الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 5314 · ص. المطبوع 511
[ ضَمَانُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مِنَ الزَّوْجِ الْمِلْطِ ]
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ ضَمِنَ نَفَقَتَهَا أَبُو الزَّوْجِ عَشْرَ سِنِينَ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَأَنَّهُ مَرَّةٌ أَقَلُّ وَمَرَّةٌ أَكْثَرُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ .
إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مِلْطًا بِنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ ، وَضَمِنَهَا عَنْهُ أَبُوهُ ، أَوْ غَيْرُ أَبِيهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ فَسَوَاءٌ .
وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَضْمَنَ نَفَقَةَ مَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ ، فَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ قَدْ وَجَبَ وَاسْتَقَرَّ ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ ، وَمِنْ جِنْسٍ يَسْتَقِرُّ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَضْمَنَ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْمُدَّةِ ، مِثْلَ أَنْ يَضْمَنَ لَهَا نَفَقَتَهَا أَبَدًا ، فَهَذَا ضَمَانٌ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْمُدَّةِ مِثْلَ أَنْ يَضْمَنَ لَهَا نَفَقَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ ، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ - بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِمَاذَا وَجَبَتْ - :
فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ - وَهُوَ فِي الْقَدِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - : أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ ، وَتَسْتَحِقُّ قَبْضَهَا بِالتَّمْكِينِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ كَالصَّدَاقِ الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَالْمُسْتَحَقِّ بِالتَّمْكِينِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ - : أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِخِلَافِ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَقْدِ ، فَصَارَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ ، وَالنَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَصَارَتْ وَاجِبَةً بِالِاسْتِمْتَاعِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، كَانَ ضَمَانُهَا مَبْنِيًّا عَلَيْهِمَا .
511 فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِالتَّمْكِينِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ، فَضَمَانُهَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَقَدْ يَجِبُ بِالتَّمْكِينِ ، وَقَدْ لَا يَجِبُ بَعْدَهُ .
وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهَا وَقَدْ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ جُمْلَةً وَتَسْتَحِقُّ قَبْضَهَا بِالتَّمْكِينِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ، صَحَّ ضَمَانُهَا بِشَرْطَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ لِلْقُوتِ الَّذِي هُوَ الْحَبُّ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ ، بِحَسْبِ قُوتِ بَلَدِهِمْ دُونَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُضْبَطَانِ بِصِفَةٍ وَلَا يُتَقَدَّرَانِ بِقِيمَةٍ ، فَإِنْ قَدَّرَهُمَا الْحَاكِمُ بِقِيمَةٍ جَعَلَهُمَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَوَّمَهَا فَهِيَ مُقَوَّمَةٌ لِوَقْتِهَا دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَقَدْ تَزِيدُ الْقِيمَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِفَضْلِ الْقِيمَةِ ، وَقَدْ يَنْقُصُ فَيَكُونُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنَ الْقِيمَةِ .
وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ لِنَفَقَةِ الْمُعْسِرِ الَّتِي لَا تَسْقُطُ عَنِ الزَّوْجِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ ، وَهِيَ مُدٌّ وَاحِدٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَإِنْ ضَمِنَ لَهَا نَفَقَةَ مُوسِرٍ وَهِيَ مُدَّانِ ، أَوْ نَفَقَةَ مُتَوَسِّطٍ وَهِيَ مُدٌّ وَنِصْفٌ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ قَدْ تَجِبُ إِنْ أَيْسَرَ ، وَقَدْ لَا تَجِبُ إِنْ أَعْسَرَ ، فَصَارَ ضَمَانُهَا ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الضَّمَانُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُدِّ فِي نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ بَاطِلًا ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْمُدِّ الَّذِي هُوَ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصِّفَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث