روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الخامس
الصفحة 1148 · ص. المطبوع 439
فَصْلٌ
ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ اثْنَانِ ، فَفِيهِ صُوَرٌ . إِحْدَاهَا : ادَّعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْعَبْدِ ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِلَّا ، فَيَلْحَقُ بِالْحُرِّ .
الثَّانِيَةُ : ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ، يَسْتَوِيَانِ فِيهِ .
439 الثَّالِثَةُ : اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِيَدٍ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ هُوَ الْمُلْتَقِطُ ، لَمْ يُقَدَّمْ ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّسَبِ ، بَلْ إِنِ اسْتَلْحَقَاهُ مَعًا وَلَا بَيِّنَةَ ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - . وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوَّلًا ، حَكَمْنَا بِالنَّسَبِ ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْآخَرُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يُعْرَضُ الْوَلَدُ مَعَ الثَّانِي عَلَى الْقَائِفِ ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ ، بَقِيَ لَاحِقًا بِالْمُلْتَقِطِ بِاسْتِلْحَاقِهِ . وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي ، عُرِضَ مَعَ الْمُلْتَقَطِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ ، فَهُوَ لِلثَّانِي ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ أَيْضًا ، فَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ فَيُوقَفُ . وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ غَيْرَ الْمُلْتَقِطِ ، فَإِنْ كَانَ اسْتَلْحَقَهُ وَحُكِمَ [ لَهُ ] بِالنَّسَبِ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَادَّعَى نَسَبَهُ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ . وَإِنْ لَمْ يُسْمَعِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلَّا بَعْدَمَا جَاءَ الثَّانِي وَاسْتَلْحَقَهُ ، فَهَلْ يُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الثَّانِي .
الرَّابِعَةُ : تَسَاوَيَا وَلَا بَيِّنَةَ ، عُرِضَ الْوَلَدُ عَلَى الْقَائِفِ ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَ . فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَائِفٌ ، أَوْ تَحَيَّرَ ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا ، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَإِذَا بَلَغَ ، أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا يُنْسَبُ بِالتَّشَهِّي ، بَلْ يُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ الَّذِي يَجِدُهُ الْوَلَدُ إِلَى الْوَالِدِ ، وَالْقَرِيبُ إِلَى الْقَرِيبِ بِحُكْمِ الْجِبِلَّةِ . وَقِيلَ : لَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ ، بَلْ يُخَيَّرُ إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَةِ . وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُهُ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الْحَضَانَةِ لَا يَلْزَمُ ، بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَهُنَا يَلْزَمُ ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ الِانْتِظَارِ . فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا ، رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ . وَلَوْ لَمْ يَنْتَسِبْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِفَقْدِ الْمَيْلِ ، بَقِيَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا . وَلَوِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِهِمَا وَادَّعَاهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ . وَفِيهِ وَجْهٌ : أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى انْتِسَابِهِ بِسَبَبِ إِلْحَاقِ الْقَائِفِ بِهِمَا جَمِيعًا ، لَمْ يُقْبَلِ انْتِسَابُهُ إِلَى غَيْرِهِمَا . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِفَقْدِ الْقَائِفِ ، ثُمَّ وُجِدَ ، عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ . فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي ، قَدَّمْنَا قَوْلَهُ عَلَى الِانْتِسَابِ ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ أَوْ حُكْمٌ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : يُقَدَّمُ الِانْتِسَابُ . 440 قَالَ : وَعَلَى هَذَا ، فَمَتَى أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا ، فَلِلْآخَرِ أَنْ يُنَازِعَهُ ، وَيَقُولَ : يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ . وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً ، قُدِّمَتِ الْبَيِّنَةُ ، لِأَنَّهَا حُجَّةٌ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ ، وَقِيلَ : لَا يُغَيَّرُ مَا حَكَمْنَا بِهِ ، وَلَا يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ .
فَرْعٌ
ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ نَسَبَ لَقِيطٍ ، أَوْ مَجْهُولٍ غَيْرِهِ ، وَلَا بَيِّنَةَ ، وَقَبِلْنَا اسْتِلْحَاقَ الْمَرْأَةِ ، فَفِي عَرْضِ الْوَلَدِ مَعَهُمَا عَلَى الْقَائِفِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ . وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ : الْعَرْضُ ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ ، أَوْ حُجَّةٌ ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ ، لَحِقَ زَوْجَهَا أَيْضًا كَمَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ . وَقِيلَ : لَا يَلْحَقُهُ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
الْخَامِسَةُ : أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ ، وَتَعَارَضَتَا ، فَفِي التَّعَارُضِ فِي الْأَمْوَالِ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : التَّسَاقُطُ . فَعَلَى هَذَا تَسْقُطَانِ أَيْضًا هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ . وَقِيلَ : لَا تَسْقُطَانِ وَتُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا بِقَوْلِ الْقَائِفِ ، وَلَا يُخْتَلَفُ الْمَقْصُودُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : تُسْتَعْمَلَانِ بِالْوَقْفِ ، أَوِ الْقِسْمَةِ ، أَوِ الْقُرْعَةِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ ، وَلَا يَجِيءُ هُنَا الْوَقْفُ لِلْإِضْرَارِ بِالطِّفْلِ وَلَا الْقِسْمَةُ ، فَلَا مَجَالَ لَهَا فِي النَّسَبِ ، وَلَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ النَّسَبَ ، وَأَثْبَتَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ . وَلَوِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ ، لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِهَا . وَفِي " الْإِفْصَاحِ " لِلْمَسْعُودِيِّ ، وَ " أَمَالِي " أَبِي الْفَرَجِ الزَّازِ : أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ سَنَةٍ ، وَالثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ شَهْرٍ ، وَتَنَازَعَا فِي نَسَبِهِ ، فَصَاحِبُ السَّنَةِ مُقَدَّمٌ ، لَكِنْ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُهَذَّبٍ ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّسَبِ . وَإِنْ فُرِضَ تَعْرِضُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِنَفْسِ النَّسَبِ ، فَلَا مَجَالَ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِيهِ . وَإِنْ شَهِدَتَا عَلَى الِاسْتِلْحَاقِ ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مِنْ شَخْصٍ هَلْ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدُ ؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ .
441 فَرْعٌ
ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ ، وَأَقَامَتَا بَيِّنَتَيْنِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَرَيْتُهُ الْقَائِفَ مَعَهُمَا ، فَبِأَيَّتِهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَهَا ، وَلَحِقَ زَوْجَهَا . فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ : هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ ، وَتَرْجِيحٌ بِقَوْلِ الْقَائِفِ ، كَمَا يُرَجَّحُ فِي الْأَمْلَاكِ بِالْقُرْعَةِ ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا سَبَقَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . وَعَلَى هَذَا ، يَلْحَقُ الزَّوْجَ قَطْعًا ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِ التَّسَاقُطِ ، وَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَائِفِ . وَعَلَى هَذَا ، فَفِي لُحُوقِهِ بِالزَّوْجِ الْخِلَافُ السَّابِقُ .
فَرْعٌ
أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ بِالْآخَرِ ، لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْهِ ، إِذْ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ .
فَرْعٌ
وَصَفَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَثَرَ جِرَاحَةٍ ، أَوْ نَحْوَهُ ، أَوْ بِظَهْرِهِ ، أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ الْبَاطِنَةِ ، وَأَصَابَ ، لَا يُقَدَّمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث