روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الصفحة 678 · ص. المطبوع 58
الرُّكْنُ الثَّالِثُ : الصِّيغَةُ ، فَيُعْتَبَرُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، اعْتِبَارُهُمَا فِي الْبَيْعِ ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُعَاطَاةِ وَالِاسْتِيجَابِ وَالْإِيجَابُ عَائِدٌ كُلُّهُ هُنَا .
فَرْعٌ
الرَّهْنُ قِسْمَانِ . أَحَدُهُمَا : مَشْرُوطٌ فِي عَقْدٍ ، كَمَنْ بَاعَ ، أَوْ أَجَّرَ ، أَوْ أَسْلَمَ ، أَوْ زَوَّجَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ بِالثَّمَنِ ، أَوِ الْأُجْرَةِ ، أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، أَوِ الصَّدَاقِ . وَالْقَسْمُ 58 الثَّانِي : مَا لَمْ يُشْرَطْ ، وَيُسَمَّى : رَهْنُ التَّبَرُّعِ ، وَالرَّهْنُ الْمُبْتَدَأُ . فَالْأَوَّلُ ، كَبِعْتُكَ دَارِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي بِهِ عَبْدَكَ ، فَقَالَ : اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي أَنَّهُ يَتِمُّ الرَّهْنُ بِهَذَا ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ : ارْتَهَنْتُ . فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقُومُ الشَّرْطُ مَقَامَ الْقَبُولِ ، كَمَا يَقُومُ الِاسْتِيجَابُ مَقَامَهُ ، وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُمَا إِذَا شَرَطَا الرَّهْنَ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ ، صَارَ مَرْهُونًا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ رَهْنٍ ، وَيُقَامُ التَّشَارُطُ مَقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ .
فَرْعٌ
الشَّرْطُ فِي الرَّهْنِ ضَرْبَانِ . أَحَدُهُمَا : شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ ، فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ فِي رَهْنِ التَّبَرُّعِ ، وَلَا فِي الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي عَقْدٍ ، كَقَوْلِهِ : رِهْنَتُكَ عَلَى أَنْ تُبَاعَ فِي دَيْنِكَ ، أَوْ لَا تُبَاعَ إِلَّا بِإِذْنِكَ ، أَوْ يَتَقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ . وَالثَّانِي : مَا لَا يَقْتَضِيهِ ، وَهُوَ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، كَالْإِشْهَادِ ، وَإِمَّا لَا غَرَضَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا الْهَرِيسَةَ ، وَحُكْمُهُمَا كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ . وَأَمَّا غَيْرُهُمَا ، وَهُوَ نَوْعَانِ . أَحَدُهُمَا يَنْفَعُ الْمُرْتَهِنَ وَيَضُرُّ الرَّاهِنَ ، كَشَرْطِ الْمَنَافِعِ أَوِ الزَّوَائِدِ لِلْمُرْتَهَنِ ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، فَإِنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ ، بَطَلَ الرَّهْنُ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، نُظِرَ ، إِنْ لَمْ يَجُرَّ جَهَالَةَ الثَّمَنِ ، بِأَنْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَحْبُوسًا شَهْرًا ، فَسَدَ الرَّهْنُ عَلَى الْأَظْهَرِ . وَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا شَرَطَ عَقْدًا فَاسِدًا فِي بَيْعٍ ، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارَ ، صَحَّ الرَّهْنُ أَمْ فَسَدَ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الشَّرْطُ ، وَإِنْ جَرَّ جَهَالَةً ، بِأَنَّ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا تَكُونُ مَنَافِعُهُ لِلْمُرْتَهَنِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي لَا يَجُرُّ جَهَالَةً ، ثُمَّ الْبُطْلَانُ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ الْمَنْفَعَةَ . فَلَوْ قَيَّدَهَا فَقَالَ : وَيَكُونُ مَنْفَعَتُهَا لِي سَنَةً مَثَلًا ، فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ فِي صَفْقَةٍ ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ .
59 النَّوْعُ الثَّانِي : يَنْفَعُ الرَّاهِنَ وَيَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ ، كَرَهَنْتُكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبَاعَ فِي الدَّيْنِ ، أَوْ لَا يُبَاعَ إِلَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ بِشَهْرٍ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، أَوْ بِرِضَايَ ، فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ . وَعَنِ ابْنِ خَيْرَانَ : أَنَّهُ قَالَ : يَجِيءُ فِي فَسَادِهِ الْقَوْلَانِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، فَلَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، عَادَ الْقَوْلَانِ فِي فَسَادِهِ بِفَسَادِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْسَدْ ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ .
فَرْعٌ
زَوَائِدُ الْمَرْهُونِ غَيْرُ مَرْهُونَةٍ ، فَلَوْ رَهَنَ شَجَرَةً أَوْ شَاةً بِشَرْطِ أَنْ تُحْدِثَ الثَّمَرَةَ أَوِ الْوَلَدَ مَرْهُونًا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ عَلَى الْأَظْهَرِ . وَقِيلَ : قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ ، فَإِنْ صَحَّحْنَا ، فَفِي إِكْسَابِ الْعَبْدِ إِذَا شَرَطَ كَوْنَهَا مَرْهُونَةً وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَصْلِ . وَإِنْ أَفْسَدْنَا ، فَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ قَوْلَانِ . فَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي بَيْعٍ ، وَصَحَّحْنَا الشَّرْطَ ، أَوْ أَبْطَلْنَاهُ وَصَحَّحْنَا الرَّهْنَ ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ ، وَإِلَّا فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ . وَإِذَا اخْتَصَرْتُ قُلْتُ : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا : بُطْلَانُ الْجَمِيعِ . وَالثَّانِي : صِحَّةُ الْجَمِيعِ . وَالثَّالِثُ : صِحَّةُ الْبَيْعِ فَقَطْ . وَالرَّابِعُ : صِحَّتُهُ مَعَ الرَّهْنِ دُونَ الشَّرْطِ .
قُلْتُ : هَذَا الرَّابِعُ ، هُوَ الْمَنْصُوصُ ، كَذَا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
أَقْرَضَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ بِهِ شَيْئًا يَكُونُ مَنَافِعُهُ لِلْمُقْرِضِ ، فَالْقَرْضُ بَاطِلٌ . فَلَوْ 60 شَرَطَ كَوْنَ الْمَنَافِعِ مَرْهُونَةً ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ، وَالْقَرْضُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ نَفْعًا وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ الْقَوْلَانِ .
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ : أَقْرَضْتُكَ هَذَا الْأَلْفَ بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَ بِهِ ، وَبِالْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ كَذَا أَوْ بِذَلِكَ الْأَلْفِ وَحْدَهُ ، فَالْقَرْضُ فَاسِدٌ . وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَقْرِضُ : أَقْرِضْنِي أَلْفًا عَلَى أَنْ أَرْهَنَهُ ، وَبِالْأَلْفِ الْقَدِيمِ ، أَوْ بِالْقَدِيمِ فَقَطْ كَذَا ، فَالْأَصَحُّ فَسَادُ الْقَرْضِ . لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ بِالثَّمَنِ وَالدَّيْنِ ، أَوْ بِالدَّيْنِ رَهْنًا ، بَطَلَ الْبَيْعُ كَمَا سَبَقَ . فَلَوْ رَهَنَ الْمُسْتَقْرِضُ ، أَوِ الْمُشْتَرِي كَمَا شَرَطَ ، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الشَّرْطِ ، نُظِرَ ، إِنْ رَهَنَ بِالْأَلْفِ الْقَدِيمِ ، صَحَّ ، وَإِنْ رَهَنَ بِهِمَا لَمْ يَصِحَّ بِالْأَلْفِ الَّذِي فَسَدَ قَرْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ ، وَالْأَعْيَانُ لَا يُرْهَنُ بِهَا . وَفِي صِحَّتِهِ فِي الْأَلْفِ الْقَدِيمِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ . فَإِنْ صَحَّ لَمْ يُوَزَّعْ ، بَلْ كُلُّهُ مَرْهُونٌ بِالْأَلْفِ الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الرَّهْنِ عَلَى وَثِيقِ كُلِّ بَعْضٍ مِنْ
[ أَبْعَاضِ ] الدَّيْنِ بِجَمِيعِ الْمَرْهُونِ . فَلَوْ تَلِفَ الْأَلْفُ الَّذِي فَسَدَ قَبَضَهُ فِي يَدِهِ ، صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَصَحَّ الرَّهْنُ بِالْأَلْفَيْنِ حِينَئِذٍ . وَإِنْ ظَنَّ صِحَّتَهُ ، فَإِنْ رَهَنَ بِالْقَدِيمِ ، فَوَجْهَانِ . قَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ : يَصِحُّ .
قُلْتُ : قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، هُوَ الْأَصَحُّ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَزَيَّفَ الْإِمَامُ قَوْلَ الْقَاضِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ رَهَنَ بِالْأَلْفَيْنِ وَقُلْنَا : الصَّفْقَةُ تُفَرَّقُ ، فَصِحَّتُهُ بِالْأَلْفِ الْقَدِيمِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ . وَكَذَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَيْعٍ آخَرَ ، فَأَنْشَأَهُ ظَانًّا صِحَّةَ الْعَقْدِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي بَابِهَا .
61
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث