِنْدَ الرَّعِيَّةِ فَتُقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ عَلَى الْخَاصَّةِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إِلَيْهِ الطَّاعَةُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ 468 يَقُولُ : هِيَ لِمَنْ كَانَتِ الْخُطْبَةُ لَهُ ، وَيَتَقَدَّمُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ الْعَصَبَةُ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ : الِابْنُ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَبُ ، ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ، ثُمَّ الْجَدُّ ، ثُمَّ الْعَمُّ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، ثُمَّ مَوَالِي النِّعْمَةِ قِيَاسًا عَلَى الْمَوَارِيثِ ، وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ : الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا مَنْ هُوَ أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ فَيُقَدَّمُ الْوَلِيُّ عَلَى الْوَالِي ، وَالْأَبُ عَلَى الِابْنِ ، وَالْجَدُّ عَلَى الْأَخِ . لَنَا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِي أَمِيرَ الْمَدِينَةِ فَدَفَعَ فِي قَفَاهُ ، وَقَالَ : لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ . ثُمَّ صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْفَقِيهُ أَوْلَى مِنَ الْمُسِنِّ ; لِأَنَّهُ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ الصَّلَاةِ ، قَالَ سَنَدٌ : إِذَا اخْتَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْأَئِمَّةِ قُدِّمَ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يُقَدَّمُ أَوْلِيَاءُ الرَّجُلِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ لِفَضْلِ الرَّجُلِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith