الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 4942 · ص. المطبوع 168
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْأَحْرَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَمِلْكُ الْيَمِينِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْأَحْرَارِ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ الْمَالَ ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ " .
168 قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ . لَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ عَلَى الشَّطْرِ مِنَ اسْتِبَاحَةِ الْحُرِّ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .
وَمِنَ التَّابِعِينَ : الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ .
وَمِنَ الْفُقَهَاءِ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الْعَبْدُ كَالْحُرِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ أَرْبَعٍ .
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : اسْتِدْلَالًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [ النِّسَاءِ : 3 ] وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِعَانُ الْحَرَائِرِ أَرْبَعًا مُسَاوَاةً بِعَدَدِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ ، ثُمَّ كَانَ لِعَانُ الْعَبْدِ أَرْبَعًا كَالْحُرِّ وَجَبَ أَنْ يَسْتَبِيحَ أَرْبَعًا كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ أَوْسَعُ مِنْ نِكَاحِ الْحُرِّ : لِأَنَّهُ قَدْ يَنْكِحُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَيَجْمَعُ بَيْنَ أَمَتَيْنِ بِخِلَافِ الْحُرِّ ، فَلَمْ يَجُزْ - وَهُوَ أَوْسَعُ حُكْمًا - أَنْ يَضِيقَ فِي الْعَدَدِ عَنْ حُكْمِ الْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ مُسَاوِيًا لِلْحُرِّ فِي أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ وَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي أَعْدَادِ الْمَنْكُوحَاتِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [ الرُّومِ : 28 ] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُسَاوٍ لِلْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يُطَلِّقُ الْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَيَنْكِحُ اثْنَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ ، وَصَرَّحَ بِمِثْلِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مُخَالِفٌ .
وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْكِحَ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ . فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ مَا نَقَصَ فِي عَدْلِهِ وَمَعْنَاهُ شَاطَرَ الْعَبْدُ فِيهِ الْحُرَّ كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا نَقَصَ الْأَحْرَارُ فِيمَا اسْتَبَاحُوهُ مِنَ الْعَدَدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَعْضِهِمْ عَنْهُ ، وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ الْعَبْدُ فِيهِ عَنِ الْحُرِّ لِنَقْصِهِ عَنْهُ .
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِالْآيَةِ فَسِيَاقُ الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ : لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلُهُ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [ النِّسَاءِ : 3 ] . مُتَوَجَّهٌ إِلَى الْأَحْرَارِ : لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ عَلَى الْأَيْتَامِ ، وَقَوْلُهُ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ النِّسَاءِ : 3 ] . مُتَوَجَّهٌ إِلَى الْأَحْرَارِ : لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَنْكِحَ مَا طَابَ لِنَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [ النِّسَاءِ : 3 ] مُتَوَجَّهٌ إِلَى الْأَحْرَارِ : لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِاللِّعَانِ فَهُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ عَلَى التَّفَاضُلِ وَلَا هُوَ الْعِلَّةُ فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ وَإِنِ اتَّفَقَا ، وَإِنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى الْيَمِينِ عِنْدَنَا وَالْبَيِّنَةِ عِنْدَ غَيْرِنَا .
169 وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ فِي النِّكَاحِ أَوْسَعُ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهُ أَوْسَعُ حُكْمًا فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْصُ ، وَأَضْيَقُ حُكْمًا فِيمَا طَرِيقُهُ الْكَمَالُ ، وَاسْتِبَاحَتُهُ لِلْأَمَةِ نَقْصٌ فَاتَّسَعَ حُكْمُهُ فِيهِ وَالْعَدَدُ كَمَالٌ فَضَاقَ حُكْمُهُ فِيهِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ لَمَّا سَاوَاهُ فِي أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ ، سَاوَاهُ فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ فَبَاطِلٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَاوِي الْأُمَّةَ فِي أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَا يُسَاوِيهِ فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَسَاوِ الْعَدَدِ مُتَفَاضِلٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَحُكْمُهُ إِنْ نَكَحَ ثَلَاثًا كَحُكْمِ الْحُرِّ إِذَا نَكَحَ خَمْسًا عَلَى مَا بَيَّنَاهُ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمَكَاتَبُ وَمَنْ رَقَّ بَعْضُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث