المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
( وَإِذَا أَوْصَى إِلَى وَاحِدٍ ، وَبَعْدَهُ إِلَى آخَرَ ، فَهُمَا وَصِيَّانِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إِلَيْهِمَا جَمِيعًا ( إِلَّا أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَخْرَجْتُ ) أَوْ عَزَلْتُ ( الْأَوَّلَ ) فَإِنَّهَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِعَزْلِهِ ، فَانْعَزَلَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ ، ثُمَّ عَزَلَهُ ( وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا ) أَيِ : الْوَصِيَّيْنِ سَوَاءٌ أَوْصَى إِلَيْهِمَا مَعًا ، أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ ( الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ كَالْوَكِيلَيْنِ ( إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ) فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ نَصَّ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَتَى تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا أَقَامَ الْحَاكِمُ مَكَانَ الْغَائِبِ أَمِينًا ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي جَعْلِ الْمَالِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ مِنْهُمَا ، جُعِلَ فِي مَكَانٍ ، يَكُونُ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ 103 عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، ( وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ) ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ ( أَقَامَ الْحَاكِمُ مَكَانَهُ أَمِينًا ) لُزُومًا ; لِأَنَّ الْمُوصَى لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ ، فَلَوْ أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالثَّانِي لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمَا مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْصِبَ مَكَانَهُمَا ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ وَجْهَانِ ، كَذَا فِي الشَّرْحِ ، وَالْفُرُوعِ ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَا إِذَا أَطْلَقَ ، فَإِنْ جُعِلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ ، لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إِقَامَةُ اثْنَيْنِ ، وَفِي الرِّعَايَةِ : إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ ، وَعَجَزَ الْآخَرُ عَنْهَا ، أَوْ فَسَقَ أَقَامَ اثْنَيْنِ ، كَمَا لَوْ عَجَزَا أَوْ فَسَقَا ، وَقِيلَ : يَكْفِي وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ إِنْ فَسَقَ ، أَيْ يُقِيمُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ أَمِينًا ، وَعَنْهُ : يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إِلَى الْفَاسِقِ وَالْكَلَامُ الْآنَ عَلَى الْفِسْقِ الطَّارِئِ ، فَعِنْدَ الْمُؤَلِّفِ ، هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْبُطْلَانَ ، وَيُقِيمُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ أَمِينًا ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ عَلَى الْفِسْقِ الطَّارِئِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَعِنْدَ الْمَجْدِ يُبَدَّلُ بِأَمِينٍ ، بِلَا نِزَاعٍ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّ فِي الِابْتِدَاءِ قَدْ رَضِيَهُ وَاخْتَارَهُ ، وَالظَّاهِرُ : أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى رَآهُ فِيهِ ، إِمَّا لِزِيَادَةِ حِفْظِهِ أَوْ إِحْكَامِ تَصَرُّفِهِ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يَرْبُو عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْخِيَانَةِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَرَأَ فِسْقُهُ ، فَحَالُ الْمُوصِي يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ بِعَدْلٍ وَلَا عَدْلَ ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْفِسْقِ الْمُقَارِنِ ، وَالطَّارِئِ بَعِيدٌ ، فَإِنَّ الشُّرُوطَ فِي الدَّوَامِ كَاعْتِبَارِهَا فِي الِابْتِدَاءِ ، سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ لِمَعْنًى يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدَّوَامِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّفْرِيقِ ، فَاعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الدَّوَامِ أَوْلَى مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْفِسْقَ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمُوصِي مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ ، وَأَوْصَى إِلَيْهِ رَاضِيًا 104 بِتَصَرُّفِهِ مَعَ فِسْقِهِ ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْيَتِيمِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّفْرِيطِ فِيهِ ، وَخِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا طَرَأَ فِسْقُهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِرِضَاهُ .
( وَيَصِحُّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ) لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكَالَةِ ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ ، قَبْلَ الْوَقْتِ ( وَبَعْدَ مَوْتِهِ ) لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ ، فَصَحَّ قَبُولُهَا كَالْوَصِيَّةِ ، وَمَتَى قَبِلَ صَارَ وَصِيًّا .
فَرْعٌ : يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا كَالْوَكَالَةِ ، وَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ ، فَمُقَاسَمَتُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُمْ ، ( وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ ) لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ ، وَظَاهِرُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، وَضِدِّهَا ( وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ) ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزَادَ : وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا بِحَضْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْتِزَامِ وَصِيَّتِهِ وَمَنَعَهُ بِذَلِكَ الْإِيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، وَحَنْبَلٌ : لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ حَاكِمًا ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ : إِنْ قَبِلَهَا ، ثُمَّ غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ، قَالَ : لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا إِذَا غَيَّرَ فِيهَا .
مَسْأَلَةٌ : مَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِمَعْرُوفٍ فِي ثُبُوتِهَا ، فَمِنْ مَالِ يَتِيمٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ .
105 ( وَلِلْوَصِيِّ عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ ) كَالْمُوَكَّلِ ( وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ ) أَيْ : إِذَا أَطْلَقَ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي تَوْلِيَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ كَالْوَكِيلِ ( إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تُوصِيَ إِلَى مَا شِئْتَ ، أَوْ كُلُّ مَنْ أَوْصَيْتَ إِلَيْهِ ، فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْهِ ، أَوْ هُوَ وَصِيٌّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَالْوَكِيلِ إِذَا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ ( وَعَنْهُ : لَهُ ذَلِكَ ) مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ ، فَمَلَكَ الْوَصِيَّةَ كَالْأَبِ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ، فَإِنَّ الْأَبَ يَلِي مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ أَحَدٍ ، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا : أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ ، وَيَصِحُّ فِيمَا لَا يَتَوَلَّاهُ مِثْلُهُ ، وَقِيلَ : إِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، جَازَ وَإِلَّا فَلَا .
تَنْبِيهٌ : إِذَا قَالَ : أَوْصَيْتُ إِلَى زَيْدٍ ، فَإِنْ مَاتَ ، فَعَمْرٌو ، صَحَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَصِيًّا إِلَّا أَنَّ عَمْرًا بَعْدَ زَيْدٍ ، وَمِثْلُهُ : أَوْصَى إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ تَابَ ابْنِي عَنْ فِسْقِهِ ، أَوْ قَدِمَ مِنْ غَيْبَتِهِ ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ، أَوْ رَشَدَ ، صَارَ الثَّانِي وَصِيًّا عِنْدَ الشَّرْطِ ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، أَوْ هُوَ وَصِيِّي سَنَةً ، ثُمَّ عَمْرٌو لِلْخَبَرِ : " أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ " ، وَالْوَصِيَّةُ كَالتَّأْمِيرِ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَيَتَوَجَّهُ لَا ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِنَابَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَهِيَ كَالْوَكَالَةِ فِي الْحَيَاةِ ، وَلِهَذَا هَلْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ ، وَيَعْزِلَ مَنْ وَصَّى إِلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَعْلُومٍ ، وَلِلْمُوصِي عَزْلُهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَالْوَكِيلِ ، فَلِهَذَا لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ إِذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ : الْإِمَامُ بَعْدِي فُلَانٌ ، فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ فِي حَيَاتِي أَوْ تَغَيَّرَ حَالُهُ ، فَالْخَلِيفَةُ فُلَانٌ ، صَحَّ ، وَكَذَا فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ ، وَإِنْ قَالَ : فُلَانٌ وَلِيُّ عَهْدِي ، فَإِنْ وَلِيَ ثُمَّ مَاتَ فَفُلَانٌ بَعْدَهُ ، لَمْ يَصِحَّ لِلثَّانِي ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ إِذَا وَلِيَ صَارَ إِمَامًا ، وَصَارَ 106 التَّصَرُّفُ ، وَالنَّظَرُ ، وَالِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ ، فَكَانَ الْعَهْدُ إِلَيْهِ فِيمَنْ يَرَاهُ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا جَعَلَ الْعَهْدَ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَتُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ لِلْمَعْهُودِ إِلَيْهِ إِمَامَةٌ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وِلَايَةَ الْحُكْمِ أَوْ وَظِيفَةً بِشَرْطِ شُغُورِهَا ، أَوْ بِشَرْطٍ فَوُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ مَوْتِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَالْقِيَامِ مَقَامَهُ ، أَنَّ وِلَايَتَهُ تَبْطُلُ ، وَأَنَّ النَّظَرَ وَالِاخْتِيَارَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ اعْتَبَرُوا وِلَايَةَ الْحُكْمِ بِالْوَكَالَةِ فِي مَسَائِلَ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطٍ ، بَطَلَ بِمَوْتِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ ، فَتَبْطُلُ تَصَرُّفَاتُهُ انْتَهَى ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْوِلَايَةِ بِالْوَكَالَةِ نَظَرًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالْمَوْتِ لَا تَصِحُّ بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ ، كَمَا إِذَا عَهِدَ الْإِمَامُ لِآخَرَ بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْوِلَايَةِ بِالْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا الْحَيَاةِ ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ إِجْمَاعًا ، وَتَبْطُلُ بِهِ ، فَهِيَ ضِدُّ الْوَكَالَةِ بِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ خَاصَّةً ، وَالْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي الْحَيَاةِ ، فَهُمَا مُتَضَادَّتَانِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ صِحَّتُهَا فِي الْحَيَاةِ ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْعَاهِدِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَزْلِهِ أَوْ جُنُونِهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ عَهْدُهُ ، كَمَا لَوْ زَالَ مِلْكُ الْمُوصِي عَنِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ .
( وَيَصِحُّ قَبُولُهُ لِلْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ) لِأَنَّهُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْوَكَالَةِ ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ ، قَبْلَ الْوَقْتِ ( وَبَعْدَ مَوْتِهِ ) لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ ، فَصَحَّ قَبُولُهَا كَالْوَصِيَّةِ ، وَمَتَى قَبِلَ صَارَ وَصِيًّا .
فَرْعٌ : يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا كَالْوَكَالَةِ ، وَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ ، فَمُقَاسَمَتُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُمْ ، ( وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ ) لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ ، وَظَاهِرُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، وَضِدِّهَا ( وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ) ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزَادَ : وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ فِي حَيَاتِهِ إِلَّا بِحَضْرَتِهِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْتِزَامِ وَصِيَّتِهِ وَمَنَعَهُ بِذَلِكَ الْإِيصَاءَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، وَحَنْبَلٌ : لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ حَاكِمًا ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِذَا لَمْ يُعْلِمْهُ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ : إِنْ قَبِلَهَا ، ثُمَّ غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ، قَالَ : لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا إِذَا غَيَّرَ فِيهَا .
مَسْأَلَةٌ : مَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِمَعْرُوفٍ فِي ثُبُوتِهَا ، فَمِنْ مَالِ يَتِيمٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ .
105 ( وَلِلْوَصِيِّ عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ ) كَالْمُوَكَّلِ ( وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ ) أَيْ : إِذَا أَطْلَقَ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي تَوْلِيَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ كَالْوَكِيلِ ( إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تُوصِيَ إِلَى مَا شِئْتَ ، أَوْ كُلُّ مَنْ أَوْصَيْتَ إِلَيْهِ ، فَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَيْهِ ، أَوْ هُوَ وَصِيٌّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَالْوَكِيلِ إِذَا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ ( وَعَنْهُ : لَهُ ذَلِكَ ) مُطْلَقًا ; لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ ، فَمَلَكَ الْوَصِيَّةَ كَالْأَبِ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ، فَإِنَّ الْأَبَ يَلِي مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ أَحَدٍ ، وَحَكَى فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا : أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ ، وَيَصِحُّ فِيمَا لَا يَتَوَلَّاهُ مِثْلُهُ ، وَقِيلَ : إِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، جَازَ وَإِلَّا فَلَا .
تَنْبِيهٌ : إِذَا قَالَ : أَوْصَيْتُ إِلَى زَيْدٍ ، فَإِنْ مَاتَ ، فَعَمْرٌو ، صَحَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَصِيًّا إِلَّا أَنَّ عَمْرًا بَعْدَ زَيْدٍ ، وَمِثْلُهُ : أَوْصَى إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ تَابَ ابْنِي عَنْ فِسْقِهِ ، أَوْ قَدِمَ مِنْ غَيْبَتِهِ ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ، أَوْ رَشَدَ ، صَارَ الثَّانِي وَصِيًّا عِنْدَ الشَّرْطِ ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، أَوْ هُوَ وَصِيِّي سَنَةً ، ثُمَّ عَمْرٌو لِلْخَبَرِ : " أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ " ، وَالْوَصِيَّةُ كَالتَّأْمِيرِ ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَيَتَوَجَّهُ لَا ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِنَابَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَهِيَ كَالْوَكَالَةِ فِي الْحَيَاةِ ، وَلِهَذَا هَلْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ ، وَيَعْزِلَ مَنْ وَصَّى إِلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَعْلُومٍ ، وَلِلْمُوصِي عَزْلُهُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَالْوَكِيلِ ، فَلِهَذَا لَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ إِذَا قَالَ الْخَلِيفَةُ : الْإِمَامُ بَعْدِي فُلَانٌ ، فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ فِي حَيَاتِي أَوْ تَغَيَّرَ حَالُهُ ، فَالْخَلِيفَةُ فُلَانٌ ، صَحَّ ، وَكَذَا فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ ، وَإِنْ قَالَ : فُلَانٌ وَلِيُّ عَهْدِي ، فَإِنْ وَلِيَ ثُمَّ مَاتَ فَفُلَانٌ بَعْدَهُ ، لَمْ يَصِحَّ لِلثَّانِي ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ إِذَا وَلِيَ صَارَ إِمَامًا ، وَصَارَ 106 التَّصَرُّفُ ، وَالنَّظَرُ ، وَالِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ ، فَكَانَ الْعَهْدُ إِلَيْهِ فِيمَنْ يَرَاهُ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا جَعَلَ الْعَهْدَ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَتُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ لِلْمَعْهُودِ إِلَيْهِ إِمَامَةٌ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وِلَايَةَ الْحُكْمِ أَوْ وَظِيفَةً بِشَرْطِ شُغُورِهَا ، أَوْ بِشَرْطٍ فَوُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ مَوْتِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَالْقِيَامِ مَقَامَهُ ، أَنَّ وِلَايَتَهُ تَبْطُلُ ، وَأَنَّ النَّظَرَ وَالِاخْتِيَارَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ اعْتَبَرُوا وِلَايَةَ الْحُكْمِ بِالْوَكَالَةِ فِي مَسَائِلَ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ بِشَرْطٍ ، بَطَلَ بِمَوْتِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ ، فَتَبْطُلُ تَصَرُّفَاتُهُ انْتَهَى ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْوِلَايَةِ بِالْوَكَالَةِ نَظَرًا ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ بِالْمَوْتِ لَا تَصِحُّ بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ ، كَمَا إِذَا عَهِدَ الْإِمَامُ لِآخَرَ بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْوِلَايَةِ بِالْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا الْحَيَاةِ ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْتِ إِجْمَاعًا ، وَتَبْطُلُ بِهِ ، فَهِيَ ضِدُّ الْوَكَالَةِ بِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ خَاصَّةً ، وَالْوَكَالَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي الْحَيَاةِ ، فَهُمَا مُتَضَادَّتَانِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ صِحَّتُهَا فِي الْحَيَاةِ ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْعَاهِدِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَزْلِهِ أَوْ جُنُونِهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ عَهْدُهُ ، كَمَا لَوْ زَالَ مِلْكُ الْمُوصِي عَنِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث