روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
فَصْلٌ
عَنِ ابْنِ الْقَاصِّ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْحَلِفَ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَالَ لَهَا : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَهِيَ بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ : يَكْفِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ 100 قَدْ يَحْلِفُ مُتَأَوِّلًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَتَابِعِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تَقَعُ مَجْمُوعَةً ، أَوْ عَلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنْ قَالَ : لَمْ تَبِنْ مِنِّي ، حُلِّفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِهَا ، حُلِّفَ عَلَيْهِ .
حَكَى الْهَرَوِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إِلَيْهِ ، لَا يَكُونُ هَذَا جَوَابًا ; لِأَنَّ الْمُودِعَ لَا دَفْعَ عَلَيْهِ ، إِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ ، أَوْ يَقُولَ : هَلَكَ فِي يَدِي ، أَوْ رَدَدْتُهُ ، وَهَذَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْأَصْحَابِ ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ : مَنْ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِيدَاعِ ، فَادَّعَى تَلَفًا أَوْ رَدًّا قَبْلَ الْجُحُودِ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جَحْدِهِ إِنْكَارَ أَصْلِ الْوَدِيعَةِ أَمْ قَالَ : لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ خِلَافٌ ، أَوْ يُئَوَّلَ مَا أَطْلَقُوهُ .
قُلْتُ : الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ صَحِيحٌ ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِهِمْ مُتَعَيِّنٌ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا إِذَا جَرَى مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ ، فَحُكْمُهُ كَذَا ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ مَعَ طَلَبِ الْخَصْمِ الْجَوَابَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ أَجِيرُ فُلَانٍ لِحِفْظِ سَفِينَتِهِ هَذِهِ بِدِينَارٍ ، وَأَقَامَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا بِدِينَارٍ ، تَعَارَضَتَا ، وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِالْقَتْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَنَا ، وَلَمْ يَغِبْ عَنَّا ، تَعَارَضَتَا ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ نَظَائِرِ هَذَا مَا يُخَالِفُهُ .
قُلْتُ : يَعْنِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ شَهِدَتْ بِالنَّفْيِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ شَهَادَةَ النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ ، كَالْإِعْسَارِ . هَذَا مُرَادُ الرَّافِعِيِّ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ مَا يُوَافِقُهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ النَّفْيَ إِذَا كَانَ فِي مَحْصُورٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ ، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّهَادَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
101 وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَدِ ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ : الْمَوْضِعُ الْفُلَانِيُّ مِلْكِي ، وَهَذَا يَمْنَعُنِي مِنْهُ تَعَدِّيًا ، فَمُرْهُ يُمَكِّنِّي مِنْهُ . وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلِغْ فِي ذَاكَ وَآخَرَانِ بِضِدِّهِ ، تَعَارَضَتَا ، فَلَوْ لَمْ يَقُولُوا : لَمْ يَلِغْ فِي ذَلِكَ فَالْإِنَاءَانِ نَجِسَانِ ، وَهَذَا شَهَادَةٌ عَلَى إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ ، وَيُمْكِنُ التَّعَارُضُ بِلَا نَفْيٍ ، بِأَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ إِلَّا وُلُوغٌ وَاحِدٌ .
قُلْتُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مُسْتَوْفَاةً مُخْتَصَرَةً ، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِيهَا مِنْ إِثْبَاتِ التَّعَارُضِ تَصْرِيحٌ بِقَبُولِ شَهَادَةِ النَّفْيِ فِي الْمَحْصُورِ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
عَنِ ابْنِ الْقَاصِّ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْحَلِفَ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَالَ لَهَا : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، وَهِيَ بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ : يَكْفِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ . وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ 100 قَدْ يَحْلِفُ مُتَأَوِّلًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَتَابِعِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تَقَعُ مَجْمُوعَةً ، أَوْ عَلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنْ قَالَ : لَمْ تَبِنْ مِنِّي ، حُلِّفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِهَا ، حُلِّفَ عَلَيْهِ .
حَكَى الْهَرَوِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إِلَيْهِ ، لَا يَكُونُ هَذَا جَوَابًا ; لِأَنَّ الْمُودِعَ لَا دَفْعَ عَلَيْهِ ، إِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ ، أَوْ يَقُولَ : هَلَكَ فِي يَدِي ، أَوْ رَدَدْتُهُ ، وَهَذَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْأَصْحَابِ ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ : مَنْ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِيدَاعِ ، فَادَّعَى تَلَفًا أَوْ رَدًّا قَبْلَ الْجُحُودِ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جَحْدِهِ إِنْكَارَ أَصْلِ الْوَدِيعَةِ أَمْ قَالَ : لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ خِلَافٌ ، أَوْ يُئَوَّلَ مَا أَطْلَقُوهُ .
قُلْتُ : الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ صَحِيحٌ ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِهِمْ مُتَعَيِّنٌ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا إِذَا جَرَى مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ ، فَحُكْمُهُ كَذَا ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ مَعَ طَلَبِ الْخَصْمِ الْجَوَابَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ أَجِيرُ فُلَانٍ لِحِفْظِ سَفِينَتِهِ هَذِهِ بِدِينَارٍ ، وَأَقَامَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا بِدِينَارٍ ، تَعَارَضَتَا ، وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِالْقَتْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَنَا ، وَلَمْ يَغِبْ عَنَّا ، تَعَارَضَتَا ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ نَظَائِرِ هَذَا مَا يُخَالِفُهُ .
قُلْتُ : يَعْنِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ شَهِدَتْ بِالنَّفْيِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ شَهَادَةَ النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ ، كَالْإِعْسَارِ . هَذَا مُرَادُ الرَّافِعِيِّ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ مَا يُوَافِقُهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ النَّفْيَ إِذَا كَانَ فِي مَحْصُورٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ ، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّهَادَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
101 وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَدِ ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ : الْمَوْضِعُ الْفُلَانِيُّ مِلْكِي ، وَهَذَا يَمْنَعُنِي مِنْهُ تَعَدِّيًا ، فَمُرْهُ يُمَكِّنِّي مِنْهُ . وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلِغْ فِي ذَاكَ وَآخَرَانِ بِضِدِّهِ ، تَعَارَضَتَا ، فَلَوْ لَمْ يَقُولُوا : لَمْ يَلِغْ فِي ذَلِكَ فَالْإِنَاءَانِ نَجِسَانِ ، وَهَذَا شَهَادَةٌ عَلَى إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ ، وَيُمْكِنُ التَّعَارُضُ بِلَا نَفْيٍ ، بِأَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ إِلَّا وُلُوغٌ وَاحِدٌ .
قُلْتُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مُسْتَوْفَاةً مُخْتَصَرَةً ، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِيهَا مِنْ إِثْبَاتِ التَّعَارُضِ تَصْرِيحٌ بِقَبُولِ شَهَادَةِ النَّفْيِ فِي الْمَحْصُورِ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith