روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الثَّالِثُ : فِي فَكِّ الرَّهْنِ .
يَنْفَكُّ بِأَسْبَابٍ . أَحَدُهَا : فَسْخُ الْمُرْتَهِنِ . وَالثَّانِي : تَلَفُ الْمَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ . إِذَا جَنَى الْمَرْهُونُ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ بِمَجْرَدِهِ ، بَلِ الْجِنَايَةُ ضَرْبَانِ .
أَحَدُهُمَا : يَتَعَلَّقُ بِأَجْنَبِيٍّ ، فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الرَّقَبَةِ . وَحَقٌّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ . فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ . فَإِنْ وَجَبَ مَالٌ ، فَبِيعَ فِيهِ ، بَطَلَ أَيْضًا . حَتَّى لَوْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا . وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، بِيعَ بِقَدْرِهِ ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ . فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ ، بِيعَ كُلُّهُ ، وَمَا فَضَلَ عَنِ الْأَرْشِ يَكُونُ رَهْنًا . وَلَوْ عَفَا عَنِ الْأَرْشِ ، أَوْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ ، بَقِيَ رَهْنًا . وَكَذَا لَوْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ . ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الرَّاهِنِ مَا سَبَقَ فِي رَهْنِ أَرْضِ الْخَرَاجِ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَنَى بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .
فَإِنْ أَمَرَهُ السَّيِّدُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا ، أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ السَّيِّدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ ، فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوِ الضَّمَانُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ . فَإِنْ قُلْنَا : يَتَعَلَّقُ ، فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ ، لَزِمَ السَّيِّدُ أَنْ يَرْهَنَ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ . وَإِذَا جَنَى مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ ، فَقَالَ السَّيِّدُ : أَنَا أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، بَلْ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْقِيمَةُ ، لِإِقْرَارِهِ . وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُمَيِّزًا يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ السَّيِّدُ فِيهِ ، بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ إِلَّا أَنَّ السَّيِّدَ يَأْثَمُ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالسَّيِّدِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ عَمْدًا ، فَلَهُ الْقِصَاصُ . فَإِنِ اقْتَصَّ ، بَطَلَ الرَّهْنُ . وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً ، فَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ 105 لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ ، فَيَبْقَى الرَّهْنُ كَمَا كَانَ . وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ الْمَالُ ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى فَكِّ الرَّهْنِ .
الثَّانِيَةُ : جَنَى عَلَى نَفْسِ السَّيِّدِ عَمْدًا ، فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ . فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْأَظْهَرِ .
الثَّالِثَةُ : جَنَى عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ ، كَأَبِيهِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ . وَلَوْ جَنَى خَطَأً ، ثَبَتَ الْمَالُ . فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْإِمَامِ : يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ . وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يَسْقُطُ ، وَلَهُ بَيْعُهُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِلْمُورِثِ .
الرَّابِعَةُ : جَنَى عَلَى نَفْسِ الْمُورِثِ عَمْدًا ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ . فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتْ خَطَأً ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً ، أَمْ يَتَلَقَّاهَا عَنِ الْمُوَرِّثِ . إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَثْبُتْ ، وَإِلَّا ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِهِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ بِالْإِرْثِ .
الْخَامِسَةُ : قُتِلَ عَبْدٌ آخَرُ لِلرَّاهِنِ ، نُظِرَ ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْتُولُ مَرْهُونًا ، فَهُوَ كَمَا
[ لَوْ ] جَنَى عَلَى السَّيِّدِ . وَحُكْمُ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ سَوَاءٌ . وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا أَيْضًا ، فَلَهُ حَالَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ ، فَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ ، وَيَبْطُلُ الرَّهْنَانِ جَمِيعًا ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ قَتَلَ خَطَأً ، وَجَبَ الْمَالُ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ . وَإِنْ عَفَا بِلَا مَالٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : مُوجَبُ الْعَمْدِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ ، وَجَبَ الْمَالُ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ إِلَّا بِرِضَى الْمُرْتَهِنِ . وَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُهُ الْقَوْدُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْعَفْوُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُوجِبُهُ ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، فَإِنْ قُلْنَا : مُطْلَقُ الْعَفْوِ يُوجِبُ الْمَالَ ، ثَبَتَ كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُوجِبُهُ ، صَحَّ الْعَفْوُ ، وَبَطَلَ رَهْنُ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ ، وَبَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا . وَعَفْوُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ ، كَعَفْوِ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ أَمْوَالَ الْمُفْلِسِ وَالْمَرْهُونِ 106 سَوَاءٌ فِي الْحَجْرِ . ثُمَّ مَتَى وَجَبَ الْمَالُ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ أَوْ مِثْلَهَا ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُنْقَلُ الْقَاتِلُ إِلَى يَدِ مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ ، وَلَا يُبَاعُ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يُبَاعُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ رَهْنًا فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ ، لَا فِي عَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ رَاغِبٌ بِزِيَادَةٍ . وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : يَنْتَقِلُ مِنَ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ إِلَى مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ . وَعَلَى الثَّانِي : يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ ، وَيَبْقَى الْبَاقِي رَهْنًا . فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ الْبَعْضِ ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ ، بِيعَ الْجَمِيعِ ، وَجُعِلَ الزَّائِدُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ مُرْتَهَنِ الْقَاتِلِ .
وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْوَجْهَانِ ، إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ النَّقْلَ ، وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ الْبَيْعَ ، فَأَيُّهُمَا يُجَابُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . أَمَّا إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ الْبَيْعَ ، وَمُرْتَهَنُ الْقَتِيلِ النَّقْلَ ، فَالْمُجَابُ الرَّاهِنُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهَنِ الْمَذْكُورِ فِي عَيْنِهِ . وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنَانِ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ ، فَهُوَ الْمَسْلُوكُ قَطْعًا . وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ عَلَى النَّقْلِ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ ، وَطَلَبُ الْبَيْعِ . وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ السَّابِقِ ، يَتَوَقَّعُ رَاغِبٌ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ .
الْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ أَيْضًا . فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مَرْهُونَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ ، فَقَدْ نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ وَلَا جَابِرَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا . وَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ بَدَيْنَيْنِ ، نُظِرَ فِي الدَّيْنَيْنِ ، أَهُمَا مُخْتَلِفَانِ حُلُولًا وَتَأْجِيلًا ، أَمْ لَا ؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا ، فَلَهُ التَّوَثُّقُ لِدَيْنِ الْقَتِيلِ بِالْقَاتِلِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَالُّ دَيْنُ الْمَقْتُولِ ، فَفَائِدَتُهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ فِي الْحَالِّ . وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ ، فَتَحْصُلُ الْوَثِيقَةُ بِالْمُؤَجَّلِ ، وَيُطَالَبُ بِالْحَالِّ . وَكَذَا الْحُكْمُ ، لَوْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ ، وَأَحَدُ الْأَجَلَيْنِ أَطْوَلُ . وَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ ، نُظِرَ ، هَلْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ قَدْرٍ ، أَمْ لَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَعَشَرَةٍ وَعَشَرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ ، وَقِيمَةُ الْقَتِيلِ أَكْثَرُ لَمْ تُنْقَلِ الْوَثِيقَةُ . وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، نُقِلَ مِنْهُ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى دَيْنِ الْقَتِيلِ ، وَبَقِيَ الْبَاقِي رَهْنًا بِمَا كَانَ . وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فِي الْقِيمَةِ ، بَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِمَا كَانَ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي 107 النَّقْلِ . وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الدَّيْنَيْنِ ، نُظِرَ ، إِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ ، أَوْ كَانَ الْقَتِيلُ أَكْثَرَ قِيمَةً ، فَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَكْثَرِ الدَّيْنَيْنِ هُوَ الْقَتِيلُ ، فَلَهُ تَوْثِيقُهُ بِالْقَاتِلِ . وَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَقَلِّهِمَا هُوَ الْقَتِيلُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ . وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ أَقَلَّهُمَا قِيمَةً ، فَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِأَقَلِّ الدَّيْنَيْنِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ . وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرِهِمَا ، نُقِلَ مِنَ الْقَاتِلِ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى الدَّيْنِ الْآخَرِ . وَحَيْثُ قُلْنَا : تُنْقَلُ الْوَثِيقَةُ ، فَهَلْ يُبَاعُ وَيُقَامُ ثَمَنُهُ مَقَامَ الْقَتِيلِ ، أَمْ يُقَامُ عَيْنُهُ مَقَامَهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ .
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ اخْتِلَافِ الدَّيْنَيْنِ ، هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَقَطْ ، كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ . فَلَوِ اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدِمَهُ ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عِوَضَ مَا يُتَوَقَّعُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ ، أَوْ صَدَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا أَثَرَ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَحَكَى فِي " الشَّامِلِ " عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مَرْهُونًا بِالْمُسْتَقِرِّ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّفْلِ . وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِالْآخَرِ ، فَوَجْهَانِ وَكَذَا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي " الْوَسِيطِ " : اخْتِلَافُ جِنْسِ الدَّيْنَيْنِ ، كَاخْتِلَافِ الْقَدْرِ ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فِي الْمَعْنَى ، فَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ : أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ .
قُلْتُ : الْمُرَادُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ ، وَالْآخِرُ دَرَاهِمَ ، وَاسْتَوَيَا فِي الْمَالِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَوْ تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْأَوْصَافِ ، وَقُلْنَا : الْوَثِيقَةُ لَا تُنْقَلُ ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قَدْ جَنَى فَلَا آمَنُهُ ، فَبِيعُوهُ وَضَعُوا ثَمَنَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ ، هَلْ يُجَابُ ؟ وَجْهَانِ .
108 فَرْعٌ
لَوْ جُنِيَ عَلَى مَكَاتَبِ السَّيِّدِ ، فَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ عَجْزِهِ ، فَهُوَ كَالْمُنْتَقِلِ مِنَ الْمُورِثِ . السَّبَبُ الثَّالِثُ لِانْفِكَاكِ الرَّهْنِ : بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ بِالْقَضَاءِ ، أَوِ الْإِبْرَاءِ ، أَوِ الْحَوَالَةِ ، أَوِ الْإِقَالَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلثَّمَنِ الْمَرْهُونِ بِهِ ، أَوِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ الْمَرْهُونِ بِهِ . وَلَوِ اعْتَاضَ عَنِ الدَّيْنِ عَيْنًا ، انْفَكَّ الرَّهْنُ ، لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنَ الذِّمَّةِ إِلَى الْعَيْنِ . ثُمَّ لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، بَطَلَ الِاعْتِيَاضُ ، وَيَعُودُ الرَّهْنُ كَمَا عَادَ الدَّيْنُ ، وَلَا يَنْفَكُّ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بَعْضُ الرَّهْنِ ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ يَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ ، وَلَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ . وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا ، كَانَ الْمُسَلَّمُ مَرْهُونًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ .
فَرْعٌ
إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ بَعْضِ الْمَرْهُونِ بِأَحَدِ أُمُورٍ .
أَحَدُهَا : تَعَدُّدُ الْعَقْدِ ، بِأَنْ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ بِعَشَرَةٍ ، وَنِصْفَهُ الْآخَرَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى .
الثَّانِي : أَنْ يَتَعَدَّدَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ ، بِأَنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ بَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، انْفَكَّ الرَّهْنُ بِقِسْطِ دَيْنِهِ . وَفِي وَجْهٍ : إِنِ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا ، بِأَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِمَا مَالًا ، أَوِ ابْتَاعَ مِنْهُمَا لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَإِنَّمَا يَنْفَكُّ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ . وَالصَّحِيحُ : الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا .
الثَّالِثُ : أَنْ يَتَعَدَّدَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، بِأَنْ رَهَنَ رَجُلَانِ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَإِذَا بَرِئَ أَحَدُهُمَا ، انْفَكَّ نَصِيبُهُ .
109 الرَّابِعُ : إِذَا وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَرْهَنُ عَبْدَهُمَا عِنْدَ زَيْدٍ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ قَضَى أَحَدُ الْمُوَكِّلَيْنِ دَيْنَهُ ، فَقِيلَ : قَوْلَانِ . وَالْمَذْهَبُ : الْقَطْعُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، وَلَا نَظَرَ إِلَى اتِّحَادِ الْوَكِيلِ وَتَعَدُّدِهِ . قَالَ الْإِمَامُ : لِأَنَّ مَدَارَ الْبَابِ عَلَى اتِّحَادِ الدَّيْنِ وَتَعَدُّدِهِ ، وَمَتَى تَعَدَّدَ الْمُسْتَحِقُّ أَوِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ، تَعَدَّدَ الدَّيْنُ . وَيُخَالِفُ هَذَا ، الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ، حَيْثُ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ وَاتِّحَادِهَا بِالْمُتَبَايِعَيْنِ ، أَمْ بِالْوَكِيلِ ؟ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ عَقْدَ ضَمَانٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ إِلَى الْمُبَاشِرِ .
الْخَامِسُ : إِذَا اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ مَالِكِيهِ لِيَرْهَنَهُ ، فَرَهَنَهُ ، ثُمَّ أَدَّى نِصْفَ الدَّيْنِ ، وَقَصَدَ بِهِ الشُّيُوعَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِحِصَّةِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَنْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ شَيْءٌ . وَإِنْ قَصَدَ أَدَاءً عَنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لِيَنْفَكَّ نَصِيبُهُ ، فَفِي انْفِكَاكِهِ أَقْوَالٌ .
ثَالِثُهَا : أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ لِمَالِكَيْنِ ، انْفَكَّ ، وَإِلَّا ، فَلَا ، حَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا وَجْهًا ; لِأَنَّ عَدَمَ الِانْفِكَاكِ لِاتِّحَادِ الدَّيْنِ وَالْعَاقِدَيْنِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ الْجَهْلُ إِثْبَاتَ الْخِيَارِ . ثُمَّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ الِانْفِكَاكُ .
قُلْتُ : صَرَّحَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " وَغَيْرُهُ ، بِأَنَّ الِانْفِكَاكَ أَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ مُتَمَاثِلَا الْقِيمَةِ ، فَاسْتَعَارَهُمَا لِلرَّهْنِ ، فَرَهَنَهُمَا ، ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الدَّيْنِ لِيَنْفَكَّ أَحَدُهُمَا ، فَالْأَصَحُّ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ . وَقِيلَ : يَنْفَكُّ قَطْعًا . وَإِذَا قُلْنَا بِالِانْفِكَاكِ ، وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، فَلِلْمُرْتَهَنِ الْخِيَارُ إِذَا جَهِلَ بِأَنَّهُ لِمَالِكَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : الْأَظْهَرُ . وَلَوِ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَرَهَنَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، كَانَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكَيْنِ مَرْهُونًا عِنْدَ الرَّجُلَيْنِ . فَلَوْ أَرَادَ فَكَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِقَضَاءِ نِصْفِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَهِنَيْنِ ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَإِنْ أَرَادَ فَكَّ نِصْفِ الْعَبْدِ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا ، فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ . وَلَوِ اسْتَعَارَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ ، وَرُهِنَا 110 عِنْدَ وَاحِدٍ ، ثُمَّ قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ ، انْفَكَّ النِّصْفُ لِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ ، هَكَذَا نَقَلُوهُ .
فَرْعٌ
قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " : لَوِ اسْتَعَارَ لِيَرْهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ ، فَرَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَجُزْ . أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، فَلِعَدَمِ الْإِذْنِ ، وَأَمَّا الْعَكْسُ ، فَلِأَنَّهُ إِذَا رَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، يَنْفَكُّ بَعْضُ الرَّهْنِ بِأَدَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا ، وَإِذَا رَهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ ، لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَغَيْرُهُ الْجَوَازَ فِي الطَّرَفَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
السَّادِسُ : لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِمِائَةٍ ، ثُمَّ مَاتَ عَنِ اثْنَيْنِ ، فَقَضَى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ ، فَفِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : لَا يَنْفَكُّ ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ وَاحِدٍ . وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِتَرِكَتِهِ ، فَقَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْرُجَ انْفِكَاكُ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ، وَأَنْكَرَ الْبَاقُونَ ، هَلْ عَلَى الْمُقِرِّ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ؟ وَعَلَى هَذَا الْبِنَاءِ ، فَالْأَصَحُّ الِانْفِكَاكُ ; لِأَنَّ الْجَدِيدَ : أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ثُمَّ الْحُكْمُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَعَدُّدِ الْمُلَّاكِ . فَلَوْ كَانَ الْمَوْتُ مَسْبُوقًا بِالْمَرَضِ ، كَانَ التَّعَلُّقُ سَابِقًا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ لِلدَّيْنِ أَثَرًا بَيِّنًا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ . فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، ثَابِتًا بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ قَيَّدَهَا الْغَزَالِيُّ ، بِمَا إِذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ غَنِيَّةٌ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ .
111 قُلْتُ : قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ : الْحُكْمُ بِالِانْفِكَاكِ ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ . . . إِلَى آخِرِهِ . هَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْإِمَامِ ، وَالْغَزَالِيِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى إِطْلَاقِهَا ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْأُولَى فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْأُولَى : فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِ الِابْنِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي رَهَنَهَا الْمَيِّتُ . وَالثَّانِيَةُ : فِي فَكِّ نَصِيبِهِ مِنْ تَعَلُّقِ التَّرِكَةِ ، وَلَيْسَ لِلرَّهْنِ فِي الثَّانِيَةِ وُجُودٌ ، فَفِي قَوْلٍ : يَنْفَكُّ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِنَصِيبِهِ ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ . وَفِي قَوْلٍ : لَا يَنْفَكُّ التَّعَلُّقُ ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي نَصِيبِهِ إِذَا مَنَعْنَا تَصَرُّفَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ لِمَالِكَيْنِ ، وَانْفَكَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، فَأَرَادَ الْقِسْمَةَ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَ الْمُرْتَهِنَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ ، وَالْعَبِيدِ ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يُجَابُ إِلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ أَرْضًا مُخْتَلِفَةَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّارِ ، قَالُوا : لَزِمَ الشَّرِيكُ أَنْ يُوَافِقَهُ ، وَفِي الْمُرْتَهِنِ ، وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَهُ الِامْتِنَاعُ لِمَا فِي الْقِسْمَةِ مِنَ التَّبْعِيضِ وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ فِي طُرُقِهِمْ . وَزَادَ آخَرُونَ ، مِنْهُمْ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ ، فَقَالُوا : تَجْوِيزُ الْقِسْمَةِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ ، مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا ، فَهُوَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ .
وَالْجُمْهُورُ أَطْبَقُوا عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ هُنَا ، وَجَعَلُوا تَأْثِيرَ كَوْنِهَا بَيْعًا افْتِقَارَهَا إِلَى إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ . ثُمَّ إِذَا جَوَّزْنَا الْقِسْمَةَ ، فَطَرِيقُ الطَّالِبِ أَنْ يُرَاجِعَ الشَّرِيكَ ، فَإِنْ سَاعَدَ ، فَذَاكَ ، وَإِلَّا ، فَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَسِّمَ . وَفِي وَجْهٍ : لَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِ الشَّرِيكِ فِي الْمُتَمَاثِلَاتِ ; لِأَنَّ قِسْمَتَهَا إِجْبَارٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَلَوْ قَاسَمَ الْمُرْتَهِنَ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ ، أَوِ الْحَاكِمِ عِنْدَ امْتِنَاعِ 112 الْمَالِكِ ، جَازَ ، وَإِلَّا ، فَلَا . وَإِذَا مَنَعْنَاهَا فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهَا . قَالَ الْإِمَامُ : لَا يَصِحُّ وَإِنْ رَضِيَ ; لِأَنَّ رِضَاهُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ . فَأَمَّا فِي بَيْعِهِ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ لِيَصِيرَ رَهْنًا ، فَلَا . وَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ .
قُلْتُ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ ، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنَانِ الْقِسْمَةَ قَبْلَ انْفِكَاكِ شَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ ، فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَاهُ . وَلَوْ رَهَنَ وَاحِدٌ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، وَقَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ أَرَادَ الْقِسْمَةَ لِيَمْتَازَ مَا بَقِيَ رَهْنًا ، فَفِي اشْتِرَاطِ رِضَى الَّذِي بَقِيَ رَهْنُهُ مَا ذَكَرْنَا .
يَنْفَكُّ بِأَسْبَابٍ . أَحَدُهَا : فَسْخُ الْمُرْتَهِنِ . وَالثَّانِي : تَلَفُ الْمَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ . إِذَا جَنَى الْمَرْهُونُ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ بِمَجْرَدِهِ ، بَلِ الْجِنَايَةُ ضَرْبَانِ .
أَحَدُهُمَا : يَتَعَلَّقُ بِأَجْنَبِيٍّ ، فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الرَّقَبَةِ . وَحَقٌّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ . فَإِنِ اقْتَصَّ مِنْهُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ . فَإِنْ وَجَبَ مَالٌ ، فَبِيعَ فِيهِ ، بَطَلَ أَيْضًا . حَتَّى لَوْ عَادَ إِلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا . وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، بِيعَ بِقَدْرِهِ ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ . فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ ، بِيعَ كُلُّهُ ، وَمَا فَضَلَ عَنِ الْأَرْشِ يَكُونُ رَهْنًا . وَلَوْ عَفَا عَنِ الْأَرْشِ ، أَوْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ ، بَقِيَ رَهْنًا . وَكَذَا لَوْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ . ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الرَّاهِنِ مَا سَبَقَ فِي رَهْنِ أَرْضِ الْخَرَاجِ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَنَى بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .
فَإِنْ أَمَرَهُ السَّيِّدُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا ، أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ السَّيِّدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ ، فَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ ، وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوِ الضَّمَانُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ . فَإِنْ قُلْنَا : يَتَعَلَّقُ ، فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ ، لَزِمَ السَّيِّدُ أَنْ يَرْهَنَ قِيمَتَهُ مَكَانَهُ . وَإِذَا جَنَى مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ ، فَقَالَ السَّيِّدُ : أَنَا أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، بَلْ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْقِيمَةُ ، لِإِقْرَارِهِ . وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُمَيِّزًا يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ السَّيِّدُ فِيهِ ، بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ إِلَّا أَنَّ السَّيِّدَ يَأْثَمُ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالسَّيِّدِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ عَمْدًا ، فَلَهُ الْقِصَاصُ . فَإِنِ اقْتَصَّ ، بَطَلَ الرَّهْنُ . وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً ، فَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ 105 لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ ، فَيَبْقَى الرَّهْنُ كَمَا كَانَ . وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ الْمَالُ ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى فَكِّ الرَّهْنِ .
الثَّانِيَةُ : جَنَى عَلَى نَفْسِ السَّيِّدِ عَمْدًا ، فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ . فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْأَظْهَرِ .
الثَّالِثَةُ : جَنَى عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ ، كَأَبِيهِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ . وَلَوْ جَنَى خَطَأً ، ثَبَتَ الْمَالُ . فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ وَالْإِمَامِ : يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ . وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يَسْقُطُ ، وَلَهُ بَيْعُهُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِلْمُورِثِ .
الرَّابِعَةُ : جَنَى عَلَى نَفْسِ الْمُورِثِ عَمْدًا ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ . فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتْ خَطَأً ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً ، أَمْ يَتَلَقَّاهَا عَنِ الْمُوَرِّثِ . إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَثْبُتْ ، وَإِلَّا ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا جَنَى عَلَى طَرَفِهِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ بِالْإِرْثِ .
الْخَامِسَةُ : قُتِلَ عَبْدٌ آخَرُ لِلرَّاهِنِ ، نُظِرَ ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْتُولُ مَرْهُونًا ، فَهُوَ كَمَا
[ لَوْ ] جَنَى عَلَى السَّيِّدِ . وَحُكْمُ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ سَوَاءٌ . وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا أَيْضًا ، فَلَهُ حَالَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ ، فَإِنْ قُتِلَ عَمْدًا ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ ، وَيَبْطُلُ الرَّهْنَانِ جَمِيعًا ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ قَتَلَ خَطَأً ، وَجَبَ الْمَالُ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ . وَإِنْ عَفَا بِلَا مَالٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : مُوجَبُ الْعَمْدِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ ، وَجَبَ الْمَالُ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ إِلَّا بِرِضَى الْمُرْتَهِنِ . وَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُهُ الْقَوْدُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْعَفْوُ الْمُطْلَقُ لَا يُوجِبُ الْمَالَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُوجِبُهُ ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، فَإِنْ قُلْنَا : مُطْلَقُ الْعَفْوِ يُوجِبُ الْمَالَ ، ثَبَتَ كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُوجِبُهُ ، صَحَّ الْعَفْوُ ، وَبَطَلَ رَهْنُ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ ، وَبَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا . وَعَفْوُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ ، كَعَفْوِ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ أَمْوَالَ الْمُفْلِسِ وَالْمَرْهُونِ 106 سَوَاءٌ فِي الْحَجْرِ . ثُمَّ مَتَى وَجَبَ الْمَالُ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ أَوْ مِثْلَهَا ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُنْقَلُ الْقَاتِلُ إِلَى يَدِ مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ ، وَلَا يُبَاعُ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يُبَاعُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ رَهْنًا فِي يَدِهِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ ، لَا فِي عَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ رَاغِبٌ بِزِيَادَةٍ . وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : يَنْتَقِلُ مِنَ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ إِلَى مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ . وَعَلَى الثَّانِي : يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ ، وَيَبْقَى الْبَاقِي رَهْنًا . فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ الْبَعْضِ ، أَوْ نَقَصَ بِالتَّبْعِيضِ ، بِيعَ الْجَمِيعِ ، وَجُعِلَ الزَّائِدُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ مُرْتَهَنِ الْقَاتِلِ .
وَإِنَّمَا يَجِيءُ الْوَجْهَانِ ، إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ النَّقْلَ ، وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ الْبَيْعَ ، فَأَيُّهُمَا يُجَابُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . أَمَّا إِذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ الْبَيْعَ ، وَمُرْتَهَنُ الْقَتِيلِ النَّقْلَ ، فَالْمُجَابُ الرَّاهِنُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهَنِ الْمَذْكُورِ فِي عَيْنِهِ . وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنَانِ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ ، فَهُوَ الْمَسْلُوكُ قَطْعًا . وَلَوِ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ عَلَى النَّقْلِ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ ، وَطَلَبُ الْبَيْعِ . وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ السَّابِقِ ، يَتَوَقَّعُ رَاغِبٌ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ .
الْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ أَيْضًا . فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مَرْهُونَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ ، فَقَدْ نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ وَلَا جَابِرَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا . وَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ بَدَيْنَيْنِ ، نُظِرَ فِي الدَّيْنَيْنِ ، أَهُمَا مُخْتَلِفَانِ حُلُولًا وَتَأْجِيلًا ، أَمْ لَا ؟ فَإِنِ اخْتَلَفَا ، فَلَهُ التَّوَثُّقُ لِدَيْنِ الْقَتِيلِ بِالْقَاتِلِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْحَالُّ دَيْنُ الْمَقْتُولِ ، فَفَائِدَتُهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ فِي الْحَالِّ . وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ ، فَتَحْصُلُ الْوَثِيقَةُ بِالْمُؤَجَّلِ ، وَيُطَالَبُ بِالْحَالِّ . وَكَذَا الْحُكْمُ ، لَوْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ ، وَأَحَدُ الْأَجَلَيْنِ أَطْوَلُ . وَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ ، نُظِرَ ، هَلْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ قَدْرٍ ، أَمْ لَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَعَشَرَةٍ وَعَشَرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدَانِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ ، وَقِيمَةُ الْقَتِيلِ أَكْثَرُ لَمْ تُنْقَلِ الْوَثِيقَةُ . وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، نُقِلَ مِنْهُ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى دَيْنِ الْقَتِيلِ ، وَبَقِيَ الْبَاقِي رَهْنًا بِمَا كَانَ . وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فِي الْقِيمَةِ ، بَقِيَ الْقَاتِلُ رَهْنًا بِمَا كَانَ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي 107 النَّقْلِ . وَإِنِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الدَّيْنَيْنِ ، نُظِرَ ، إِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ ، أَوْ كَانَ الْقَتِيلُ أَكْثَرَ قِيمَةً ، فَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَكْثَرِ الدَّيْنَيْنِ هُوَ الْقَتِيلُ ، فَلَهُ تَوْثِيقُهُ بِالْقَاتِلِ . وَإِنْ كَانَ الْمَرْهُونُ بِأَقَلِّهِمَا هُوَ الْقَتِيلُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ . وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ أَقَلَّهُمَا قِيمَةً ، فَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِأَقَلِّ الدَّيْنَيْنِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّقْلِ . وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرِهِمَا ، نُقِلَ مِنَ الْقَاتِلِ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ إِلَى الدَّيْنِ الْآخَرِ . وَحَيْثُ قُلْنَا : تُنْقَلُ الْوَثِيقَةُ ، فَهَلْ يُبَاعُ وَيُقَامُ ثَمَنُهُ مَقَامَ الْقَتِيلِ ، أَمْ يُقَامُ عَيْنُهُ مَقَامَهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ .
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ اخْتِلَافِ الدَّيْنَيْنِ ، هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَقَطْ ، كَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ . فَلَوِ اخْتَلَفَ الدَّيْنَانِ فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدِمَهُ ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عِوَضَ مَا يُتَوَقَّعُ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ ، أَوْ صَدَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا أَثَرَ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَحَكَى فِي " الشَّامِلِ " عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مَرْهُونًا بِالْمُسْتَقِرِّ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّفْلِ . وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا بِالْآخَرِ ، فَوَجْهَانِ وَكَذَا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي " الْوَسِيطِ " : اخْتِلَافُ جِنْسِ الدَّيْنَيْنِ ، كَاخْتِلَافِ الْقَدْرِ ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَّجِهًا فِي الْمَعْنَى ، فَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ : أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ .
قُلْتُ : الْمُرَادُ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ ، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ ، وَالْآخِرُ دَرَاهِمَ ، وَاسْتَوَيَا فِي الْمَالِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَوْ تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْأَوْصَافِ ، وَقُلْنَا : الْوَثِيقَةُ لَا تُنْقَلُ ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قَدْ جَنَى فَلَا آمَنُهُ ، فَبِيعُوهُ وَضَعُوا ثَمَنَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ ، هَلْ يُجَابُ ؟ وَجْهَانِ .
108 فَرْعٌ
لَوْ جُنِيَ عَلَى مَكَاتَبِ السَّيِّدِ ، فَانْتَقَلَ الْحَقُّ إِلَيْهِ بِمَوْتِهِ أَوْ عَجْزِهِ ، فَهُوَ كَالْمُنْتَقِلِ مِنَ الْمُورِثِ . السَّبَبُ الثَّالِثُ لِانْفِكَاكِ الرَّهْنِ : بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ بِالْقَضَاءِ ، أَوِ الْإِبْرَاءِ ، أَوِ الْحَوَالَةِ ، أَوِ الْإِقَالَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلثَّمَنِ الْمَرْهُونِ بِهِ ، أَوِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ الْمَرْهُونِ بِهِ . وَلَوِ اعْتَاضَ عَنِ الدَّيْنِ عَيْنًا ، انْفَكَّ الرَّهْنُ ، لِتَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنَ الذِّمَّةِ إِلَى الْعَيْنِ . ثُمَّ لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، بَطَلَ الِاعْتِيَاضُ ، وَيَعُودُ الرَّهْنُ كَمَا عَادَ الدَّيْنُ ، وَلَا يَنْفَكُّ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بَعْضُ الرَّهْنِ ، كَمَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ يَبْقَى مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ ، وَلَا يُعْتَقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتَبِ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ . وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا ، كَانَ الْمُسَلَّمُ مَرْهُونًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ .
فَرْعٌ
إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ بَعْضِ الْمَرْهُونِ بِأَحَدِ أُمُورٍ .
أَحَدُهَا : تَعَدُّدُ الْعَقْدِ ، بِأَنْ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ بِعَشَرَةٍ ، وَنِصْفَهُ الْآخَرَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى .
الثَّانِي : أَنْ يَتَعَدَّدَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ ، بِأَنْ رَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ بَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، انْفَكَّ الرَّهْنُ بِقِسْطِ دَيْنِهِ . وَفِي وَجْهٍ : إِنِ اتَّحَدَتْ جِهَةُ دَيْنَيْهِمَا ، بِأَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِمَا مَالًا ، أَوِ ابْتَاعَ مِنْهُمَا لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَإِنَّمَا يَنْفَكُّ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْجِهَةُ . وَالصَّحِيحُ : الِانْفِكَاكُ مُطْلَقًا .
الثَّالِثُ : أَنْ يَتَعَدَّدَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، بِأَنْ رَهَنَ رَجُلَانِ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَإِذَا بَرِئَ أَحَدُهُمَا ، انْفَكَّ نَصِيبُهُ .
109 الرَّابِعُ : إِذَا وَكَّلَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَرْهَنُ عَبْدَهُمَا عِنْدَ زَيْدٍ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ قَضَى أَحَدُ الْمُوَكِّلَيْنِ دَيْنَهُ ، فَقِيلَ : قَوْلَانِ . وَالْمَذْهَبُ : الْقَطْعُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، وَلَا نَظَرَ إِلَى اتِّحَادِ الْوَكِيلِ وَتَعَدُّدِهِ . قَالَ الْإِمَامُ : لِأَنَّ مَدَارَ الْبَابِ عَلَى اتِّحَادِ الدَّيْنِ وَتَعَدُّدِهِ ، وَمَتَى تَعَدَّدَ الْمُسْتَحِقُّ أَوِ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ، تَعَدَّدَ الدَّيْنُ . وَيُخَالِفُ هَذَا ، الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ، حَيْثُ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي تَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ وَاتِّحَادِهَا بِالْمُتَبَايِعَيْنِ ، أَمْ بِالْوَكِيلِ ؟ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَيْسَ عَقْدَ ضَمَانٍ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ إِلَى الْمُبَاشِرِ .
الْخَامِسُ : إِذَا اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ مَالِكِيهِ لِيَرْهَنَهُ ، فَرَهَنَهُ ، ثُمَّ أَدَّى نِصْفَ الدَّيْنِ ، وَقَصَدَ بِهِ الشُّيُوعَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِحِصَّةِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَنْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ شَيْءٌ . وَإِنْ قَصَدَ أَدَاءً عَنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لِيَنْفَكَّ نَصِيبُهُ ، فَفِي انْفِكَاكِهِ أَقْوَالٌ .
ثَالِثُهَا : أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْعَبْدَ لِمَالِكَيْنِ ، انْفَكَّ ، وَإِلَّا ، فَلَا ، حَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ . قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا وَجْهًا ; لِأَنَّ عَدَمَ الِانْفِكَاكِ لِاتِّحَادِ الدَّيْنِ وَالْعَاقِدَيْنِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ الْجَهْلُ إِثْبَاتَ الْخِيَارِ . ثُمَّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ الِانْفِكَاكُ .
قُلْتُ : صَرَّحَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " وَغَيْرُهُ ، بِأَنَّ الِانْفِكَاكَ أَظْهَرُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ مُتَمَاثِلَا الْقِيمَةِ ، فَاسْتَعَارَهُمَا لِلرَّهْنِ ، فَرَهَنَهُمَا ، ثُمَّ قَضَى نِصْفَ الدَّيْنِ لِيَنْفَكَّ أَحَدُهُمَا ، فَالْأَصَحُّ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ . وَقِيلَ : يَنْفَكُّ قَطْعًا . وَإِذَا قُلْنَا بِالِانْفِكَاكِ ، وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، فَلِلْمُرْتَهَنِ الْخِيَارُ إِذَا جَهِلَ بِأَنَّهُ لِمَالِكَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : الْأَظْهَرُ . وَلَوِ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَرَهَنَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، كَانَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكَيْنِ مَرْهُونًا عِنْدَ الرَّجُلَيْنِ . فَلَوْ أَرَادَ فَكَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِقَضَاءِ نِصْفِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَهِنَيْنِ ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ . وَإِنْ أَرَادَ فَكَّ نِصْفِ الْعَبْدِ بِقَضَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا ، فَلَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ . وَلَوِ اسْتَعَارَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ ، وَرُهِنَا 110 عِنْدَ وَاحِدٍ ، ثُمَّ قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ ، انْفَكَّ النِّصْفُ لِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ ، هَكَذَا نَقَلُوهُ .
فَرْعٌ
قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " : لَوِ اسْتَعَارَ لِيَرْهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ ، فَرَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَجُزْ . أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، فَلِعَدَمِ الْإِذْنِ ، وَأَمَّا الْعَكْسُ ، فَلِأَنَّهُ إِذَا رَهَنَ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، يَنْفَكُّ بَعْضُ الرَّهْنِ بِأَدَاءِ دَيْنِ أَحَدِهِمَا ، وَإِذَا رَهَنَ عِنْدَ وَاحِدٍ ، لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إِلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَغَيْرُهُ الْجَوَازَ فِي الطَّرَفَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
السَّادِسُ : لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِمِائَةٍ ، ثُمَّ مَاتَ عَنِ اثْنَيْنِ ، فَقَضَى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ ، فَفِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : لَا يَنْفَكُّ ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ وَاحِدٍ . وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِتَرِكَتِهِ ، فَقَضَى بَعْضُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْرُجَ انْفِكَاكُ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ، وَأَنْكَرَ الْبَاقُونَ ، هَلْ عَلَى الْمُقِرِّ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ؟ وَعَلَى هَذَا الْبِنَاءِ ، فَالْأَصَحُّ الِانْفِكَاكُ ; لِأَنَّ الْجَدِيدَ : أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ أَدَاءُ جَمِيعِ الدَّيْنِ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنَ التَّرِكَةِ ثُمَّ الْحُكْمُ بِانْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَعَدُّدِ الْمُلَّاكِ . فَلَوْ كَانَ الْمَوْتُ مَسْبُوقًا بِالْمَرَضِ ، كَانَ التَّعَلُّقُ سَابِقًا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ لِلدَّيْنِ أَثَرًا بَيِّنًا فِي الْحَجْرِ عَلَى الْمَرِيضِ . فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، ثَابِتًا بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَقَدْ قَيَّدَهَا الْغَزَالِيُّ ، بِمَا إِذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ غَنِيَّةٌ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ .
111 قُلْتُ : قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ : الْحُكْمُ بِالِانْفِكَاكِ ، إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ التَّعَلُّقِ . . . إِلَى آخِرِهِ . هَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْإِمَامِ ، وَالْغَزَالِيِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى إِطْلَاقِهَا ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْأُولَى فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْأُولَى : فِي انْفِكَاكِ نَصِيبِ الِابْنِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي رَهَنَهَا الْمَيِّتُ . وَالثَّانِيَةُ : فِي فَكِّ نَصِيبِهِ مِنْ تَعَلُّقِ التَّرِكَةِ ، وَلَيْسَ لِلرَّهْنِ فِي الثَّانِيَةِ وُجُودٌ ، فَفِي قَوْلٍ : يَنْفَكُّ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِنَصِيبِهِ ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ . وَفِي قَوْلٍ : لَا يَنْفَكُّ التَّعَلُّقُ ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي نَصِيبِهِ إِذَا مَنَعْنَا تَصَرُّفَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الْمَرْهُونُ لِمَالِكَيْنِ ، وَانْفَكَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ ، فَأَرَادَ الْقِسْمَةَ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَ الْمُرْتَهِنَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ ، وَالْعَبِيدِ ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يُجَابُ إِلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ أَرْضًا مُخْتَلِفَةَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّارِ ، قَالُوا : لَزِمَ الشَّرِيكُ أَنْ يُوَافِقَهُ ، وَفِي الْمُرْتَهِنِ ، وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَهُ الِامْتِنَاعُ لِمَا فِي الْقِسْمَةِ مِنَ التَّبْعِيضِ وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ فِي طُرُقِهِمْ . وَزَادَ آخَرُونَ ، مِنْهُمْ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ ، فَقَالُوا : تَجْوِيزُ الْقِسْمَةِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ ، مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِفْرَازُ حَقٍّ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا ، فَهُوَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ .
وَالْجُمْهُورُ أَطْبَقُوا عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ هُنَا ، وَجَعَلُوا تَأْثِيرَ كَوْنِهَا بَيْعًا افْتِقَارَهَا إِلَى إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ . ثُمَّ إِذَا جَوَّزْنَا الْقِسْمَةَ ، فَطَرِيقُ الطَّالِبِ أَنْ يُرَاجِعَ الشَّرِيكَ ، فَإِنْ سَاعَدَ ، فَذَاكَ ، وَإِلَّا ، فَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَسِّمَ . وَفِي وَجْهٍ : لَا حَاجَةَ إِلَى إِذْنِ الشَّرِيكِ فِي الْمُتَمَاثِلَاتِ ; لِأَنَّ قِسْمَتَهَا إِجْبَارٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . وَلَوْ قَاسَمَ الْمُرْتَهِنَ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ ، أَوِ الْحَاكِمِ عِنْدَ امْتِنَاعِ 112 الْمَالِكِ ، جَازَ ، وَإِلَّا ، فَلَا . وَإِذَا مَنَعْنَاهَا فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهَا . قَالَ الْإِمَامُ : لَا يَصِحُّ وَإِنْ رَضِيَ ; لِأَنَّ رِضَاهُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ . فَأَمَّا فِي بَيْعِهِ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ لِيَصِيرَ رَهْنًا ، فَلَا . وَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ .
قُلْتُ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ ، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنَانِ الْقِسْمَةَ قَبْلَ انْفِكَاكِ شَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ ، فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَاهُ . وَلَوْ رَهَنَ وَاحِدٌ عِنْدَ اثْنَيْنِ ، وَقَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ أَرَادَ الْقِسْمَةَ لِيَمْتَازَ مَا بَقِيَ رَهْنًا ، فَفِي اشْتِرَاطِ رِضَى الَّذِي بَقِيَ رَهْنُهُ مَا ذَكَرْنَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith