روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثامن
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ حُكْمِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ
فِيهِ مَسَائِلُ
إِحْدَاهَا : يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِي اللَّيْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : تَجِبُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فَقَطْ ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ طَلَبِ الرَّقَبَةِ ، ثُمَّ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْهَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمُهُ إِلَّا أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ الْفَقْدِ ، لِأَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الصَّوْمِ ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي " التَّجْرِبَةِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ كَفَّارَةٍ ، فَهَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، سَبَقَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ .
الثَّالِثَةُ : إِنِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ لِأَوَّلِ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ ، صَامَ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُمَا ، وَإِنِ ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ ، صَامَ بَقِيَّتَهُ ، ثُمَّ صَامَ الَّذِي يَلِيهِ بِالْهِلَالِ ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ ، ثُمَّ يُتِمُّ الْأَوَّلَ مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ ، إِذَا ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ ، لَزِمَهُ سِتُّونَ يَوْمًا . 302 الرَّابِعَةُ : التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ وَاجِبٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، فَلَوْ وَطِئَ الْمَظَاهِرُ بِاللَّيْلِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، عَصَى بِتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ ، وَلَكِنْ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ .
وَلَوْ أَفْسَدَ صَوْمَ الْيَوْمِ الْآخَرِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ . وَهَلْ يُحْكَمُ بِفَسَادِ مَا مَضَى ، أَمْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِيمَا إِذَا نَوَى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَظَائِرِهِ . وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ إِنْ لَزِمَتْهَا كَفَّارَةٌ ، فَتَبْنِي إِذَا طَهُرَتْ ، وَالنِّفَاسُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَالْحَيْضِ . وَقِيلَ : يَقْطَعُهُ لِنُدْرَتِهِ ، حَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ . وَالْفِطْرُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَهُوَ الْجَدِيدُ ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ بِفِعْلِهِ ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ ، وَالْجُنُونُ كَالْحَيْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ ، وَالْإِغْمَاءُ كَالْجُنُونِ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ . وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ ، وَفِطْرُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ ، فَقِيلَ : كَالْمَرَضِ . وَقِيلَ : يَقْطَعُ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ .
قُلْتُ : أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي الطُّهْرِ تَمْتَدُّ شَهْرَيْنِ ، فَشَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَتَخَلَّلُهُ الْحَيْضُ ، انْقَطَعَ ، وَلَوْ أَفْطَرَتِ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ خَوْفًا فِي نَفْسَيْهِمَا ، فَقَالَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ ، وَصَاحِبَا " الْحَاوِي " وَ " الشَّامِلِ " وَالْأَكْثَرُونَ : هُوَ كَالْمَرَضِ .
وَفِي تَجْرِيدِ الْمُحَامِلِيِّ : أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا ، وَلَوْ غَلَبَهُ الْجُوعُ فَأَفْطَرَ ، بَطَلَ التَّتَابُعُ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
نِسْيَانُ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي ، يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَتَرْكِهَا عَمْدًا ، وَلَا يُجْعَلُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ .
قُلْتُ : لَوْ صَامَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ ، هَلْ نَوَى 303 فِيهِ ، أَمْ لَا ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيَوْمِ ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِلِ الْمُتَحَيِّرَةِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فَأَكَلَ ، وَقُلْنَا : يَبْطُلُ صَوْمُهُ ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ نَادِرٌ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ كَالْمَرَضِ ، قَالَ : وَلَوِ اسْتَنْشَقَ ، فَوَصْلَ الْمَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ ، وَقُلْنَا : يُفْطِرُ ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ .
قُلْتُ : لَوْ أُوجِرَ الطَّعَامَ مُكْرَهًا ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ ، وَشَذَّ الْمُحَامِلِيُّ فَحَكَى فِي التَّجْرِيدِ وَجْهًا أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ ، وَهَذَا غَلَطٌ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَوِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، أَوْ يَدْخُلُ يَوْمَ النَّحْرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَبْطُلُ أَمْ يَقَعُ نَفْلًا .
فَرْعٌ
لَوْ صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَوْ نَوَاهُمَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْضًا . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ ، أَنَّهُ يُجُزِئُهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَغَلَّطَهُ فِيهِ . وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ ، أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا صَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ بِالِاجْتِهَادِ ، فَغَلِطَ فَجَاءَ رَمَضَانُ أَوْ يَوْمُ النَّحْرِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ فِي انْقِطَاعِهِ بِإِفْطَارِ الْمَرِيضِ .
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَحَاضَتْ فِي خِلَالِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، فَقِيلَ : 304 فِيهِ قَوْلَانِ ، كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ فِي الشَّهْرَيْنِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَرِيقٌ جَازِمٌ ، بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ .
قُلْتُ : صَرَّحَ بِالطَّرِيقَةِ الْجَازِمَةِ ، الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " فَقَالَا : الْمَذْهَبُ انْقِطَاعُهُ ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَفِيهِ طَرِيقٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ ، وَالْمَرَضُ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْقَدِيمِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبَا الْإِبَانَةِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " : هَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا الِاحْتِرَازُ بِالثَّلَاثَةِ عَنِ الْحَيْضِ دُونَ الْمَرَضِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ وَيَسْتَأْنِفَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي جَوَازِهِ احْتِمَالَيْنِ . أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الِابْتِدَاءِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ عِبَادَةٍ ، فَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ صِفَةَ الْفَرْضِيَّةِ ، وَيَجْرِي الِاحْتِمَالَانِ فِي الْحَائِضِ وَغَيْرِهَا ، فِيمَنْ شَرَعَ فِي الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ عَرَضَ فِطْرٌ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ، ثُمَّ زَالَ فَأَرَادَ الْفِطْرَ بِلَا عُذْرٍ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ ، ثُمَّ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : الَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَصَوْمِ يَوْمٍ ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا حَسَنٌ . قَالَ الْإِمَامُ : وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْوِ صَوْمَ الْغَدِ ، وَقَالَ : الْإِفْطَارُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ لِبُعْدِ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فِي بَيَانِ حُكْمِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ
فِيهِ مَسَائِلُ
إِحْدَاهَا : يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِي اللَّيْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : تَجِبُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فَقَطْ ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ طَلَبِ الرَّقَبَةِ ، ثُمَّ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْهَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمُهُ إِلَّا أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ الْفَقْدِ ، لِأَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الصَّوْمِ ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي " التَّجْرِبَةِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ كَفَّارَةٍ ، فَهَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، سَبَقَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ .
الثَّالِثَةُ : إِنِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ لِأَوَّلِ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ ، صَامَ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُمَا ، وَإِنِ ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ ، صَامَ بَقِيَّتَهُ ، ثُمَّ صَامَ الَّذِي يَلِيهِ بِالْهِلَالِ ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ ، ثُمَّ يُتِمُّ الْأَوَّلَ مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ ، إِذَا ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ ، لَزِمَهُ سِتُّونَ يَوْمًا . 302 الرَّابِعَةُ : التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ وَاجِبٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، فَلَوْ وَطِئَ الْمَظَاهِرُ بِاللَّيْلِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، عَصَى بِتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ ، وَلَكِنْ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ .
وَلَوْ أَفْسَدَ صَوْمَ الْيَوْمِ الْآخَرِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ . وَهَلْ يُحْكَمُ بِفَسَادِ مَا مَضَى ، أَمْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِيمَا إِذَا نَوَى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَظَائِرِهِ . وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ إِنْ لَزِمَتْهَا كَفَّارَةٌ ، فَتَبْنِي إِذَا طَهُرَتْ ، وَالنِّفَاسُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَالْحَيْضِ . وَقِيلَ : يَقْطَعُهُ لِنُدْرَتِهِ ، حَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ . وَالْفِطْرُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَهُوَ الْجَدِيدُ ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ بِفِعْلِهِ ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ ، وَالْجُنُونُ كَالْحَيْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ ، وَالْإِغْمَاءُ كَالْجُنُونِ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ . وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ ، وَفِطْرُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ ، فَقِيلَ : كَالْمَرَضِ . وَقِيلَ : يَقْطَعُ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ .
قُلْتُ : أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي الطُّهْرِ تَمْتَدُّ شَهْرَيْنِ ، فَشَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَتَخَلَّلُهُ الْحَيْضُ ، انْقَطَعَ ، وَلَوْ أَفْطَرَتِ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ خَوْفًا فِي نَفْسَيْهِمَا ، فَقَالَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ ، وَصَاحِبَا " الْحَاوِي " وَ " الشَّامِلِ " وَالْأَكْثَرُونَ : هُوَ كَالْمَرَضِ .
وَفِي تَجْرِيدِ الْمُحَامِلِيِّ : أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا ، وَلَوْ غَلَبَهُ الْجُوعُ فَأَفْطَرَ ، بَطَلَ التَّتَابُعُ . وَقِيلَ : كَالْمَرَضِ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
نِسْيَانُ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي ، يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَتَرْكِهَا عَمْدًا ، وَلَا يُجْعَلُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ .
قُلْتُ : لَوْ صَامَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ ، هَلْ نَوَى 303 فِيهِ ، أَمْ لَا ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيَوْمِ ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِلِ الْمُتَحَيِّرَةِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فَأَكَلَ ، وَقُلْنَا : يَبْطُلُ صَوْمُهُ ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ نَادِرٌ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ كَالْمَرَضِ ، قَالَ : وَلَوِ اسْتَنْشَقَ ، فَوَصْلَ الْمَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ ، وَقُلْنَا : يُفْطِرُ ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ .
قُلْتُ : لَوْ أُوجِرَ الطَّعَامَ مُكْرَهًا ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ ، وَشَذَّ الْمُحَامِلِيُّ فَحَكَى فِي التَّجْرِيدِ وَجْهًا أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ ، وَهَذَا غَلَطٌ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَوِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، أَوْ يَدْخُلُ يَوْمَ النَّحْرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَبْطُلُ أَمْ يَقَعُ نَفْلًا .
فَرْعٌ
لَوْ صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَوْ نَوَاهُمَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْضًا . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ ، أَنَّهُ يُجُزِئُهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَغَلَّطَهُ فِيهِ . وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ ، أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا صَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ بِالِاجْتِهَادِ ، فَغَلِطَ فَجَاءَ رَمَضَانُ أَوْ يَوْمُ النَّحْرِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ فِي انْقِطَاعِهِ بِإِفْطَارِ الْمَرِيضِ .
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَحَاضَتْ فِي خِلَالِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، فَقِيلَ : 304 فِيهِ قَوْلَانِ ، كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ فِي الشَّهْرَيْنِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَرِيقٌ جَازِمٌ ، بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ .
قُلْتُ : صَرَّحَ بِالطَّرِيقَةِ الْجَازِمَةِ ، الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " فَقَالَا : الْمَذْهَبُ انْقِطَاعُهُ ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَفِيهِ طَرِيقٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ ، وَالْمَرَضُ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْقَدِيمِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبَا الْإِبَانَةِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " : هَذَا غَلَطٌ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا الِاحْتِرَازُ بِالثَّلَاثَةِ عَنِ الْحَيْضِ دُونَ الْمَرَضِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ وَيَسْتَأْنِفَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي جَوَازِهِ احْتِمَالَيْنِ . أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الِابْتِدَاءِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ عِبَادَةٍ ، فَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ صِفَةَ الْفَرْضِيَّةِ ، وَيَجْرِي الِاحْتِمَالَانِ فِي الْحَائِضِ وَغَيْرِهَا ، فِيمَنْ شَرَعَ فِي الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ عَرَضَ فِطْرٌ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ، ثُمَّ زَالَ فَأَرَادَ الْفِطْرَ بِلَا عُذْرٍ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ ، ثُمَّ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : الَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَصَوْمِ يَوْمٍ ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا حَسَنٌ . قَالَ الْإِمَامُ : وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْوِ صَوْمَ الْغَدِ ، وَقَالَ : الْإِفْطَارُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ لِبُعْدِ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث