الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثالث
الصفحة 1229 · ص. المطبوع 238
238 بَابُ صَدَقَةِ الزَّرْعِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، [ الْأَنْعَامِ : 141 ] ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَمَا جَعَلَ الزَّكَاةَ عَلَى الزَّرْعِ " .
أَمَّا الزُّرُوعُ فَمِنَ الْأَمْوَالِ الْمُزَكَّاةِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَجْنَاسِ مَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ سَبْعَةُ مَذَاهِبَ :
أَحَدُهَا : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِيمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ قُوتًا مُدَّخَرًا ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لَا غَيْرَ ، قَالَ بِهِ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ .
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ لَا غَيْرَ ، قَالَ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ .
وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ زَرْعٍ نَبَتَ مِنْ بَزْرِهِ وَأُخِذَ بَزْرُهُ مِنْ زَرْعِهِ قَالَ بِهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ .
وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْحُبُوبِ الْمَأْكُولَةِ غَالِبًا مِنَ الزُّرُوعِ قَالَ بِهِ مَالِكٌ . وَالْمَذْهَبُ السَّادِسُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مِنَ الْحُبُوبِ الْمَأْكُولَةِ . وَالْقُطْنِ أَيْضًا قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ .
وَالْمَذْهَبُ السَّابِعُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مَزْرُوعٍ وَمَغْرُوسٍ مِنْ فَوَاكِهَ وَبِقَالٍ وَحُبُوبٍ وَخُضَرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [ الْبَقَرَةِ : 267 ] . وَبِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ، [ الْأَنْعَامِ : 141 ] إِلَى قَوْلِهِ : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [ الْأَنْعَامِ : 141 ] . وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَزْرُوعٌ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ عُشْرُهُ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ .
وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ 239 السَّلَامُ وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ .
وَرَوَى أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْبُقُولِ زَكَاةٌ .
وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَيْسَ فِيمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْخَضْرَاوَاتِ زَكَاةٌ
وَرَوَى مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرَبٍ ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي التَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْحُبُوبِ ، فَأَمَّا الْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخَضْرَاوَاتُ فَعَفْوٌ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهُ نَبْتٌ لَا يُقْتَاتُ غَالِبًا فَاقْتَضَى أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ الْعُشْرُ كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إِذَا وَجَبَتْ فِي جِنْسٍ فِيهِ الْعُشْرُ كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إِذَا وَجَبَتْ فِي جِنْسٍ تَعَلَّقَتْ بِأَعْلَى نَوْعَيْهِ وَسَقَطَتْ عَنْ أَدْونِهِمَا ، كَالْحَيَوَانِ لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي أَعْلَى نَوْعَيْهِ وَهُوَ النَّعَمُ السَّائِمَةُ ، وَكَالْمَعَادِنِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي أَعْلَى نَوْعَيْهَا وَهِيَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ ، وَكَالْعُرُوضِ وَلَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي أَعْلَى نَوْعِهَا وَهِيَ عُرُوضُ التِّجَارَاتِ ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ زَكَاةُ الزُّرُوعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَعْلَى نَوْعَيْهِ دُونَ الْآخَرِ ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا : أَنَّهُ جِنْسُ مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَوَجَبَ أَنْ تَخْتَصَّ الزَّكَاةُ بِأَعْلَى نَوْعَيْنِ مِنْ جِنْسِهِ كَالْحَيَوَانِ .
240 فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [ الْبَقَرَةِ : 267 ] ، فَهِيَ عَامَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْإِضْمَارِ فِيهَا ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : إِلَّا الْفِضَّةَ وَنَحْنُ نَقُولُ إِلَّا مَا يُقْتَاتُ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْإِضْمَارَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَتَعَارَضَا ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْفَصِلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [ الْأَنْعَامِ : 141 ] ، وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ أَيْضًا بِجَوَابَيْنِ آخَرِينَ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ مِنْ صَدَقَةٍ يَتَطَوَّعُ بِهَا يَوْمَ الْحَصَادِ لِأَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَمَرَ بِإِيتَاءِ حَقِّهِ ، وَلَمْ يَقُلْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِهِ يَوْمَ حَصَادِهِ ، وَالزَّكَاةُ لَا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْحَصَادِ إِلَّا بَعْدَ الْجَزِّ وَالدِّيَاسِ ، فَبِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، فَهَذَا أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّكَاةِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَّقَ الزَّكَاةَ بِمَا كَانَ مِنْهُ مَحْصُودًا ، وَالْحَصَادُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي الْأَشْجَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَإِنْ قِيلَ الْحَصَادُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ : 15 ] ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ احْصُدْهُمْ حَصِيدًا حَتَّى تَلْقَنِي عَلَى الصَّفَا . وَإِذَا كَانَ الْحَصْدُ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ صَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ وَآتُو حَقَّهُ يَوْمَ اسْتِئْصَالِهِ ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِزَرْعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، قِيلَ : عَنْ هَذَا جَوَابَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَصَادِ فِي الزُّرُوعِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ ، يُقَالُ : حَصْدُ الزَّرْعِ وَجَذُّ التَّمْرِ ، وَقَطْفُ الْعِنَبِ وَجَدُّ الْبَقْلِ وَجَنَى الْفَاكِهَةِ قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ﴿﴾ هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ﴿﴾ ﴿﴾ إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ ﴿﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلَا جَنًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَبْعَدَكُنَّ اللَّهُ مِنْ شَجَرَاتِ ﴿﴾ وَالْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّنَا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَصَادَ هُوَ الِاسْتِئْصَالُ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ : لِأَنَّ الثِّمَارَ لَا تُسْتَأْصَلُ بَلْ تُتْرَكُ أُصُولُهَا وَتُجْنَى ثِمَارُهَا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا تَكَافَأَ النِّزَاعُ فِيهَا وَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فَجَوَابُهُ كَجَوَابِ الْآيَةِ الْأُولَى فَنَقُولُ قَدْ رَوَاهُ مُعَاذٌ تَامًّا فَقَالَ : وَأَمَّا الْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ وَالْخَضْرَاوَاتُ فَعَفْوٌ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ، فَكَانَ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالْمَعْنَى فِيهِ : أَنَّهُ مُقْتَاتٌ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَالْخَضْرَاوَاتُ لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ مُقْتَاتَةٍ شَابَهَتِ الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ .
241
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث