الذخيرة
الذخيرة · الجزء السادس
فَرْعٌ
فِي الْجُلَّابِ : إِذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ دَنَانِيرَ ، أَوْ مِثْلِيًّا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ ، بَطَلَ 271 الِاعْتِصَارُ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَاغَهَا حُلِيًّا فِي شَرْحِ الْجُلَّابِ يَتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ .
فَرْعٌ
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : لَا يَعْتَصِرُ لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَ الْهِبَةِ ، بَلْ إِنَّمَا يَعْتَصِرُ لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : هِبَةُ الثَّوَابِ مُبَاحَةٌ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ ؛ قَالُوا لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا ، أَوْ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ إِنْ لَمْ يُعَيِّنُوا الْقِيمَةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْبُيُوعِ اتِّفَاقًا ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ; وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ لُغَةً ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَقْتَضِي عِوَضًا فَلَا تَكُونُ الْهِبَةُ تَقْتَضِي ثَوَابًا ; وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى عِوَضًا غَيْرَ مُسَمًّى لَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَدْنَى ، كَالنِّكَاحِ فِي التَّفْوِيضِ ، فَلَوِ اقْتَضَتْهُ الْهِبَةُ لَاسْتَوَى الْفَرِيقَانِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَامِعِ التَّبَرُّعِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ الْفَرْقُ بِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ وَإِنْ دَخَلَهَا الْعِوَضُ فَمَقْصُودُهَا أَيْضًا الْمُكَارَمَةُ وَالْوِدَادُ ، فَلَمْ تَتَمَحَّضْ لِلْمُعَاوَضَةِ وَالْمُكَايَسَةِ ، وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا مِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ ، كَمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالطَّعَامَ لَا يَدًا بِيَدٍ فِي الْقِرَاضِ ; لِأَنَّ قَصْدَهُ الْمَعْرُوفُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ ، وَعَنِ الثَّانِي إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ كُلَّ هِبَةٍ مَوْضُوعُهَا التَّبَرُّعُ فَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِانْدِرَاجِهَا فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ بَعْضَ الْهِبَاتِ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ هِبَةَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى مَوْضُوعَةٌ لِلْعِوَضِ وَالْأَعْلَى لِلْأَدْنَى لِلتَّبَرُّعِ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ ، فَيَكُونُ 272 لُغَةً كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَعَنِ الثَّالِثِ الْفَرْقُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لِلْعِوَضِ فِيهِ لَازِمٌ شَرْعًا ، لَا يَتَمَكَّنَانِ مِنْ إِسْقَاطِهِ ، فَلِذَلِكَ اطَّرَدَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ لِلْعِوَضِ وَعَدَمِهِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَدَمِهِ اتَّبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ أَوْ بِقَلْبِهِ ، فَيَقُولُ عَقْدٌ يُقْصَدُ لِلْوِدَادِ فَيَقْتَضِي الْعِوَضَ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ ، بَلْ عِنْدَنَا مُلْحَقَةٌ بِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ يُسْكَتُ عَنِ الْعِوَضِ فِيهِ ، وَيَلْزَمُ صَدَاقُ الْمِثْلِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا يَلْزَمُ قِيمَةُ الْمِثْلِ ، وَعَنِ الرَّابِعِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَادُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ أَعْوَاضَ الدُّنْيَا كَالصَّدَقَةِ ، ثُمَّ يَتَأَيَّدُ مَذْهَبُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ ; لِأَنَّهَا يَتَحَيَّى بِهَا وَوُرُودُهَا فِي السَّلَامِ لَا يَمْنَعُ دَلَالَتَهَا عَلَى مَحْمَلِ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ; وَلِأَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ نَاقَةً فَأَعْطَاهُ ثَلَاثًا فَأَبَى ، فَزَادَ ثَلَاثًا فَأَبَى ، فَلَمَّا كَمُلَتْ تِسْعًا قَالَ : رَضِيتُ ، فَقَالَ : وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَ الْيَوْمِ هَدِيَّةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا ، أَوْ أَنْصَارِيًّا ، أَوْ ثَقَفِيًّا ، أَوْ دَوْسِيًّا ، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي الثَّوَابَ ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ حَتَّى أَرْضَاهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : " الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا " ، وَمَا زَالَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلِأَنَّهُ مَفْهُومٌ فِي الْعُرْفِ ، وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فَيَرْبُوَ فَبَقِيَ الْأَجْرُ وَلَمْ يَثْبُتِ الْإِثْمُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَادَةُ 273 الْعُرْفِ ، وَعَلَى الْإِبَاحَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى النَّبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ، أَيْ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ لِشَرَفِ مَنْصِبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَسْكَنَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا شَرَطَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ ، أَوْ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَهُ فَلَمْ يُثَبْ فَلَهُ أَخْذُ هِبَتِهِ إِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا بِنَمَاءٍ ، أَوْ نَقْصٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَثَابَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَلَا يُجْبِرُ الْمَوْهُوبَ عَلَى الثَّوَابِ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الْهِبَةُ عِنْدَهُ ، وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ أَخَذُ الْقِيمَةِ يَوْمَ وَهَبَهَا ; لِأَنَّهُ يَوْمَ الْعَقْدِ وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ رَدُّهَا فِي الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَاهِبُ ، وَلَا لِلْوَاهِبِ أَخَذُهَا فِي نَقْصِ الْبَدَنِ إِلَّا بِرِضَا الْمَوْهُوبِ ، وَلَا بِقِيمَتِهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ ; لِأَنَّهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ خَارِجَةٌ عَنِ الْهِبَةِ ، وَإِذَا عَوَّضَ الْمَوْهُوبُ الْوَاهِبَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ ، ثُمَّ قَامَ الْوَاهِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْلَفَ مَا سَكَتَ إِلَّا لِلِانْتِظَارِ ، وَتَكْمُلُ لَهُ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّضَى لَا سِيَّمَا بِدُونِ الْقِيمَةِ ، أَوْ تُرَدُّ الْهِبَةُ إِنْ لَمْ تَفُتْ ، وَالصَّدَقَةُ لِلشَّرَابِ كَالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلثَّوَابِ تُمْنَعُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ لِئَلَّا يَكُونَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : قَوْلُهُ إِذَا شَرَطَ يَقْتَضِي جَوَازُ التَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ ثَمَنٌ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ جَائِزٌ وَمَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّصْرِيحَ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا ، وَلِلْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَنْ يَسْكُتَ وَيُعْلَمُ طَلَبُهُ لِلثَّوَابِ بِعَادَةٍ أَوْ ظَاهِرِ حَالِ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا ، وَأَنْ يُصَرِّحْ فَيَقُولَ : أَهَبْتُكَ لِلثَّوَابِ أَوْ لِتُثِيبَنِي مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَرْطٍ ، فَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ كَالْأَوَّلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، وَأَنْ يُصَرِّحْ بِالشَّرْطِ ؛ فَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ يَمْنَعُ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِالْقِيمَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا ، يَقُولُ 274 عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي كَذَا بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيَمْتَنِعُ مَا يَمْتَنِعُ وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ الْجَائِزَةُ بِالْقَبُولِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا تَنْعَقِدُ هِبَةُ الثَّوَابِ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ إِذَا فَاتَتْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقِيمَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا أَكْثَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْكِتَابِ ، وَعَنْهُ : لَهُ أَنْ يَأْبَى ، وَإِنْ أُثِيبَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا ; وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْقِيمَةَ لَبَاعَهَا فِي السُّوقِ ، وَالْأَصْلُ عِصْمَةُ الْأَمْوَالِ إِلَّا بِرِضَى أَرْبَابِهَا ، قَالَ : وَأَرَى إِنْ أُثِيبَ مِنْهَا مَا يَرَى أَنَّهُ كَانَ يَرْجُوهُ مِنْ هَذَا الْمَوْهُوبِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ؛ قَائِمَةً كَانَتْ أَوْ فَائِتَةً ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِإِخْرَاجِ سِلْعَتِهِ بِهِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لِلْوَاهِبِ هِبَةَ الثَّوَابِ الْمَنْعُ مِنَ الْقَبْضِ حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ كَالْبَيْعِ ، فَإِنْ قَبِضَ قَبْلَ الْعِوَضِ وُقِفَتْ فَيُثِيبُهُ أَوْ يَرُدُّهَا وَيَتَلَوَّمُ لَهُ مَا لَا يَضُرُّ ، وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ وَهِيَ فِي يَدِهِ فَهِيَ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ وَلِلْمَوْهُوبِ أَخَذُهَا إِنْ دَفَعَ الْعِوَضَ لِلْوَرَثَةِ ، وَرَثَتُهُ تَقُومُ مَقَامَهُ كَالْبَيْعِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمَذْهَبُ لَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يُثَابَ لِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ قَبْضِهَا ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقَدَّمَ تَسْلِيمُهَا قَبْلَ الطَّلَبِ وَإِذَا كَانَ الْوَاهِبُ مَرِيضًا جَازَ لَهُ تَسْلِيمُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيرًا ، فَلِلْوَرَثَةِ مَنْعُهُ مِنْهَا ، وَإِنْ قَبِضَهَا مَنَعُوهُ مِنْ بَيْعِهَا حَتَّى يُثِيبَ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنَ الْبَيْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ يُمْنَعُ ، وَمَتَى 275 غَابَ عَلَى الْجَارِيَةِ الْعَلِيُّ امْتَنَعَ الرَّدُّ خَشْيَةَ الْوَطْءِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ أُبِيحَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْإِثَابَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ النَّقْدَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ عِوَضًا لَا مُعَوِّضًا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فَيُثَابُ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا حَذَرًا مِنَ النِّسَاءِ فِي الصَّرْفِ ، وَإِنْ وَهَبَ حُلِيًّا لِلثَّوَابِ عُوِّضَ عَرَضًا لَا مُعَيَّنًا وَلَا حُلِيًّا مِنْ فِضَّةٍ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا اشْتَرَطَ الثَّوَابَ فِي النَّقْدَيْنِ رُدَّتِ الْهِبَةُ ; لِأَنَّهَا قِيمَةٌ فَلَا تَكُونُ لَهُمَا قِيمَةٌ ، وَلِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ بِيعَا بِمَا لَا يُعْلَمُ مِنْ أَصْنَافِ الْعُرُوضِ ، وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ التِّبْرِ وَالسَّبَائِكِ وَالنِّقَارِ وَالْحُلِيِّ الْمَكْسُورِ ، وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّعْوِيضُ عَلَى الْحُلِيِّ الصَّحِيحِ لِلذَّهَبِ فِضَّةً وَعَنِ الْوَرَقِ ذَهَبًا ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا قَالَ وَاهِبُ الدَّنَانِيرِ أَرَدْتُ الثَّوَابَ بِالْعَيْنِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ خِلَافَ الْعَادَةِ ، وَلَوْ كَانَ الْوَاهِبُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ إِذَا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ فَإِنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الشَّرْطِ الْعُرْفُ لَا الِاعْتِقَادُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرِهِ فَأَهْدَى لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَنَحْوَهَا فَلَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا لَهُ رَدُّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةَ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ هَذَا لِلْمُوَاصَلَةِ ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الْآخَرِ ، وَالْوَلَدُ مَعَ وَالِدِهِ ، وَالْوَالِدُ مَعَ وَلَدِهِ ، إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ الْقَصْدُ لِذَلِكَ ، كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الْمُوسِرِ جَارِيَةً ، أَوِ الزَّوْجِ ، أَوِ الْوَلَدِ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَسْتَعْذِرُ مِنْ أَبِيهِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قِيلَ لَهُ أَخَذَهَا مَا لَمْ تَفُتْ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَأَمَّا الْقَمْحُ 276 وَالشَّعِيرُ يُوهَبُ لِلثَّوَابِ فَفِيهِ الثَّوَابُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَهُ الثَّوَابُ فِي الْفَاكِهَةِ لِلْقَادِمِ وَنَحْوِهَا ، وَمَا وَهَبَهُ الْقَادِمُ لِجِيرَانِهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ الْعَادَةُ وَالْعَادَةُ فِي هَدِيَّةِ الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ لِلثَّوَابِ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِيَامِ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُطْلَبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ وَلَا لِوَرَثَتِهِ إِنْ مَاتَ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُطْلَبُ فَلَهُ وَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَتَّى كَانَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُثِيبَ مِثْلَ الْأَوَّلِ جَازَ لِشِبْهِهِ بِالْقَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ أَنْ يُثَابَ أَكْثَرَ فَسَدَتْ وَرُدَّتْ .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا كَانَ الْحُكْمُ أَنْ لَا ثَوَابَ فَأَثَابَ جَهْلًا ، أَوْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : يَرْجِعُ فِي ثَوَابِهِ مَا كَانَ قَائِمًا لِعَدَمِ سَبَبِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ إِنْ فَاتَ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ كَمَا قِيلَ فِي صَرْفِ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ أَثَابَهُ دَنَانِيرَ فَقَالَ أَنْفَقْتَهَا أَوْ هَلَكَتْ حَلَفَ وَبَرِئَ ، أَوْ سِلْعَةً أَخَذَهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ زَادَتْ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَرْجِعَ فِي عِوَضِ ثَوَابِهِ قَبْلَ الْفَوْتِ إِذْ يَصُونُ بِهِ مَالَهُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الدَّنَانِيرِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُصَدَّقُ إِذَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ وَادَّعَى التَّلَفَ لِلتُّهْمَةِ وَيُصَدَّقُ فِي الْحَيَوَانِ .
فَرْعٌ
قَالَ : وَمَتَى قَامَ دَلِيلُ الثَّوَابِ ، أَوْ عَدِمِهِ صُدِّقَ ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمُ خُرُوجِ الْهِبَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ ، وَمَتَّى كَانَتْ مِنْ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ فَالثَّوَابُ ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَعَدَمُ الثَّوَابِ ، لِأَنَّهُ 277 الْعَادَةُ ، أَوْ مِنْ غَنِيٍّ لِغَنِيٍّ فَالثَّوَابُ ; لِأَنَّ عَادَةَ الْأَغْنِيَاءِ الْمُكَافَأَةُ ، أَوْ بَيْنَ فَقِيرَيْنِ فَقَوْلَانِ نَظَرًا لِلْفَقْرِ ، أَوْ لِأَنَّ سُنَّةَ الْفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ كَالْغَنِيِّ لِلْغَنِيِّ ، قَالَ أَشْهَبُ : الْهِبَةُ لِلْغَنِيِّ فِيهَا الثَّوَابُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْعَى لَهُ فِي حَاجَةٍ ; لِأَنَّ السَّعْيَ ثَوَابٌ ، وَلَا ثَوَابَ لِلسُّلْطَانِ وَلَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : إِنْ كَانَ الْوَاهِبُ فَقِيرًا فَلَهُ الثَّوَابُ ; لِأَنَّهُ يَرْجُو رِفْدَ السُّلْطَانِ ، أَوْ غَنِيًّا فَلَا ثَوَابَ ; لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يُحَاسَبُونَ ذَبًّا عَنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَالِبُهُ بِمَظَالِمَ فَهَادَاهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ ، أَوْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ بِتُحَفٍ فَهَادَاهُ فَالْعَادَةُ الثَّوَابُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْجَاهُ ، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَلَا فِيمَا وُهِبَ لِلْفَقِيهِ ، أَوِ الصَّالِحِ ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَلَهُمَا الثَّوَابُ إِنْ وَهَبَا إِلَّا أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ ، وَفِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ قَوْلَانِ فِي الثَّوَابِ ، وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ مَعَ الْوَلَدِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالثَّوَابِ يُصَدَّقُ مُدَّعِيهِ ، وَالْأَقَارِبُ يَخْتَلِفُونَ فِي سُقُوطِ الثَّوَابِ وَأَقْوَاهُمُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ يَهَبَانِ لِلْوَلَدِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هِبَتُهُ لَهُمَا .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : مَا وَهَبْتَهُ لِذِي رَحِمِكَ وَغِلْمَانِكَ لِلثَّوَابِ ، لَكَ طَلَبُهُ إِنْ أَثَابُوكَ وَإِلَّا رَجَعْتَ فِيهَا ، وَأَمَّا هِبَتُكَ لِفَقِيرِهِمْ فَلَا ثَوَابَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةُ الصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الثَّوَابِ ، وَيُصَدَّقُ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ وَالْغَنِيُّ لِلْغَنِيِّ ، فَإِنْ أُثِيبَ وَإِلَّا رَجَعَ فِيهَا لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى مِنْهَا ، فَإِنْ هَلَكَتْ فَلَهُ شَرْوَاهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا وَهَبْتُهَا إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أُثَابَ عَلَيْهَا .
278 فَائِدَةٌ : : قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : شَرْوَاهَا - بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - أَصْلُهُ : مَثَلُ الشَّيْءِ ، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَثَلٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ قِيمَةً ; لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُتَقَوِّمِ ، قَالَ : وَتَحْلِيفُهُ مَذْهَبُ الْكِتَابِ لِهَذَا الْأَثَرِ ، وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ : لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ نِيَّتَهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ ، وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ : إِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ حَلَفَ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ لَا يَحْلِفُ ، وَفِي الْجُلَّابِ يُنْظَرُ لِلْعُرْفِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ لَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ صُدِّقَ الْمَوْهُوبُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ أَشْكَلَ صِدْقُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْأَمْلَاكِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا عَوَّضَكَ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِكُمَا لِاسْتِقْرَارِ الْأَمْلَاكِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا وَهَبْتَ عَبْدًا لِرَجُلَيْنِ فَعَوَّضَكَ أَحَدُهُمَا عَنْ حِصَّتِهِ فَلَكَ الرُّجُوعُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ ، إِنْ لَمْ يُعَوِّضْكَ كَمَا لَوْ بِعْتَهُ مِنْهُمَا فَفَلِسَ أَحَدُهُمَا أَنْتَ أَحَقُّ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا عَوَّضَ أَجْنَبِيٌّ عَنْكَ بِغَيْرِ أَمْرِكَ عَرَضًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَاهِبِ بَلْ عَلَيْكَ بِقِيمَتِهِ إِنْ رَأَى أَنَّهُ أَرَادَ ثَوَابًا مِنْكَ ; لِأَنَّهُ وَهَبَكَ دُونَهُ ، وَإِنْ عَوَّضَ دَنَانِيرَ ، أَوْ دَرَاهِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَسْلِيفَهَا لَكَ ; لِأَنَّ النَّقْدَيْنِ لَا 279 ثَوَابَ فِيهِمَا إِلَّا بِالشَّرْطِ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنْ أَثَابَ قَبْلَ تَعْيِينِ الْهِبَةِ وَوُجُوبِ قِيمَتِهَا فَهُوَ فَاسِدٌ وَيُخَيَّرُ الْمَوْهُوبُ بَيْنَ رَدِّ الْهِبَةِ عَلَى الْوَاهِبِ ، وَيَرْجِعُ لِلْمُثِيبِ مَا أَعْطَى وَحَبَسَهَا وَدَفَعَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ مَا أَثَابَهُ الْأَجْنَبِيُّ لَهُ ، قَالَ : وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يَرْجِعُ لِلْمُثِيبِ قِيمَةُ عَرَضِهِ ، أَوْ قِيمَةُ الْهِبَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ هِبَةِ الثَّوَابِ ; لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ فِيهَا الْقِيمَةُ لَيْسَ إِلَّا ، فَهِيَ أَقَلُّ غَرَرًا ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاسِدًا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا دَفَعَ لَيْسَ إِلَّا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ إِجَازَةُ هَذَا الْفِعْلِ لِأَنْ جَعَلَ لَهُ الْأَقَلَّ إِذَا تَمَسَّكَ الْمَوْهُوبُ بِالْهِبَةِ الْأُولَى أَوْ فَاتَتْ ، وَيَلْزَمُ إِذَا تَكَفَّلَ عَنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ فَصَالَحَ عَنِ الْمَكْفُولِ بِعَرَضٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ قِيمَتُهُ ، أَوْ عَيْنُهُ مَعَ إِنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْتَضِي بَطَلَانَ الْفَرْعَيْنِ لِلْجَهَالَةِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : يُرِيدُ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ ، أَيْ : بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ قِيمَةِ الْهِبَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ فِي بَدَنِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ ، فَلَيْسَ لَكَ رَدُّهَا وَلَا يُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ ، أَوْ بِخُرُوجِهَا عَنِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ ; لِأَنَّهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الْقِيمَةُ لِلْمَوْهُوبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : مُجَرَّدُ الْقَيْضِ فَوْتٌ يُوجِبُهَا وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فَوْتٌ يُوجِبُ الْقِيمَةَ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا ، وَعَنْهُ لَا تَفُوتُ إِلَّا بِالنُّقْصَانِ ؛ فَالْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْقَيِّمَةَ كَالثَّمَنِ ، وَالثَّانِي قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالثَّالِثُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ تَعَلُّقَ الْحَقَّيْنِ بِخِلَافِ النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِأَحَدِهِمَا ، وَالرَّابِعُ لِأَنَّ النَّقْصَ خَلَلٌ فِي الْعَيْنِ فَهِيَ كَالذَّاهِبَةِ ، وَهِيَ مَعَ الزِّيَادَةِ بَاقِيَةٌ فَلَا فَوْتَ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِهَا بَعْدَ الْفَوْتِ هَلْ يُسْتَغْنَى عَنْ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهَا ، أَوْ يُحْتَاجُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ رَدُّ 280 عَيْنِهَا إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَخْذُ عَيْنِهَا بَعْدَ الْفَوْتِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ إِنْ قُلْنَا لَهُ إِثَابَةَ الْعُرُوضِ بَعْدَ الْفَوْتِ ، وَإِلَّا احْتَاجَ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ .
نَظَائِرُ : قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي نَظَائِرِهِ أَرْبَعَ مَسَائِلَ لَا تُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ : هِبَةُ الثَّوَابِ ، وَاخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَالسِّلْعَةُ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الْعَيْبِ ، وَالْكَذِبُ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدِ فِي الْأُصُولِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَمَتَى يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الْقِيمَةُ إِذَا بُذِلَتْ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَدُّهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ كَالْبَيْعِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ تَسْلِيمِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْقِيمَةِ ، وَالثَّانِي الْقَبْضُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْعَيْنِ ، وَالثَّالِثُ التَّغَيُّرُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى كَأَنَّهَا هَلَكَتْ ، وَالرَّابِعُ فَوَاتُ الْعَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ بِهَلَاكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا قُلْنَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ تَسْلِيمُ الْهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّوَابِ فَضَمَانُهَا مِنَ الْمَوْهُوبِ ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَحْبُوسَةِ بِالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ يَوْمَ الْهِبَةِ وَلَا يَوْمَ الْقَبْضِ اتِّفَاقًا ، فَإِنْ قُلْنَا لَا فَيَجْرِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَحْبُوسَةِ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِالثَّوَابِ ، وَالْخِلَافُ فِي لُزُومِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْهِبَةِ أَوْ يَوْمَ الْقَبْضِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الضَّمَانِ .
فَرْعٌ
قَالَ : لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ حَتَّى يُعْطَى قِيمَتَهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، أَوْ أَكْثَرَ 281 مِنْ قِيمَتِهَا عِنْدَ مُطَرِّفٍ وَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَكْثَرَ مِنِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ نَظَرًا لِضِعْفِ الْعَقْدِ وَقِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
فِي الْجُلَّابِ : إِذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ دَنَانِيرَ ، أَوْ مِثْلِيًّا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ ، بَطَلَ 271 الِاعْتِصَارُ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَاغَهَا حُلِيًّا فِي شَرْحِ الْجُلَّابِ يَتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ .
فَرْعٌ
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ : لَا يَعْتَصِرُ لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَ الْهِبَةِ ، بَلْ إِنَّمَا يَعْتَصِرُ لِنَفْسِهِ كَمَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : هِبَةُ الثَّوَابِ مُبَاحَةٌ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ ؛ قَالُوا لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا ، أَوْ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ إِنْ لَمْ يُعَيِّنُوا الْقِيمَةَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْبُيُوعِ اتِّفَاقًا ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ; وَلِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ لُغَةً ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَقْتَضِي عِوَضًا فَلَا تَكُونُ الْهِبَةُ تَقْتَضِي ثَوَابًا ; وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى عِوَضًا غَيْرَ مُسَمًّى لَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَدْنَى ، كَالنِّكَاحِ فِي التَّفْوِيضِ ، فَلَوِ اقْتَضَتْهُ الْهِبَةُ لَاسْتَوَى الْفَرِيقَانِ ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَامِعِ التَّبَرُّعِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ الْفَرْقُ بِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ وَإِنْ دَخَلَهَا الْعِوَضُ فَمَقْصُودُهَا أَيْضًا الْمُكَارَمَةُ وَالْوِدَادُ ، فَلَمْ تَتَمَحَّضْ لِلْمُعَاوَضَةِ وَالْمُكَايَسَةِ ، وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا مِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ ، كَمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالطَّعَامَ لَا يَدًا بِيَدٍ فِي الْقِرَاضِ ; لِأَنَّ قَصْدَهُ الْمَعْرُوفُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ ، وَعَنِ الثَّانِي إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ كُلَّ هِبَةٍ مَوْضُوعُهَا التَّبَرُّعُ فَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِانْدِرَاجِهَا فِي هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ بَعْضَ الْهِبَاتِ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ وَلَا يَضُرُّنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ هِبَةَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى مَوْضُوعَةٌ لِلْعِوَضِ وَالْأَعْلَى لِلْأَدْنَى لِلتَّبَرُّعِ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ ، فَيَكُونُ 272 لُغَةً كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ ، وَعَنِ الثَّالِثِ الْفَرْقُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لِلْعِوَضِ فِيهِ لَازِمٌ شَرْعًا ، لَا يَتَمَكَّنَانِ مِنْ إِسْقَاطِهِ ، فَلِذَلِكَ اطَّرَدَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ لِلْعِوَضِ وَعَدَمِهِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَدَمِهِ اتَّبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ أَوْ بِقَلْبِهِ ، فَيَقُولُ عَقْدٌ يُقْصَدُ لِلْوِدَادِ فَيَقْتَضِي الْعِوَضَ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ ، بَلْ عِنْدَنَا مُلْحَقَةٌ بِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ يُسْكَتُ عَنِ الْعِوَضِ فِيهِ ، وَيَلْزَمُ صَدَاقُ الْمِثْلِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا يَلْزَمُ قِيمَةُ الْمِثْلِ ، وَعَنِ الرَّابِعِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَادُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ أَعْوَاضَ الدُّنْيَا كَالصَّدَقَةِ ، ثُمَّ يَتَأَيَّدُ مَذْهَبُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ ; لِأَنَّهَا يَتَحَيَّى بِهَا وَوُرُودُهَا فِي السَّلَامِ لَا يَمْنَعُ دَلَالَتَهَا عَلَى مَحْمَلِ النِّزَاعِ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ; وَلِأَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ نَاقَةً فَأَعْطَاهُ ثَلَاثًا فَأَبَى ، فَزَادَ ثَلَاثًا فَأَبَى ، فَلَمَّا كَمُلَتْ تِسْعًا قَالَ : رَضِيتُ ، فَقَالَ : وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَ الْيَوْمِ هَدِيَّةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا ، أَوْ أَنْصَارِيًّا ، أَوْ ثَقَفِيًّا ، أَوْ دَوْسِيًّا ، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي الثَّوَابَ ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ حَتَّى أَرْضَاهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : " الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا " ، وَمَا زَالَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلِأَنَّهُ مَفْهُومٌ فِي الْعُرْفِ ، وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فَيَرْبُوَ فَبَقِيَ الْأَجْرُ وَلَمْ يَثْبُتِ الْإِثْمُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَادَةُ 273 الْعُرْفِ ، وَعَلَى الْإِبَاحَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى النَّبِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ، أَيْ : لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ لِشَرَفِ مَنْصِبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَسْكَنَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا شَرَطَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ ، أَوْ يَرَى أَنَّهُ أَرَادَهُ فَلَمْ يُثَبْ فَلَهُ أَخْذُ هِبَتِهِ إِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا بِنَمَاءٍ ، أَوْ نَقْصٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَثَابَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَلَا يُجْبِرُ الْمَوْهُوبَ عَلَى الثَّوَابِ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الْهِبَةُ عِنْدَهُ ، وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ أَخَذُ الْقِيمَةِ يَوْمَ وَهَبَهَا ; لِأَنَّهُ يَوْمَ الْعَقْدِ وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ رَدُّهَا فِي الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَاهِبُ ، وَلَا لِلْوَاهِبِ أَخَذُهَا فِي نَقْصِ الْبَدَنِ إِلَّا بِرِضَا الْمَوْهُوبِ ، وَلَا بِقِيمَتِهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ ; لِأَنَّهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ خَارِجَةٌ عَنِ الْهِبَةِ ، وَإِذَا عَوَّضَ الْمَوْهُوبُ الْوَاهِبَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْهِبَةِ ، ثُمَّ قَامَ الْوَاهِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْلَفَ مَا سَكَتَ إِلَّا لِلِانْتِظَارِ ، وَتَكْمُلُ لَهُ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرِّضَى لَا سِيَّمَا بِدُونِ الْقِيمَةِ ، أَوْ تُرَدُّ الْهِبَةُ إِنْ لَمْ تَفُتْ ، وَالصَّدَقَةُ لِلشَّرَابِ كَالْهِبَةِ لِلثَّوَابِ ، وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلثَّوَابِ تُمْنَعُ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ لِئَلَّا يَكُونَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ ، قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : قَوْلُهُ إِذَا شَرَطَ يَقْتَضِي جَوَازُ التَّصْرِيحِ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّ الثَّوَابَ ثَمَنٌ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ جَائِزٌ وَمَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّصْرِيحَ بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلسِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا ، وَلِلْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَنْ يَسْكُتَ وَيُعْلَمُ طَلَبُهُ لِلثَّوَابِ بِعَادَةٍ أَوْ ظَاهِرِ حَالِ الْهِبَةِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا ، وَأَنْ يُصَرِّحْ فَيَقُولَ : أَهَبْتُكَ لِلثَّوَابِ أَوْ لِتُثِيبَنِي مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَرْطٍ ، فَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ كَالْأَوَّلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، وَأَنْ يُصَرِّحْ بِالشَّرْطِ ؛ فَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ يَمْنَعُ ; لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِالْقِيمَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا ، يَقُولُ 274 عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي كَذَا بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيَمْتَنِعُ مَا يَمْتَنِعُ وَتَنْعَقِدُ الْهِبَةُ الْجَائِزَةُ بِالْقَبُولِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا تَنْعَقِدُ هِبَةُ الثَّوَابِ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ إِذَا فَاتَتْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقِيمَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ إِذَا أَكْثَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْكِتَابِ ، وَعَنْهُ : لَهُ أَنْ يَأْبَى ، وَإِنْ أُثِيبَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا ; وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْقِيمَةَ لَبَاعَهَا فِي السُّوقِ ، وَالْأَصْلُ عِصْمَةُ الْأَمْوَالِ إِلَّا بِرِضَى أَرْبَابِهَا ، قَالَ : وَأَرَى إِنْ أُثِيبَ مِنْهَا مَا يَرَى أَنَّهُ كَانَ يَرْجُوهُ مِنْ هَذَا الْمَوْهُوبِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ؛ قَائِمَةً كَانَتْ أَوْ فَائِتَةً ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِإِخْرَاجِ سِلْعَتِهِ بِهِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لِلْوَاهِبِ هِبَةَ الثَّوَابِ الْمَنْعُ مِنَ الْقَبْضِ حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ كَالْبَيْعِ ، فَإِنْ قَبِضَ قَبْلَ الْعِوَضِ وُقِفَتْ فَيُثِيبُهُ أَوْ يَرُدُّهَا وَيَتَلَوَّمُ لَهُ مَا لَا يَضُرُّ ، وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ لِلثَّوَابِ وَهِيَ فِي يَدِهِ فَهِيَ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ وَلِلْمَوْهُوبِ أَخَذُهَا إِنْ دَفَعَ الْعِوَضَ لِلْوَرَثَةِ ، وَرَثَتُهُ تَقُومُ مَقَامَهُ كَالْبَيْعِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمَذْهَبُ لَهُ مَنْعُهَا حَتَّى يُثَابَ لِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ قَبْضِهَا ; لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقَدَّمَ تَسْلِيمُهَا قَبْلَ الطَّلَبِ وَإِذَا كَانَ الْوَاهِبُ مَرِيضًا جَازَ لَهُ تَسْلِيمُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيرًا ، فَلِلْوَرَثَةِ مَنْعُهُ مِنْهَا ، وَإِنْ قَبِضَهَا مَنَعُوهُ مِنْ بَيْعِهَا حَتَّى يُثِيبَ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنَ الْبَيْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ يُمْنَعُ ، وَمَتَى 275 غَابَ عَلَى الْجَارِيَةِ الْعَلِيُّ امْتَنَعَ الرَّدُّ خَشْيَةَ الْوَطْءِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ أُبِيحَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْإِثَابَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا ثَوَابَ فِي هِبَةِ النَّقْدَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ عِوَضًا لَا مُعَوِّضًا ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فَيُثَابُ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا حَذَرًا مِنَ النِّسَاءِ فِي الصَّرْفِ ، وَإِنْ وَهَبَ حُلِيًّا لِلثَّوَابِ عُوِّضَ عَرَضًا لَا مُعَيَّنًا وَلَا حُلِيًّا مِنْ فِضَّةٍ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا اشْتَرَطَ الثَّوَابَ فِي النَّقْدَيْنِ رُدَّتِ الْهِبَةُ ; لِأَنَّهَا قِيمَةٌ فَلَا تَكُونُ لَهُمَا قِيمَةٌ ، وَلِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ بِيعَا بِمَا لَا يُعْلَمُ مِنْ أَصْنَافِ الْعُرُوضِ ، وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ التِّبْرِ وَالسَّبَائِكِ وَالنِّقَارِ وَالْحُلِيِّ الْمَكْسُورِ ، وَعَنْهُ يَجُوزُ التَّعْوِيضُ عَلَى الْحُلِيِّ الصَّحِيحِ لِلذَّهَبِ فِضَّةً وَعَنِ الْوَرَقِ ذَهَبًا ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا قَالَ وَاهِبُ الدَّنَانِيرِ أَرَدْتُ الثَّوَابَ بِالْعَيْنِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ خِلَافَ الْعَادَةِ ، وَلَوْ كَانَ الْوَاهِبُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ إِذَا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ فَإِنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الشَّرْطِ الْعُرْفُ لَا الِاعْتِقَادُ ، قَالَ مَالِكٌ : إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا قَدِمَ غَنِيٌّ مِنْ سَفَرِهِ فَأَهْدَى لَهُ جَارُهُ الْفَقِيرُ الْفَوَاكِهَ وَنَحْوَهَا فَلَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا لَهُ رَدُّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةَ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ هَذَا لِلْمُوَاصَلَةِ ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الْآخَرِ ، وَالْوَلَدُ مَعَ وَالِدِهِ ، وَالْوَالِدُ مَعَ وَلَدِهِ ، إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ الْقَصْدُ لِذَلِكَ ، كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الْمُوسِرِ جَارِيَةً ، أَوِ الزَّوْجِ ، أَوِ الْوَلَدِ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَسْتَعْذِرُ مِنْ أَبِيهِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قِيلَ لَهُ أَخَذَهَا مَا لَمْ تَفُتْ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَأَمَّا الْقَمْحُ 276 وَالشَّعِيرُ يُوهَبُ لِلثَّوَابِ فَفِيهِ الثَّوَابُ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَهُ الثَّوَابُ فِي الْفَاكِهَةِ لِلْقَادِمِ وَنَحْوِهَا ، وَمَا وَهَبَهُ الْقَادِمُ لِجِيرَانِهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ الْعَادَةُ وَالْعَادَةُ فِي هَدِيَّةِ الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ لِلثَّوَابِ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِيَامِ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُطْلَبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ وَلَا لِوَرَثَتِهِ إِنْ مَاتَ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يُطْلَبُ فَلَهُ وَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَتَّى كَانَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُثِيبَ مِثْلَ الْأَوَّلِ جَازَ لِشِبْهِهِ بِالْقَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ أَنْ يُثَابَ أَكْثَرَ فَسَدَتْ وَرُدَّتْ .
فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا كَانَ الْحُكْمُ أَنْ لَا ثَوَابَ فَأَثَابَ جَهْلًا ، أَوْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَةٍ ، قَالَ مَالِكٌ : يَرْجِعُ فِي ثَوَابِهِ مَا كَانَ قَائِمًا لِعَدَمِ سَبَبِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ إِنْ فَاتَ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ كَمَا قِيلَ فِي صَرْفِ الزَّكَاةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ أَثَابَهُ دَنَانِيرَ فَقَالَ أَنْفَقْتَهَا أَوْ هَلَكَتْ حَلَفَ وَبَرِئَ ، أَوْ سِلْعَةً أَخَذَهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ زَادَتْ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا ، قَالَ : وَأَرَى أَنْ يَرْجِعَ فِي عِوَضِ ثَوَابِهِ قَبْلَ الْفَوْتِ إِذْ يَصُونُ بِهِ مَالَهُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الدَّنَانِيرِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُصَدَّقُ إِذَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ وَادَّعَى التَّلَفَ لِلتُّهْمَةِ وَيُصَدَّقُ فِي الْحَيَوَانِ .
فَرْعٌ
قَالَ : وَمَتَى قَامَ دَلِيلُ الثَّوَابِ ، أَوْ عَدِمِهِ صُدِّقَ ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمُ خُرُوجِ الْهِبَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ ، وَمَتَّى كَانَتْ مِنْ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ فَالثَّوَابُ ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَعَدَمُ الثَّوَابِ ، لِأَنَّهُ 277 الْعَادَةُ ، أَوْ مِنْ غَنِيٍّ لِغَنِيٍّ فَالثَّوَابُ ; لِأَنَّ عَادَةَ الْأَغْنِيَاءِ الْمُكَافَأَةُ ، أَوْ بَيْنَ فَقِيرَيْنِ فَقَوْلَانِ نَظَرًا لِلْفَقْرِ ، أَوْ لِأَنَّ سُنَّةَ الْفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ كَالْغَنِيِّ لِلْغَنِيِّ ، قَالَ أَشْهَبُ : الْهِبَةُ لِلْغَنِيِّ فِيهَا الثَّوَابُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَسْعَى لَهُ فِي حَاجَةٍ ; لِأَنَّ السَّعْيَ ثَوَابٌ ، وَلَا ثَوَابَ لِلسُّلْطَانِ وَلَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : إِنْ كَانَ الْوَاهِبُ فَقِيرًا فَلَهُ الثَّوَابُ ; لِأَنَّهُ يَرْجُو رِفْدَ السُّلْطَانِ ، أَوْ غَنِيًّا فَلَا ثَوَابَ ; لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يُحَاسَبُونَ ذَبًّا عَنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَالِبُهُ بِمَظَالِمَ فَهَادَاهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ ، أَوْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ بِتُحَفٍ فَهَادَاهُ فَالْعَادَةُ الثَّوَابُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْجَاهُ ، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : وَلَا فِيمَا وُهِبَ لِلْفَقِيهِ ، أَوِ الصَّالِحِ ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : وَلَهُمَا الثَّوَابُ إِنْ وَهَبَا إِلَّا أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ ، وَفِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ قَوْلَانِ فِي الثَّوَابِ ، وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ مَعَ الْوَلَدِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالثَّوَابِ يُصَدَّقُ مُدَّعِيهِ ، وَالْأَقَارِبُ يَخْتَلِفُونَ فِي سُقُوطِ الثَّوَابِ وَأَقْوَاهُمُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ يَهَبَانِ لِلْوَلَدِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هِبَتُهُ لَهُمَا .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : مَا وَهَبْتَهُ لِذِي رَحِمِكَ وَغِلْمَانِكَ لِلثَّوَابِ ، لَكَ طَلَبُهُ إِنْ أَثَابُوكَ وَإِلَّا رَجَعْتَ فِيهَا ، وَأَمَّا هِبَتُكَ لِفَقِيرِهِمْ فَلَا ثَوَابَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةُ الصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ فَقِيرٍ لِفَقِيرٍ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الثَّوَابِ ، وَيُصَدَّقُ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ وَالْغَنِيُّ لِلْغَنِيِّ ، فَإِنْ أُثِيبَ وَإِلَّا رَجَعَ فِيهَا لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى مِنْهَا ، فَإِنْ هَلَكَتْ فَلَهُ شَرْوَاهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ مَا وَهَبْتُهَا إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أُثَابَ عَلَيْهَا .
278 فَائِدَةٌ : : قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ : شَرْوَاهَا - بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - أَصْلُهُ : مَثَلُ الشَّيْءِ ، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَثَلٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ قِيمَةً ; لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُتَقَوِّمِ ، قَالَ : وَتَحْلِيفُهُ مَذْهَبُ الْكِتَابِ لِهَذَا الْأَثَرِ ، وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ : لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ نِيَّتَهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ ، وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ : إِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ حَلَفَ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ لَا يَحْلِفُ ، وَفِي الْجُلَّابِ يُنْظَرُ لِلْعُرْفِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ لَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ صُدِّقَ الْمَوْهُوبُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ أَشْكَلَ صِدْقُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْأَمْلَاكِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا عَوَّضَكَ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِكُمَا لِاسْتِقْرَارِ الْأَمْلَاكِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا وَهَبْتَ عَبْدًا لِرَجُلَيْنِ فَعَوَّضَكَ أَحَدُهُمَا عَنْ حِصَّتِهِ فَلَكَ الرُّجُوعُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ ، إِنْ لَمْ يُعَوِّضْكَ كَمَا لَوْ بِعْتَهُ مِنْهُمَا فَفَلِسَ أَحَدُهُمَا أَنْتَ أَحَقُّ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا عَوَّضَ أَجْنَبِيٌّ عَنْكَ بِغَيْرِ أَمْرِكَ عَرَضًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَاهِبِ بَلْ عَلَيْكَ بِقِيمَتِهِ إِنْ رَأَى أَنَّهُ أَرَادَ ثَوَابًا مِنْكَ ; لِأَنَّهُ وَهَبَكَ دُونَهُ ، وَإِنْ عَوَّضَ دَنَانِيرَ ، أَوْ دَرَاهِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْكَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَسْلِيفَهَا لَكَ ; لِأَنَّ النَّقْدَيْنِ لَا 279 ثَوَابَ فِيهِمَا إِلَّا بِالشَّرْطِ ، قَالَ التُّونِسِيُّ : قَالَ مُحَمَّدٌ : إِنْ أَثَابَ قَبْلَ تَعْيِينِ الْهِبَةِ وَوُجُوبِ قِيمَتِهَا فَهُوَ فَاسِدٌ وَيُخَيَّرُ الْمَوْهُوبُ بَيْنَ رَدِّ الْهِبَةِ عَلَى الْوَاهِبِ ، وَيَرْجِعُ لِلْمُثِيبِ مَا أَعْطَى وَحَبَسَهَا وَدَفَعَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ مَا أَثَابَهُ الْأَجْنَبِيُّ لَهُ ، قَالَ : وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يَرْجِعُ لِلْمُثِيبِ قِيمَةُ عَرَضِهِ ، أَوْ قِيمَةُ الْهِبَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ هِبَةِ الثَّوَابِ ; لِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ فِيهَا الْقِيمَةُ لَيْسَ إِلَّا ، فَهِيَ أَقَلُّ غَرَرًا ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاسِدًا وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا دَفَعَ لَيْسَ إِلَّا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ إِجَازَةُ هَذَا الْفِعْلِ لِأَنْ جَعَلَ لَهُ الْأَقَلَّ إِذَا تَمَسَّكَ الْمَوْهُوبُ بِالْهِبَةِ الْأُولَى أَوْ فَاتَتْ ، وَيَلْزَمُ إِذَا تَكَفَّلَ عَنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ فَصَالَحَ عَنِ الْمَكْفُولِ بِعَرَضٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ قِيمَتُهُ ، أَوْ عَيْنُهُ مَعَ إِنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْتَضِي بَطَلَانَ الْفَرْعَيْنِ لِلْجَهَالَةِ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : يُرِيدُ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ ، أَيْ : بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ قِيمَةِ الْهِبَةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ فِي بَدَنِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ ، فَلَيْسَ لَكَ رَدُّهَا وَلَا يُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ ، أَوْ بِخُرُوجِهَا عَنِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ ; لِأَنَّهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الْقِيمَةُ لِلْمَوْهُوبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : مُجَرَّدُ الْقَيْضِ فَوْتٌ يُوجِبُهَا وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فَوْتٌ يُوجِبُ الْقِيمَةَ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا ، وَعَنْهُ لَا تَفُوتُ إِلَّا بِالنُّقْصَانِ ؛ فَالْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ; لِأَنَّ الْقَيِّمَةَ كَالثَّمَنِ ، وَالثَّانِي قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالثَّالِثُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُوجِبُ تَعَلُّقَ الْحَقَّيْنِ بِخِلَافِ النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِأَحَدِهِمَا ، وَالرَّابِعُ لِأَنَّ النَّقْصَ خَلَلٌ فِي الْعَيْنِ فَهِيَ كَالذَّاهِبَةِ ، وَهِيَ مَعَ الزِّيَادَةِ بَاقِيَةٌ فَلَا فَوْتَ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِهَا بَعْدَ الْفَوْتِ هَلْ يُسْتَغْنَى عَنْ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهَا ، أَوْ يُحْتَاجُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ رَدُّ 280 عَيْنِهَا إِلَّا بِتَرَاضِيهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَخْذُ عَيْنِهَا بَعْدَ الْفَوْتِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ إِنْ قُلْنَا لَهُ إِثَابَةَ الْعُرُوضِ بَعْدَ الْفَوْتِ ، وَإِلَّا احْتَاجَ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ .
نَظَائِرُ : قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي نَظَائِرِهِ أَرْبَعَ مَسَائِلَ لَا تُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ : هِبَةُ الثَّوَابِ ، وَاخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَالسِّلْعَةُ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الْعَيْبِ ، وَالْكَذِبُ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدِ فِي الْأُصُولِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : وَمَتَى يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الْقِيمَةُ إِذَا بُذِلَتْ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَدُّهَا إِذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ كَالْبَيْعِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ تَسْلِيمِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْقِيمَةِ ، وَالثَّانِي الْقَبْضُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْعَيْنِ ، وَالثَّالِثُ التَّغَيُّرُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى كَأَنَّهَا هَلَكَتْ ، وَالرَّابِعُ فَوَاتُ الْعَيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ بِهَلَاكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ .
فَرْعٌ
قَالَ : إِذَا قُلْنَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ تَسْلِيمُ الْهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّوَابِ فَضَمَانُهَا مِنَ الْمَوْهُوبِ ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَحْبُوسَةِ بِالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ يَوْمَ الْهِبَةِ وَلَا يَوْمَ الْقَبْضِ اتِّفَاقًا ، فَإِنْ قُلْنَا لَا فَيَجْرِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَحْبُوسَةِ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِالثَّوَابِ ، وَالْخِلَافُ فِي لُزُومِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْهِبَةِ أَوْ يَوْمَ الْقَبْضِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الضَّمَانِ .
فَرْعٌ
قَالَ : لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ حَتَّى يُعْطَى قِيمَتَهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، أَوْ أَكْثَرَ 281 مِنْ قِيمَتِهَا عِنْدَ مُطَرِّفٍ وَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَكْثَرَ مِنِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ نَظَرًا لِضِعْفِ الْعَقْدِ وَقِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث