روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2316 · ص. المطبوع 306
الرَّابِعَةُ : الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ إِنْ كَانَتْ عَلَى طَرَفِهِ ، فَلَهُ الِاقْتِصَاصُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ السَّيِّدِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، ثُمَّ إِنِ اقْتَصَّ فَذَاكَ وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ثَبَتَ الْمَالُ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ دُونَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَمِيعِ إِذَا عَفَا مَجَّانًا ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، فَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، أَوْ قُلْنَا : يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَلَكِنَّ مُطْلَقَ الْعَفْوِ يُوجِبُ الْمَالَ ثَبَتَ الْأَرْشُ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَمُطْلَقُ الْعَفْوِ لَا يُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، وَإِنْ عَفَا مَجَّانًا سَقَطَ الْقِصَاصُ ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا : مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : مُطْلَقُ الْعَفْوِ لَا يُوجِبُ الْمَالَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُوجِبُهُ ، فَوَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : يَجِبُ الْمَالُ إِنْ عَفَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ ، وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ ، كَتَبَرُّعِهِ .
وَالثَّانِي : لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَإِنْ عَفَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا تُوجِبُ الْمَالَ ، وَإِنَّمَا تُثْبِتُهُ إِذَا اخْتَارَهُ أَوْ عَفَا مُطْلَقًا عَلَى قَوْلٍ ، فَإِذَا عَفَا مَجَّانًا ، فَقَدْ تَرَكَ الِاكْتِسَابَ بِالْعَفْوِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ .
وَحَيْثُ ثَبَتَ الْمَالُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى طَرَفِهِ فَهُوَ لِلْمُكَاتَبِ يَسْتَعِينُ بِهِ 306 عَلَى أَدَاءِ النُّجُومِ . وَهَلْ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ فِي الْحَالِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِانْدِمَالِ ؟ قَوْلَانِ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ . وَقِيلَ : يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِ قَطْعًا مُبَادَرَةً إِلَى تَحْصِيلِ الْعِتْقِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَتَوَقَّفُ عَلَى الِانْدِمَالِ وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ، نُظِرَ إِنْ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى النَّفْسِ ، انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ ، وَعَلَى الْجَانِي الْقِيمَةُ لِلسَّيِّدِ إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا ، وَإِنِ انْدَمَلَتْ ، فَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا أَخَذَ الْمُكَاتَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ النُّجُومَ ، فَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ وَاتَّحَدَ الْحَقَّانِ جِنْسًا وَصِفَةً ، فَفِيهِ أَقْوَالُ التَّقَاصِّ ، فَيَأْخُذُ مَنْ لَهُ الْفَضْلُ الْفَضْلَ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ حَقَّهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ أَقَلَّ ، فَلَهُ أَخْذُ جَمِيعِهِ ، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَسْرِي إِلَى نَفْسِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَيَعُودُ الْوَاجِبُ إِلَى دِيَةٍ .
وَإِذَا أَخَذَ مَالَهُ أَخَذَهُ ثُمَّ انْدَمَلَتِ الْجِرَاحَةُ ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْأَرْشُ وَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَ الْجَمِيعَ ، وَإِنْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ ، نُظِرَ إِنْ سَرَتْ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ ، فَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا ، فَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ السَّيِّدَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ ، وَأَخَذَ أَكْسَابَهُ ، وَإِنْ كَانَتِ السِّرَايَةُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِأَدَاءِ النُّجُومِ ، فَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا فَعَلَيْهِ تَمَامُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الضَّمَانِ بِحَالِ الِاسْتِقْرَارِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِلسَّيِّدِ بِالْوَلَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي السَّيِّدَ ، فَعَلَيْهِ تَمَامُ الدِّيَةِ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ عَبْدَهُ الْقِنَّ ثُمَّ أَعْتَقَهُ ، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْجِنَايَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ هُنَاكَ وَهُنَا مَضْمُونٌ .
وَلَوْ حَصَلَ الْعِتْقُ بِالتَّقَاصِّ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَصَلَ بِالْأَدَاءِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّقَاصِّ كَوْنُ الدِّيَةِ إِبِلًا ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الِابْتِدَاءِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَالتَّقَاصُّ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ ، ثُمَّ إِنْ سَرَتِ الْجِنَايَةُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَجَبَ الْفَاضِلُ مِنَ الْإِبِلِ .
وَلَوْ عَفَا الْمُكَاتَبُ عَنِ الْمَالِ ، وَلَمْ نُصَحِّحْ عَفْوَهُ ، ثُمَّ 307 عَتَقَ قَبْلَ أَخْذِ الْمَالِ ، فَهَلْ لَهُ أَخْذُهُ ؟ قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ وَقَعَ لَاغِيًا ، وَلَوْ جَنَى عَلَى طَرَفِ الْمُكَاتَبِ عَبْدُهُ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً ، أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ الْمُكَاتَبِ انْفَسَخَتِ الْكِتَابَةُ ، وَيَمُوتُ رَقِيقًا .
ثُمَّ إِنْ قَتَلَهُ السَّيِّدُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْكَفَّارَةُ وَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ أَوِ الْقِيمَةُ ، وَلَهُ أَكْسَابُهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ .
فَرْعٌ
جَنَى عَلَى طَرَفِ مُكَاتَبِهِ ، وَكَانَ الْأَرْشُ مِثْلَ النُّجُومِ ، وَحَكَمْنَا بِالتَّقَاصِّ وَحُصُولِ الْعِتْقِ ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ السَّيِّدُ جِنَايَةً أُخْرَى مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَهِيَ جِنَايَةٌ عَلَى حُرٍّ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ نُصَّ عَلَيْهِ فِي " الْأُمِّ " فَإِنْ قَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ حَصَلَ التَّقَاصُّ وَالْعِتْقُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ كَانَ عَبْدًا فَعَتَقَ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ عَتَقَ .
قَالَ الرَّبِيعُ : فِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ حُرٍّ ، وَلَا قِصَاصَ لِلشُّبْهَةِ ، قَالَ فِي " الْأُمِّ " : لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، فَاخْتَلَفَ هُوَ وَمَنْ جَنَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ : كُنْتُ حُرًّا عِنْدَ الْجِنَايَةِ ، وَقَالَ الْجَانِي : بَلْ مُكَاتَبًا صُدِّقَ الْجَانِي بِيَمِينِهِ ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِلْمُكَاتَبِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث