المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السابع
بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ
( وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ ) أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ : مِنْ وُقُوعِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقَسْمِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ ، وَكَذَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَاقِلٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ ، وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [ الْمَسَدِ : 4 ] وَ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ [ التَّحْرِيمِ : 11 ] وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ ، لَا مِنْ سِفَاحٍ وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ثَبَتَ أَحْكَامُهَا كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا 114 ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَأَصَابَهَا ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَهِيَ عِنْدُهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِهِ .
( وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا ) فِي شَرْعِهِمْ ( وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا خُصُوصًا أَهْلَ هَجَرَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ عَقَدَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ : إِنَّهُ يُقَرُّ مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ( وَعَنْهُ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً أَوِ اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً : يَحُولُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ ) ; لِأَنَّهُ لَا مَسَاغَ لَهُ عِنْدَنَا ; وَلِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ ، أَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ الْفَاسِدِ ( فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ ) وَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ ; لِقَوْلِ عُمَرَ : فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ رَحِمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ ، فَلَوْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يُبَاحُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ ( فَإِنْ أَسْلَمُوا ) وَأَتَوْنَا ( أَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا ) قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ ( فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ) لِنَعْقِدَهُ لَهُمْ ( لَمْ نُمْضِهِ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ ) كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى عَقْدٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ الْمَائِدَةِ : 42 ] 115 أَيْ : بِالْعَدْلِ ( وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ ) حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ كَعَقْدِهِ فِي عِدَّةٍ فَرَغَتْ أَوْ بِلَا شُهُودٍ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، أَوْ بِلَا وَلِيٍّ ، وَصِيغَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتٍ مَاتَتْ ( لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ - أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ ( بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا كَذَاتِ مَحْرَمَهِ ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا ، أَوْ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) ; لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَضْعَفُ مِنِ الِابْتِدَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الِابْتِدَاءُ - وَهُوَ أَقْوَى - فَلِأَنْ لَا تَجُوزَ الِاسْتِدَامَةُ وَهِيَ أَضْعَفُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، فَإِنِ اعْتَقَدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ أُقِرَّا ( وَإِلَّا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ ) ; لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُبْطِلُهُ ، وَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ فِي الْمُفْسِدِ مُؤَبَّدًا ، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَسْلَمَا ، وَالْمَرْأَةُ بِنْتُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ زِنًا ، أَوْ هِيَ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الْعَقْدِ - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ، فَرِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ ، وَفِي حُبْلَى مِنْ زِنًا ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ إِلَى مُدَّةٍ هُمَا فِيهَا وَجْهَانِ .
( وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا ) ثُمَّ أَسْلَمَا ( أُقِرَّا ) ; لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لَهُ اعْتِقَادُهُ الْحِلَّ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ( وَإِلَّا فَلَا ) أَيْ : إِذَا لَمْ يُعْتِقَاهُ لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ ، وَحُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " : لَا يُقَرُّونَ ( وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى صَحِيحًا ) قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ ( أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ ، اسْتَقَرَّ ) ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى 116 مَا فَعَلُوهُ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ : 275 ] ; وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِإِبْطَالِهِ يُسْبَقُ ; لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ ; وَلِأَنَّ فِي التَّعَرُّضِ إِلَيْهِمْ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنَ الْفَرَائِضِ ; وَلِأَنَّهُمْ تَقَابَضُوا بِحُكْمِ الشِّرْكِ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ عَلَيْهِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَبَايَعُوا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضُوا ( وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ) كَالْخَمْرِ ( لَمْ تَقْبِضْهُ ) وَلَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ ( فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ) ; لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً ، فَكَذَا الْكَافِرَةُ ; وَلِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَعَنْهُ : لَا شَيْءَ لَهَا فِي خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَهَا فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي ، فَلَوْ أَسْلَمَا فَانْقَلَبَتْ خَلًّا وَطَلَّقَ ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ تَلِفَ الْخَلُّ ثُمَّ طَلَّقَ ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ مِثْلِهِ احْتِمَالَانِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَبَضَتْ بَعْضَ الْمُسَمَّى الْفَاسِدِ ، وَجَبَ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَتُعْتَبَرُ الْحِصَّةُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ بِهِ ، وَفِي مَعْدُودٍ قِيلَ : بِعَدِّهِ ، وَقِيلَ : بِقِيمَتِهِ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ مِنْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَهْرًا قَبَضَتْهُ ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا ، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا ، فَتُرْفَعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ - : لَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَهَلْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةٍ ، انْتَهَى . فَلَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَبَعْدَهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .
( وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ ) أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ : مِنْ وُقُوعِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْقَسْمِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ ، وَكَذَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ عَاقِلٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ ، وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [ الْمَسَدِ : 4 ] وَ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ [ التَّحْرِيمِ : 11 ] وَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ ، لَا مِنْ سِفَاحٍ وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ثَبَتَ أَحْكَامُهَا كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا 114 ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَأَصَابَهَا ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَهِيَ عِنْدُهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذُكِرَ فِي بَابِهِ .
( وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا ) فِي شَرْعِهِمْ ( وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا خُصُوصًا أَهْلَ هَجَرَ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِمْ ، فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَالزِّنَا ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ عَقَدَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ : إِنَّهُ يُقَرُّ مَا لَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا ( وَعَنْهُ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً أَوِ اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً : يَحُولُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ ) ; لِأَنَّهُ لَا مَسَاغَ لَهُ عِنْدَنَا ; وَلِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا ; وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ ، أَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُسْلِمِ الْفَاسِدِ ( فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ ) وَأَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ ; لِقَوْلِ عُمَرَ : فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ رَحِمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا ; لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ ، فَلَوْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يُبَاحُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ ( فَإِنْ أَسْلَمُوا ) وَأَتَوْنَا ( أَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا ) قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ ( فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ) لِنَعْقِدَهُ لَهُمْ ( لَمْ نُمْضِهِ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ ) كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، مِنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى عَقْدٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ الْمَائِدَةِ : 42 ] 115 أَيْ : بِالْعَدْلِ ( وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ ) حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ كَعَقْدِهِ فِي عِدَّةٍ فَرَغَتْ أَوْ بِلَا شُهُودٍ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، أَوْ بِلَا وَلِيٍّ ، وَصِيغَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتٍ مَاتَتْ ( لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ - أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ ( بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا كَذَاتِ مَحْرَمَهِ ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا ، أَوْ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ) ; لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَضْعَفُ مِنِ الِابْتِدَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يَجُزِ الِابْتِدَاءُ - وَهُوَ أَقْوَى - فَلِأَنْ لَا تَجُوزَ الِاسْتِدَامَةُ وَهِيَ أَضْعَفُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، فَإِنِ اعْتَقَدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ أُقِرَّا ( وَإِلَّا أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ ) ; لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُبْطِلُهُ ، وَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ فِي الْمُفْسِدِ مُؤَبَّدًا ، أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَسْلَمَا ، وَالْمَرْأَةُ بِنْتُهُ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ زِنًا ، أَوْ هِيَ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الْعَقْدِ - فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ، فَرِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ ، وَفِي حُبْلَى مِنْ زِنًا ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ إِلَى مُدَّةٍ هُمَا فِيهَا وَجْهَانِ .
( وَإِنْ قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا ) ثُمَّ أَسْلَمَا ( أُقِرَّا ) ; لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لَهُ اعْتِقَادُهُ الْحِلَّ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ( وَإِلَّا فَلَا ) أَيْ : إِذَا لَمْ يُعْتِقَاهُ لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ ، وَحُكْمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " : لَا يُقَرُّونَ ( وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى صَحِيحًا ) قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَضْ ( أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ ، اسْتَقَرَّ ) ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَى 116 مَا فَعَلُوهُ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ : 275 ] ; وَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِإِبْطَالِهِ يُسْبَقُ ; لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ ; وَلِأَنَّ فِي التَّعَرُّضِ إِلَيْهِمْ تَنْفِيرًا لَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنَ الْفَرَائِضِ ; وَلِأَنَّهُمْ تَقَابَضُوا بِحُكْمِ الشِّرْكِ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ عَلَيْهِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَبَايَعُوا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضُوا ( وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ) كَالْخَمْرِ ( لَمْ تَقْبِضْهُ ) وَلَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ ( فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ) ; لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً ، فَكَذَا الْكَافِرَةُ ; وَلِأَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَعَنْهُ : لَا شَيْءَ لَهَا فِي خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَهَا فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي ، فَلَوْ أَسْلَمَا فَانْقَلَبَتْ خَلًّا وَطَلَّقَ ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ تَلِفَ الْخَلُّ ثُمَّ طَلَّقَ ، فَفِي رُجُوعِهِ بِنِصْفِ مِثْلِهِ احْتِمَالَانِ .
فَرْعٌ : إِذَا قَبَضَتْ بَعْضَ الْمُسَمَّى الْفَاسِدِ ، وَجَبَ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَتُعْتَبَرُ الْحِصَّةُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ بِهِ ، وَفِي مَعْدُودٍ قِيلَ : بِعَدِّهِ ، وَقِيلَ : بِقِيمَتِهِ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ مِنْ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَهْرًا قَبَضَتْهُ ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا ، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا ، فَتُرْفَعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ - : لَا مَهْرَ لَهَا ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَهَلْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُسْلِمِ إِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةٍ ، انْتَهَى . فَلَوْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَبَعْدَهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث