المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
الصفحة 198 · ص. المطبوع 282 · الشرح
( وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا ، وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا ) هَذَا هُوَ الْحَالُ الثَّانِي مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِيَةِ ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَعْلَمَ الْعَدَدَ ، وَلَا تَعْلَمَ الْوَقْتَ أَصْلًا ، مِثْلَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ ( جَلَسَتْهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ) هِلَالِيٍّ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَلَمْ يُفَرِّقُوا ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ حَيْضَ حَمْنَةَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، وَالصَّلَاةَ فِي بَقِيَّتِهِ ، 282 وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جِبِلَّةٌ ، وَالِاسْتِحَاضَةَ عَارِضَةٌ ، فَإِذَا رَأَتْهُ وَجَبَ تَغْلِيبُ دَمِ الْحَيْضِ ، وَقِيلَ : تَجْلِسُ فِي تَمْيِيزٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِنْ كَانَ ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ ( وَفِي الْآخَرِ : تَجْلِسُهَا بِالتَّحَرِّي ) قِيلَ : هُوَ الصَّوَابُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَدَّهَا إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَدَدِ فَكَذَا فِي الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْهِلَالِ فِي أَمْرِ الْحَيْضِ بِوَجْهٍ ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ : إِنْ ذَكَرَتْ أَوَّلَ الدَّمِ ، كَمُعْتَادَةٍ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَشْهُرًا ، ثُمَّ جَاءَ الدَّمُ خَامِسَ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ مَثَلًا ، وَاسْتَمَرَّ ، وَقَدْ أُنْسِيَتِ الْعَادَةَ ، فَالْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ . وَالثَّالِثُ : تَجْلِسُ مَجِيءَ الدَّمِ مِنْ خَامِسِ كُلِّ شَهْرٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ حَمْنَةَ ابْتِدَاءً بِجُلُوسِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ ، ثُمَّ تَصُومُ ، وَتُصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ ، وَقَالَ : ۝ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ وَلَيْسَ حَيْضُ النِّسَاءِ عِنْدَ رُءُوسِ الْأَهِلَّةِ غَالِبًا ، وَمَتَى تَعَذَّرَ التَّحَرِّي بِأَنْ يَتَسَاوَى عِنْدَهَا الْحَالُ ، وَلَمْ تَظُنَّ شَيْئًا ، أَوْ تَعَذَّرَ الْأَوَّلِيَّةُ ، عَمِلَتْ بِالْآخَرِ ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي : إِذَا عَلِمَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا وَجَهِلَتْ مَوْضِعَهَا بِأَنْ قَالَتْ : حَيْضَتِي أَحَدُ أَعْشَارِ الشَّهْرِ ، فَإِنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ كُلَّمَا مَضَى قَدْرُ عَادَتِهَا وَيُمْنَعُ وَطْؤُهَا ، وَتَقْضِي مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِقَدْرِهَا ، وَكَذَا الطَّوَافُ ، وَعَنْهُ : لَا تَجْلِسُ شَيْئًا .
( وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ) يَعْنِي أَنَّ فِيهِمَا الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ تُشَارِكُ مَنْ نَسِيَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا فِي تَعَذُّرِ الْجُلُوسِ فِي زَمَنٍ مُحَقَّقٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حُكْمُهَا ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ ، وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرُ ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا تَجْلِسُ فِي 283 أَوَّلِ الشَّهْرِ ( وَإِنْ عَلِمَتْ أَيَّامَهَا فِي وَقْتٍ مِنَ الشَّهْرِ كَنِصْفِهِ الْأَوَّلِ ) هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي ، وَهِيَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ ( جَلَسَتْهَا ) أَيِ : الْأَيَّامَ ( فِيهِ ) أَيْ : مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ مَا عَدَاهُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ ( إِمَّا مِنْ أَوَّلِهِ ) وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ ( أَوْ بِالتَّحَرِّي عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ ) الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فِيمَنْ نَسِيَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَدَدُ أَيَّامِهَا ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ يَكُونَ نِصْفَ الْمُدَّةِ فَأَقَلَّ ، أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّكَ تَضُمُّ الزَّائِدَ إِلَى مِثْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ ، فَهُوَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ ، فَإِذَا قَالَتْ : حَيْضَتِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ ، فَقَدْ زَادَتْ يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ ، فَتَضُمُّهَا إِلَى مِثْلِهَا ، فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إِلَى آخِرِ السَّابِعِ ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ ، أَوْ بِالتَّحَرِّي ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ ، وَحُكْمُهُ كَالْمُتَيَقَّنِ فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ ، حُكْمُهُ كَالْمُتَيَقَّنِ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ ، وَسَائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ ، لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْخَمْسَةَ الْأُولَى ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةَ ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مِنَ الْأُولَى ، وَبَاقِيهَا مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَحِينَئِذٍ تَجْلِسُهَا عَلَى الْخِلَافِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي النَّاسِيَةِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهَا عَرَفَتِ اسْتِحَاضَتَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث