المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
الصفحة 1343 · ص. المطبوع 197 · الشرح
فَصْلٌ
( السَّابِعُ : أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَيْنٍ ) كَدَارٍ وَشَجَرَةٍ ثَابِتَةٍ ( لَمْ يَصِحَّ ) 197 ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلَفَ قَبْلَ أَوَانِ تَسْلِيمِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ بَيْعُهُ فِي الْحَالِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى السَّلَمِ فِيهِ ( وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مَؤُنَةٌ وَجَبَ شَرْطُهُ ، وَإِلَّا فَلَا ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ كَالْبَرِّيَّةِ ) ، وَالْبَحْرِ ( فَيُشْتَرَطَ ذِكْرُهُ ) لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَاشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ كَالْكَيْلِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُشْتَرَطُ وَيُوَفَّى بِأَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ إِلَيْهِ ( وَ ) يَجِبُ أَنْ ( يَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ ) ، نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ الْمُشَاحَحَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ وَلَهُ أَخْذُهُ فِي غَيْرِهِ إِنْ رَضِيَا فَلَوْ قَالَ : خُذْهُ ، وَأُجْرَةُ حَمْلِهِ مِثْلُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْوَفَاءِ ، لَمْ يَصِحَّ قَالَ الْقَاضِي : كَأَخْذِ بَدَلِ السَّلَمِ ( فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ ) أَيْ : فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ ، صَحَّ ( وَكَانَ تَأْكِيدًا ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ أَشْبَهَ شَرْطَ الْحُلُولِ فِي الثَّمَنِ ( وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيْرِهِ ، صَحَّ ) عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ، فَصَحَّ شَرْطُ الْإِيفَاءِ مَكَانَهُ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ( وَعَنْهُ : لَا يَصِحُّ ) قَطَعَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسْلِمَهُ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ .
فَرْعٌ : يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ فِي تَعْيِينِهِ مَعَ يَمِينِهِ فَلَوْ قَالَ : هَذَا الَّذِي أَقْبَضْتَنِي ، وَهُوَ مَعِيبٌ ، فَأَنْكَرَ قُدِّمَ قَوْلُ الْقَابِضِ ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ 198 لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالطَّعَامِ ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلشَّرِكَةِ ، وَالتَّوْلِيَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ( وَلَا هِبَتُهُ ) ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْمِلْكِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ ( وَلَا أَخْذُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ بَيْعٍ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِهِ لِغَيْرِهِ ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا ، أَوْ مَعْدُومًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَهُ فِي الْقِيمَةِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ( وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ ، وَالسَّلَمُ بِعَرْضِيَّةِ الْفَسْخِ ، وَلِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفَسْخِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُحِيلَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِمَا عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ لَهُ مِثْلُهُ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ ، وَلَا عَلَيْهِ ، كَمَا إِذَا أَحَالَ الْمُسْلَمُ بِمَا لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ بَدَلِ مُتْلَفٍ ، وَلَوْ بِرَأْسِ مَالٍ سُلِّمَ بَعْدَ فَسْخِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ( وَيَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ ) كَقَرْضٍ وَمَهْرٍ بَعْدَ دُخُولٍ وَأُجْرَةٍ اسْتَوْفَى نَفْعَهَا ، أَوْ فَرَغَتْ مُدَّتُهَا وَقِيمَةُ مُتْلَفٍ وَنَحْوِهِ ( لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ ۝ كُنَّا نَبِيعُ الْأَبْعِرَةَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّرَاهِمَ وَبِالدَّرَاهِمِ وَنَأْخُذُ عَنْهَا الدَّنَانِيرَ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ ، وَغَيْرُهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَفِي بَيْعِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجْهَانِ ، لَا رَأْسَ مَالَ سَلَمٍ بَعْدَ فَسْخِهِ فِي الْمَنْصُوصِ ( بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ ) لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبِضْ 199 صَارَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَهَذَا إِنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً ، أَوْ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ ، وَقِيلَ : بَلَى ( وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ) أَيْ : لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ ، وَعَنْهُ : يَصِحُّ مِنْهُمَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ ، وَعَنْهُ : لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ ، وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " عَنْ صَاحِبِهِ كَدَيْنِ السَّلَمِ ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " ، وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ يَصِحُّ فِيهِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنْ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ .
فَرْعٌ : لَا تَصِحُّ هِبَةُ دَيْنٍ لِغَيْرِ غَرِيمٍ . وَنَقَلَ حَرْبٌ صِحَّتَهُ وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَتَيْنِ فِيهِ ، وَفِي بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ ( وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي ) دَيْنِ ( السَّلَمِ ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِلْعَقْدِ وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي جَوَازِهَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ مِنْهُ إِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا ، وَإِلَّا صَحَّتِ الْإِقَالَةُ فِي كُلِّهِ ، وَقِيلَ : تَصِحُّ فِي كُلِّهِ ، وَإِنْ جُعِلَتْ بَيْعًا ( وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا وَكُلُّ مَنْدُوبٍ إِلَيْهِ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي الْبَعْضِ كَالْإِبْرَاءِ ، وَالْإِنْظَارِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا تَجُوزُ ، وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ ، لِأَنَّ السَّلَمَ يَقِلُّ فِيهِ الثَّمَنُ مِنْ أَجْلِ التَّأْجِيلِ ، فَإِذَا فُسِخَ فِي الْبَعْضِ بَقِيَ الْبَعْضُ بِالْبَاقِي مِنَ الثَّمَنِ وَبِمَنْفَعَتِهِ الْجُزْءُ الَّذِي فُسِخَ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ( إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ ) إِنْ كَانَ مَوْجُودًا ( أَوْ عِوَضَهُ ) إِنْ كَانَ مَعْدُومًا 200 ( فِي مَجْلِسِ الْإِقَالَةِ ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبِضْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ يَصِيرُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ بِقَدْرِ السَّلَمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ ، وَالسَّلَفِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ ، وَالْأَشْهُرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ( وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالَةٍ ، أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ) . قَالَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ مِنْ أَسْلَمِ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ، وَلِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَالْقَرْضِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إِلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ بَعْدَ فَسْخِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ ثَمَنًا فِي شَيْءٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْعِوَضِ مِنْ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَخْذُ النَّوْعِ مِنَ النَّوْعِ فِي السَّلَمِ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَلَأَنْ يَجُوزَ أَخْذُ النَّوْعِ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ( وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ ، وَعَلَيْهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ فَقَالَ لِغَرِيمِهِ اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لِنَفْسِهِ حَوَالَةٌ بِهِ ، وَالْحَوَالَةُ بِالسَّلَمِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ( وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُهُ لِلْآمِرِ ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ ) هُمَا رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ أَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِهِ وَكَمَا لَوْ نَوَى الْمَأْمُورُ الْقَبْضَ لِلْآمِرِ ، وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْقَبْضِ ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَعَلَيْهِ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِ وَلَوْ قَالَ : احْضُرْ 201 كَيْلَهُ لِأَقْبِضَهُ لَكَ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِلثَّانِي وَهَلْ يَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ أُولَاهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْقَبْضَ لِنَفْسِهِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَبَضَهُ لِلْآخَرِ ، صَحَّ ( وَإِنْ قَالَ : اقْبِضْهُ لِي ، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ ، صَحَّ ) عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنَابَةٌ فِي قَبْضِهِ لَهُ ، فَإِذَا قَبَضَهُ لِمُوكِّلِهِ جَازَ أَنْ يَقْبِضَهُ لِنَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَالْأُخْرَى : لَا يَصِحُّ فَلَوْ قَالَ الْآمِرُ : أَحْضِرْنَا حَتَّى أَكَتَالَهُ لِنَفْسِي ، ثُمَّ تَكْتَالَهُ أَنْتَ وَفَعَلَا ، صَحَّ ( وَإِنْ قَالَ : أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي وَخُذْهُ بِالْكَيْلِ الَّذِي تُشَاهِدُهُ فَهَلْ يَجُوزُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ وَبِهِ جَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَهُ وَشَاهَدَ كَيْلَهُ ، فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ كَيْلِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ . أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا ( وَإِنِ اكْتَالَهُ ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِيكَالِ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ فَقَبَضَهُ ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدِ اكْتَالَهُ حَقِيقَةً ، وَالثَّانِي حَصَلَ لَهُ اسْتِمْرَارُ الْكَيْلِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ ، كَمَا أَنَّ اسْتِدَامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ زِيَادَةُ عِلْمٍ بِابْتِدَائِهِ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ ( وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ ) ، وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ ( جُزَافًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ) : أَيْ : قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ ( فِي قَدْرِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْلِهِ ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ وَيَدُهُ عَلَى الْبَاقِي قِيلَ : يَدُ أَمَانَةٍ ، وَقِيلَ : يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضُ عُمَّالِهِ ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ 202 أَصْحَابِنَا فِي ضَمَانِ الرَّهْنِ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَيْنًا ، وَقَالَ : خُذْ حَقَّكَ مِنْهَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهَا ، وَلَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا ( وَإِنْ قَبَضَهُ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا ، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ ، وَالْآخَرُ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْلِ مَا قَبَضَهُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ غَيْرَ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ " كَغَيْرِهِ وَقَيَّدَهُ إِذَا ادَّعَى مَا يُغْلَطُ بِمِثْلِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، فَلَوْ وَجَدَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ فِي يَدِهِ . قَالَهُ جَمَاعَةٌ .
فَرْعٌ : مَنْ قَبَضَ دَيْنَهُ ، ثُمَّ بَانَ لَا دَيْنَ لَهُ ضَمَنَهُ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَخْذِ مَالٍ غَيْرِهِ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى إِيجَابِ ضَمَانِهِ حَتَّى يُفَسِّرَ أَنَّهُ عُدْوَانٌ وَمَنْ أَذِنَ لِغَرِيمِهِ فِي الصَّدَقَةِ بِدَيْنِهِ عَنْهُ ، أَوْ صَرْفِهِ ، أَوِ الْمُضَارَبَةِ بِهِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَا يَبْرَأُ ، وَعَنْهُ : يَصِحُّ وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى شِرَائِهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَفِي " النِّهَايَةِ " عَلَى قَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِمُوَكِّلِهِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَا إِنْ عَزَلَهُ وَضَارَبَ بِهِ ( وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا وَنَقَلَهَا الْمَرْوَزِيُّ ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، إِذْ وَضْعُ الرَّهْنِ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ مِنَ الْغَرِيمِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي " لَا يَصْرِفُهُ " رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلَكِنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَيُسْلِمُهُ وَيَشْتَرِيهِ الضَّامِنُ وَيُسْلِمُهُ لِئَلَّا يَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَالثَّانِيَةُ : نَقَلَهَا حَنْبَلٌ يَجُوزُ ، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ 203 إِلَى قَوْلِهِ : ( فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ) [ الْبَقَرَةِ : 283 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَابْنُ عُمَرَ السَّلَمُ مُرَادٌ مِنْهَا وَدَاخِلٌ فِيهَا فَهِيَ كَالنَّصِّ فِيهِ ، وَالْكَفِيلُ كَالرَّهْنِ بِجَامِعِ الْوَثِيقَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْعِ فَجَازَ التَّوْثِقَةُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَحِكَايَتُهُ عَنْهُمَا فِي " الْمُغْنِي " الْكَرَاهَةُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْهُمَا فَعَلَيْهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَأَيُّهُمَا قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مِنْهُ ، وَإِنْ زَالَ الْعَقْدُ بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَالضَّمَانُ ، وَعَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعِوَضٍ ، وَيَكُونُ كَبَقِيَّةِ الرُّهُونِ تُلْزَمُ بِالْقَبْضِ ، أَوْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا عَلَى رِوَايَةٍ وَإِذَا لَمْ تَلْزَمْ ، وَلَمْ يَقْبِضْ فَلِلْمُسْلِمِ الْفَسْخُ ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ جَارٍ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث