المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
( وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ كَعَبْدٍ وَشَاةٍ ) لِأَنَّهَا إِذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ ، فَالْمَجْهُولُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَارِثِ ، فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَالْمَعْلُومِ ( وَيُعْطَى ) أَيْ : يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ ( مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدٍ ، قَالَ الْقَاضِي : يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْ ذَكَرٍ ، أَوْ أُنْثَى ، وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا ذَكَرًا ; لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [ النُّورِ 32 ] وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، وَلِأَنَّهُ الْعُرْفُ ، وَبِدَلِيلِ الْوَكَالَةِ ، وَكَعَكْسِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ خُنْثَى ، فَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِوَاحِدٍ مِنْ رَقِيقِهِ ، شَمَلَ الْكُلَّ ( وَإِنِ اخْتَلَفَ الِاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ ، وَالْعُرْفِ كَالشَّاةِ فِي 52 الْعُرْفِ لِلْأُنْثَى وَالْبَعِيرِ وَالثَّوْرِ هُوَ فِي الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى ، غَلَبَ الْعُرْفُ ) فِي اخْتِيَارِ الْمُؤَلِّفِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالتَّبْصِرَةِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِعُرْفِهِ ، وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ ( وَقَالَ أَصْحَابُنَا : تَغْلِبُ الْحَقِيقَةُ ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، وَلِهَذَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَلَامُ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا أَوْصَى لَهُ بِشَاةٍ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ ، وَالْأُنْثَى ، وَالضَّأْنَ ، وَالْمَعَزَ ، وَالْكَبِيرَةَ ، وَالصَّغِيرَةَ ; لِأَنَّ اسْمَ الشَّاةِ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ : لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا أُنْثَى كَبِيرَةً ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ ، عُرْفُهُمْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ ، وَفِي الْخِلَافِ : الشِّيَاهُ : اسْمٌ لِجِنْسِ الْغَنَمِ ، يَتَنَاوَلُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ ، وَالْكَبْشُ : الذَّكَرُ الْكَبِيرُ مِنَ الضَّأْنِ ، وَالتَّيْسُ : الذَّكَرُ الْكَبِيرُ مِنَ الْمَعَزِ وَالْجَمَلِ الذَّكَرِ وَالنَّاقَةِ الْأُنْثَى ، وَلَوْ قَالَ : عَشَرَةٌ مِنْ إِبِلِي ، وَقَعَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَقِيلَ إِنْ قَالَ : عَشَرَةٌ بِالْهَاءِ ، فَهُوَ لِلذُّكُورِ ، وَإِنْ قَالَ : بِغَيْرِ هَاءٍ ، فَهُوَ لِلْإِنَاثِ ، وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ ، وَفِي الْبَعِيرِ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا فِي الشَّرْحِ ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ ، وَالثَّوْرُ الذَّكَرُ ، وَالْبَقَرَةُ لِلْأُنْثَى ( وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ ، فَإِنْ قَرَنَ بِهِ مَا يَصْرِفُهُ إِلَى أَحَدِهَا ، كَقَوْلِهِ : دَابَّةٌ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا ، انْصَرَفَ إِلَى الْخَيْلِ ، فَإِنْ قَالَ : دَابَّةٌ يُنْتَفَعُ بِظَهْرِهَا وَنَسْلِهَا ، خَرَجَ مِنْهُ الْبِغَالُ ، وَخَرَجَ مِنْهُ الذَّكَرُ ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ ، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا ، وَقِيلَ : يُعْتَبَرُ عُرْفُ الْبَلَدِ ، وَفِي التَّمْهِيدِ : فِي الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ الدَّابَّةُ لِلْفَرَسِ عُرْفًا ، وَالْإِطْلَاقُ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ ، وَقَالَهُ فِي الْفُنُونِ عَنْ أُصُولِي يَعْنِي نَفْسَهُ ، قَالَ : لِنَوْعِ 53 قُوَّةٍ فِي الدَّبِيبِ ; لِأَنَّهُ ذُو كَرٍّ وَفَرٍّ ، انْتَهَى . وَالْفَرَسُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَالْحِصَانُ لِلذَّكَرِ ، وَعَكْسُهُ الْحُجْرَةُ ، وَالْحِمَارُ لِلذَّكَرِ ، وَالْأَتَانُ لِلْأُنْثَى . فَرْعٌ : لَا يَسْتَحِقُّ لِلدَّابَّةِ سَرْجًا ، وَلَا لِلْبَعِيرِ رَحْلًا . ( وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ) وَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ ( صَحَّ ) لِأَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا أَقَلُّ مِنَ الْجَهَالَةِ فِي عَبْدٍ ، وَقَدْ صَحَّتْ فِيهِ ، فَلِأَنْ تَصِحُّ هُنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى ( وَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهُمْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفِ فِي خِلَافَيْهِمَا ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ ; لِأَنَّ لَفْظَهُ تَنَاوَلَ وَاحِدًا ، وَالْأَقَلُّ هُوَ الْيَقِينُ ، فَيَكُونُ هُوَ الْوَاجِبُ ، فَعَلَى هَذَا مَا يَدْفَعُهُ الْوَارِثُ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَعِيبٍ ، جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ ، يَلْزَمُ قَبُولُهُ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ ( وَقَالَ الْخِرَقِيُّ : يُعْطَى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ ) هَذَا رِوَايَةٌ ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ شِرَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ لَهُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ كَالْعِتْقِ ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الْفُرُوعِ شَيْئًا ، وَفِي التَّبْصِرَةِ : هُمَا فِي لَفْظٍ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقْتَضِي عَبْدًا مِنَ الْمَوْجُودِينَ حَالَ الْوَصِيَّةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا فِي الْكِيسِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ ، أَوْ بِدَارِهِ ، وَلَا دَارَ لَهُ ( وَتَصَحُّ فِي الْآخَرِ ) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَتِ الصِّفَةُ ، بَقِيَ أَصْلُ الْوَصِيَّةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُهَا ، ثُمَّ مَلَكَهَا ( وَيَشْتَرِي لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا ) لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ ، فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَصِيَّةِ ، وَكَقَوْلِهِ : عَبْدٌ مِنْ مَالِي ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِيمَنْ 54 قَالَ : أَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ أَحَدِ كِيسَيَّ ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا شَيْءٌ - يُعْطَى مِائَةً ; لِأَنَّهُ قَصَدَ إِعْطَاءَهُ ، وَإِنْ مَلَكَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَوَجْهَانِ ( فَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إِلَّا وَاحِدًا ) أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ ( تَعَيَّنَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْبَاقِي ، وَهَذَا إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ، وَقِيلَ : يُقْرَعُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ، وَإِنْ تَلِفَ رَقِيقُهُ جَمِيعُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، أَوْ بَعْدَهُ ، بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنَ الْوَارِثِ ، بَطَلَتْ ; لِأَنَّ التَّرِكَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِمْ لِحُصُولِهَا فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ . فَرْعٌ : أَوْصَى بِعِتْقِ أَحَدِ عَبِيدِهِ الْمَوْجُودِينَ ، صَحَّ ، وَأَجْزَأَ عِتْقُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا ، وَقِيلَ : مَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ ، وَهَلْ يَعْنِيهِ الْوَارِثُ أَوْ بِقُرْعَةٍ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : لِلْعَبِيدِ تَعْيِينُ عِتْقِ أَحَدِهِمْ . ( وَإِنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ ) إِمَّا بِاخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ بِالْقُرْعَةِ عَلَى الْخِلَافِ ( عَلَى قَاتِلِهِ ) لِأَنَّ حَقَّهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَقَدْ قَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ عَبَدَ غَيْرِهِ ، وَهَذَا إِذَا قُتِلُوا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي . فَرْعٌ : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِأُمِّ وَلَدِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : بَلَى ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : إِنْ جَازَ بَيْعُهَا وَلَمْ تُعْتَقْ بِمَوْتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا . ( وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ ) صَحَّ ; لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً ، فَإِنْ كَانَ ( لَهُ أَقْوَاسٌ لِلرَّمْيِ وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ ، فَلَهُ قَوْسُ النِّشَابِ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ( لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا ) وَيُسَمَّى الْفَارِسِيَّ ، وَقَوْسُ النَّبْلِ يُسَمَّى الْعَرَبِيَّ ( إِلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ ) كَمَا لَوْ كَانَ 55 الْمُوصَى لَهُ نَدَّافًا ، أَوْ بُنْدُقَانِيًّا ، أَوْ غَازِيًا ، فَإِنَّهُ ( تَصْرِفُ إِلَى غَيْرِهِ ) لِأَنَّ الْقَرِينَةَ كَالصَّرِيحِ ، وَهَذَا إِذَا أَطْلَقَ ، فَإِنْ وَصَفَهَا بِصِفَةٍ ، أَوْ كَانَ لَهُ قَوْسٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَتْ ( وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ : لَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهَا ، وَقِيلَ : لَهُ غَيْرُ قَوْسِ بُنْدُقٍ ، وَقِيلَ : مَا يَرْمِي بِهِ عَادَةً ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ وَتَرَهَا ; لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، وَقِيلَ : بَلَى ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا إِلَّا بِهِ فَكَانَ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا . ( وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ ) كَكَلْبِ الصَّيْدِ ، وَطَبْلِ الْحَرْبِ ( وَمُحَرَّمٌ ) كَضِدِّهِمَا وَكَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ( انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ ) لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً ، وَوُجُودُ الْمُحَرَّمِ كَعَدَمِهِ شَرْعًا ، فَلَا يَشْمَلُهُ اللَّفْظُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَقِيلَ : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا مَعًا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث