المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 320 · printed p. 401 · commentary
بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ .
قَالَ الْوَاحِدِيُّ : الْقِبْلَةُ الْوُجْهَةُ ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنَ الْمُقَابَلَةِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مَا لَهُ قِبْلَةٌ وَلَا دُبْرَةٌ ، إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ ، وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ : الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا ، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالِ الَّتِي يُجْلَسُ عَلَيْهَا ، إِلَّا أَنَّهَا الْآنَ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي ، وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُقَابِلُهَا ، وَهِيَ تُقَابِلُهُ ( وَهُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ الْبَقَرَةِ : 144 ] قَالَ عَلِيٌّ : شَطْرَهُ قِبَلَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : ۝ بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا ، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَتْ شِرْعَةُ التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ بِالسُّنَّةِ أَوِ الْقُرْآنِ ؛ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالرَّبِيعِ ، وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِصَلَاتِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَسُئِلَ عَنْهَا ابْنُ عَقِيلٍ فَقَالَ : الْجَوَابُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثُمَةَ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ قِيلَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَصَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ ( إِلَّا فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْهُ ) كَالْمَرْبُوطِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَالْمَصْلُوبِ وَنَحْوِهِمَا ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ كَالْقِيَامِ ، وَمِنْهُ : إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، وَيَأْتِي ( وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ ) هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ 401 الْمَسَافَةِ ، وَجَمْعُهُ أَسْفَارٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ ( الطَّوِيلُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ ( وَالْقَصِيرُ ) هُوَ مُغْنٍ عَنِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي الْقَصِيرِ جَازَ فِي الطَّوِيلِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ : 115 ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ : نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً ، وَلِمَا رَوَى هُوَ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ إِذَا كَانَ مُبَاحًا ، زَادَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ تَمِيمٍ ، وَغَيْرُهُمَا : إِذَا كَانَ يَقْصِدُ جِهَةً مُعَيَّنَةً لَا مِنْ رَاكِبِ التَّعَاسِيفِ ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَهُوَ أَخْفَضُ مِنْ رُكُوعِهِ ، هَذَا إِذَا كَانَ الرَّاكِبُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِفَخْذَيْهِ وَسَاقَيْهِ كَرَاحِلَةِ الْقَتْبِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْهَوْدَجِ وَالْعَمَارِيَّةِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَزِمَهُ ، لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُشِقٍّ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَهُمَا لَزِمَهُ وَأَوْمَأَ بِهِمَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرُهُ ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ ، وَلَعَلَّهُ كَلَامُهُ ، وَيُعْتَبَرُ طَهَارَةُ مَحَلِّهِ نَحْوَ سَرْجٍ وَرِكَابٍ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَرْكُوبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَعَنْهُ : يَجُوزُ لِلسَّائِرِ الرَّاكِبِ خَارِجَ الْمِصْرِ ، فَعَلَهُ أَنَسٌ ، لِأَنَّهُ رَاكِبٌ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ .
402 ( وَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي ) فِي السَّفَرِ سَائِرًا ( عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ، وَ " الْوَجِيزِ " لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الرَّاكِبِ ، وَالْمَاشِي بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ بِمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ ، وَالثَّانِيَةُ : نَقَلَهَا الْمُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ يَجُوزُ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنِ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي .
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ ، وَيَفْعَلُ مَا سِوَى ذَلِكَ مَاشِيًا إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ ، وَقِيلَ : يُومِئُ بِهِمَا إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ ، وَقِيلَ : مَا سِوَى الْقِيَامِ يَفْعَلُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَاشٍ .
( وَإِنْ أَمْكَنَهُ ) أَيِ : الرَّاكِبَ ( افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ ) أَيْ : بِالْإِحْرَامِ ( إِلَى الْقِبْلَةِ ) بِالدَّابَّةِ أَوْ بِنَفْسِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ ( فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : يَلْزَمُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَنَقَلَهُ ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ وَالْمَذْهَبُ ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وُجْهَةُ رِكَابِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَهَذَا لَفْظُهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَزِمَهُ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَلْزَمُهُ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ سَائِرَهَا ، وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ 403 يُمْكِنُهُ اسْتِقْبَالُهَا بِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ ، أَوْ جَمَلٍ مَقْطُورٍ لَا يُمْكِنُهُ إِدَارَتُهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ ، أَشْبَهَ الْخَائِفَ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ كَسَفِينَةٍ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، فَدَلَّ أَنَّهُ وِفَاقٌ ، وَقِيلَ : لَا يَلْزَمُهُ ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ لِلتَّسَاوِي فِي الرُّخَصِ الْعَامَّةِ فَدَلَّ أَنَّ السَّفِينَةَ كَذَلِكَ كَالْمِحَفَّةِ .
تَذْنِيبٌ : إِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا جَازَ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلًا : لَا ، فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith