المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
الصفحة 1292 · ص. المطبوع 110 · الشرح
فَصْلٌ
( السَّابِعُ : خِيَارٌ يَثْبُتُ لِاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ ) وَهُوَ صُوَرٌ ( فَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ 110 الثَّمَنِ ) بِأَنْ قَالَ : بِعْتُكَ بِمِائَةٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ : اشْتَرَيْتُ بِثَمَانِينَ ، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا ( تَحَالَفَا ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ : ۝ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ وَلِلْبَيْهَقِيِّ ۝ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ صُورَةً ، وَكَذَا حُكْمًا لِسَمَاعِ بَيِّنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، قَالَ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " : لَا تُسْمَعُ إِلَّا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي بِاتِّفَاقِنَا وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا تَحَالَفَا وَعَنْهُ : ۝ يُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ مَعَ يَمِينِهِ ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " الْمَنْصُوصِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا قَالَ : ۝ إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعَانِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ السِّلْعَةِ ، أَوْ يَتَرَادَّانِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَاخْتِلَافِهِمَا بَعْدَ قَبْضِهِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ بِعَيْبٍ ، أَوْ إِقَالَةٍ فِي الْمَنْصُوصِ ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، لَكِنْ قَدْ تَعَدَّدَتِ الْإِشَارَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مَحْفُوظٌ مَشْهُورٌ ، وَقَدِ اشْتُهِرَ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ شُهْرَةً يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِسْنَادِ ، وَعَنْهُ : يُقْبَلُ قَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يَمِينِهِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ لَهُ ، ثُمَّ الْبَائِعُ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ بَعْضَهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، أَوْ يَتَرَدَّانِ ، قِيلَ : فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قَالَ : كَذَلِكَ ( فَيَبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ ) لِأَنَّهُ أَقْوَى جَنَبَةً مِنَ الْمُشْتَرِي ؛ لِكَوْنِ الْمَبِيعِ يُرَدُّ إِلَيْهِ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ ( فَيَحْلِفُ مَا بِعْتُهُ بِكَذَا ، وَإِنَّمَا بِعْتُهُ بِكَذَا ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ ، يَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ، الْإِثْبَاتُ لِدَعْوَاهُ ، وَالنَّفْيُ لِمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ فَيَبْدَأُ بِالنَّفْيِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْيَمِينِ أَنَّهَا لِلنَّفْيِ ، وَعَنْهُ : يَبْدَأُ بِالْإِثْبَاتِ ، 111 وَظَاهِرُهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى فَصْلِ الْقَضَاءِ ( فَإِنَّ أَحَدَهُمَا ) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعَ ، أَوِ الْمُشْتَرِيَ ( لَزِمَهُ مَا قَالَ : صَاحِبُهُ ) لِقَضَاءِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ ، وَظَاهِرُهُ ، وَلَوْ أَنَّهُ بَدَّلَ شِقَّيِ الْيَمِينِ ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ نَاكِلًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِالْمَجْمُوعِ .
( وَإِنْ تَحَالَفَا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ أَقَرَّ الْعَقْدَ ) لِأَنَّ الرَّاضِيَ إِنْ كَانَ الْبَائِعَ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ( وَإِلَّا ) أَيْ : إِذَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ ( فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِهِمَا وَتَعَارُضِهِمَا فِي الْحُجَّةِ ، كَمَا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، وَقِيلَ : يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ ، وَزَعَمَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ التَّحَالُفِ رَفْعُ الْعَقْدِ فَاعْتُمِدَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ بِقَوْلِ صَاحِبِهِ انْفَسَخَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَقِيلَ : بَلَى وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ فُسِخَ لِاسْتِدْرَاكِ الظَّلَامَةِ أَشْبَهَ رَدَّ الْمَعِيبِ ، وَلَا يُشْبِهُ النِّكَاحَ لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالطَّلَاقِ ( وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ تَالِفَةً ) تَحَالَفَا ( وَرَجَعَا إِلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِعُمُومِ مَا سَبَقَ فَيَغْرُمُ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ ، وَظَاهِرُهُ ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ، وَفِيهِ شَيْءٌ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيهَا ، نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِنَّ قِيمَةَ السِّلْعَةِ إِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي يَمِينِ الْبَائِعِ ، وَفُسِخَ 112 الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَاحْتِمَالَانِ ، أَحَدُهُمَا : كَمَا ذَكَرْنَا ، وَالْآخَرُ يَشْرَعُ التَّحَالُفُ لِلْمُشْتَرِي .
( فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصِّفَةُ عَيْبًا كَالْبَرَصِ وَخَرْقِ الثَّوْبِ ، أَوْ لَا كَالسَّمْنِ ، وَالْكِتَابَةِ ، وَقِيلَ : يُقْبَلُ قَوْلُ بَائِعٍ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَغَايَتُهُ تَعَارَضَ أَصْلَانِ فَخَرَجَ قَوْلَانِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ وَشَارَكَ الْقِيمَةَ ، وَكَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا ، وَإِلَّا سَقَطَ الْأَقَلُّ ، وَمِثْلُهُ مِنَ الْأَكْثَرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّ الْقِيمَةَ إِنْ زَادَتْ عَلَى الثَّمَنِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَلَى وَجْهٍ ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ ( وَعَنْهُ : لَا يَتَحَالَفَانِ إِذَا كَانَتْ تَالِفَةً ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ عِنْدَ عَدَمِهَا ( وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ) عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إِلَى الْمُشْتَرِي ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرٍ زَائِدٍ يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ وَيُنْكِرُهُ الْمُشْتَرِي ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَمْ يَقُلْ فِيهِ ، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ إِلَّا يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ ، وَقَدْ أَخْطَأَ ، رَوَاهُ الْخَلْقُ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا ( وَإِنْ مَاتَا فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا ) لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي أَخْذِ مَالِهِ وَإِرْثِ حُقُوقِهِ ، فَكَذَا فِيمَا يَلْزَمُهُ ، وَكَذَا إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .
( وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا ) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ ، أَوِ الْمُشْتَرِي ( انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ( وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ ) أَيِ : الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ ( لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا ) لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا عُذْرَ 113 لَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَاحِبِهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ بِحُكْمِ عُدْوَانٍ مِنْهُ ( وَعَلَيْهِ ) أَيِ : الظَّالِمِ ( إِثْمُ الْغَاصِبِ ) لِأَنَّهُ غَاصِبٌ قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : لَمْ أَجِدْ مِمَّا قَالَ الْمُؤَلِّفُ نَقْلًا صَرِيحًا يُوَافِقُهُ ، وَلَا دَلِيلًا ، وَفِيهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ قَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ هُنَا . وَنَقَلَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " تَبَعًا لِأَبِي الْخَطَّابِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بَاطِنًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إِمْضَاءُ الْعَقْدِ وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ ، فَلَا يَنْفَسِخُ بَاطِنًا ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا انْفَسَخَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ؛ لِأَنَّهُ فُسِخَ لِاسْتِدْرَاكِ ظَلَامَتِهِ أَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ .
( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا ) أَيْ : إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا ، فَوَجَبَ التَّحَالُفُ ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْعَقْدِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نُقُودٌ وَأَحَدُهَا غَالِبٌ أُخِذَ بِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَأَوْسَطُهَا ، وَعَنْهُ : الْأَقَلُّ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَتَحَالَفَانِ ( وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَوْ شَرْطٍ ) صَحِيحٍ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَ الْآخَرِ مُحْتَمَلٌ ( وَعَنْهُ : يَتَحَالَفَانِ ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ تَحَالُفُهُمَا كَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ ، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ ، وَفِي قَدْرِ مَا وَقَعَا بِهِ ، وَفِي قَدْرِ الْأَجَلِ ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا 114 فَاسِدًا ) كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : وَقَعَ بِخَمْرٍ ، أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ ) مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَلِّمِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إِلَّا عَقْدًا صَحِيحًا ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ دُونَ فَسَادِهِ ، فَلَوْ قَالَ : بِعْتُكَ وَأَنَا صَبِيٌّ مَأْذُونٌ لِي فِي التِّجَارَةِ ، وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي قَدَّمَ قَوْلَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ عَكْسُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَوِ اخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ قُبِلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مُدَّعِي فَسَادِهِ انْتَهَى ، فَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي ، وَقِيلَ : يَسْقُطَانِ ( وَإِنْ قَالَ : بِعْتَنِي هَذَيْنِ ) بِمِائَةٍ ( قَالَ : بَلْ أَحَدَهُمَا ) بِخَمْسِينَ ، أَوْ قَالَ : بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ قَالَ : بَلْ هُوَ ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ) مَعَ يَمِينِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَاخْتَصَّتِ الْيَمِينُ بِهِ ، كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ، وَعَنْهُ : يَتَحَالَفَانِ ، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ كَثَمَنِهِ ، وَقَدَّمَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " وَغَيْرِهَا ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : وَهُوَ أَقْيَسُ وَأَوْلَى ( وَإِنْ قَالَ : بِعْتَنِي هَذَا . قَالَ : بَلْ هَذَا . حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى مَبِيعٍ يُنْكِرُهُ الْآخَرُ ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ ( وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي أَنْكَرَهُ الْبَائِعُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَالَّذِي أَقَرَّهُ الْبَائِعُ لَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ " يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، ثُمَّ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مَبِيعًا إِنْ كَانَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَفِي " الْمُنْتَخَبِ " لَا يَرُدُّ إِلَيْهِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " يَرُدُّ ، كَمَا لَمْ يَدَّعِهِ قَالَ : وَلَا يَطْلُبُهُ إِنْ بَذَلَ ثَمَنَهُ ، وَإِلَّا فَسَخَ ، فَإِنْ كَانَ أَمَةً وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا لَمْ يَطَأْهَا الْبَائِعُ هِيَ مِلْكٌ لِذَلِكَ ، نَقَلَهُ جَعْفَرٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِجُحُودِهِ 115 فَرْعٌ : إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ثَبَتَ الْعَقْدَانِ لِعَدَمِ تَنَافِيهِمَا ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً ثَبَتَ وَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ لِلْآخَرِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ .
( وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ : لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ ) وَفِي " الشَّرْحِ " أَوْ عَرَضٌ ، وَفِيهِ شَيْءٌ ( جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا ) الْوَاوُ بِمَعْنَى " ثُمَّ " وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي تَعَلُّقِ حَقِّهِمَا بِعَيْنِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ نَصْبُ عَدْلٍ يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَاتِ فَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ أَوَّلًا ، ثُمَّ الثَّمَنَ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقِيلَ : يُسَلِّمُهُمَا مَعًا ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ لِتَسَاوِيهِمَا ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَمَنْ أَمْكَنَهُ مِنْهُمَا التَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَأَبَاهُ ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ كَغَاصِبٍ ، وَأَيُّهُمَا بَدَأَ بِالتَّسْلِيمِ أَجْبَرَ الْآخَرَ ، وَأَيُّهُمَا يَلْزَمُهُ الْبِدَاءَةُ ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، وَعَنْهُ : يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوَّلًا ( وَإِنْ كَانَ دَيْنًا ) أَيْ : وَقَعَ الثَّمَنُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ ( أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ حَالًا أَوْ مُؤَجَّلًا وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ ، وَقَالَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " خِلَافَهُ ؛ لِأَنَّ فِي تَسْلِيمِهِ بِدُونِ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ ( ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ ) لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ ، وَحَقُّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ كَتَقْدِيمِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ . فَإِنْ كَانَ عَرَضًا بِعَرَضٍ لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ الْبَائِعِ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ( وَإِنْ كَانَ ) الثَّمَنُ ( غَائِبًا بَعِيدًا ) أَيْ : فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ 116 ( أَوِ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : أَوْ مُمَاطِلًا ( فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ ) ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأْخِيرِ الثَّمَنِ فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ ، وَالرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ كَمُفْلِسٍ وَكَمَبِيعٍ ، نَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ لَا يَكُونُ مُفْلِسًا إِلَّا أَنْ يُفَلِّسَهُ الْقَاضِي ، أَوْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ فِي النَّاسِ ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِنْ قَارَنَ الْإِفْلَاسُ الْعَقْدَ ، وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ قَبَضَهُ ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَهُ الْفَسْخُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ ) أَوْ بَيْنَهُ ( حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ كُلِّهِ ) وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْمَبِيعُ ( حَتَّى يُسَلِّمَهُ ) لِئَلَّا يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بَقِيَ الْحَجْرُ فِيهِ إِلَى أَجَلِهِ ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبَاعَ الْمَبِيعُ ، وَقِيلَ : وَغَيْرُهُ مِنْ مَالِهِ فِي وَفَاءِ ثَمَنِهِ إِذَا تَعَذَّرَ لِإِعْسَارٍ أَوْ بُعْدٍ ( وَإِنْ كَانَ ) الثَّمَنُ ( غَائِبًا عَنِ الْبَلَدِ قَرِيبًا ) أَيْ : دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ( احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ ) لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ ضَرَرًا عَلَيْهِ ( وَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى الْمُشْتَرِي ) حَتَّى يُسَلِّمَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، وَحَكَاهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَالْفَسْخُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ بِخِلَافِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا أَحْضَرَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَارِثُهُ أَوْ وَكِيلُهُ نِصْفَ الثَّمَنِ فَهَلْ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ أَوْ كُلَّهُ أَوْ لَا يَقْبِضُ شَيْئًا حَتَّى يَزِنَ الْبَاقِي ، أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ مَا أَخَذَهُ ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ ، وَقِيلَ : لَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَعَ خِيَارِ شَرْطٍ ، وَمِثْلُهُ الْمُؤَجَّرُ بِالنَّقْدِ فِي الْحَالِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ( وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ ) وَفِيهِ صُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا : يَثْبُتُ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ مُسْلِمًا أَوْ بِكْرًا ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ ، الثَّانِيَةُ : أَنْ يَشْتَرِطَ الْأَدْنَى فَيَظْهَرَ الْأَعْلَى 117 كَالْكُفْرِ ، وَالثَّيُّوبَةِ وَنَحْوِهِمَا ، فَإِذَا بَانَ بِخِلَافِهِ فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا ( وَتَغَيَّرَ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ ) أَيْ : إِذَا رَأَيَا الْمَبِيعَ ، ثُمَّ عَقَدَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ وَجَدَهُ الْمُشْتَرِي مُتَغَيِّرًا ( وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ) أَيِ : الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ ، وَتَغَيُّرُ الرُّؤْيَةِ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنَ الْبَيْعِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث