المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
page 3280 · printed p. 326 · commentary
326 بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ .
( إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُسْقِطُهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي . أَوْ قَدْ قَبَضَهُ ، أَوِ اسْتَوْفَاهُ ، أَوْ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ ، أَوْ تَكَفَّلْتُ بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ، أَوْ أَلْفٌ إِلَّا أَلْفًا أَوْ إِلَّا سِتَّمِائَةٍ ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ ) وَفِيهِ مَسَائِلُ : الْأُولَى : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي . لَزِمَهُ الْأَلْفُ ; لِأَنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ ; لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُهُ فَيُلْغَى هُوَ ، وَتَلْزَمُهُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضُ . وَفِيهِ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ حَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِرَفْعِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ . وَذَكَرَ الْقَاضِي : أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي ; لِأَنَّهُ عَزَا إِقْرَارَهُ إِلَى سَبَبِهِ فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ عَزَاهُ إِلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ . وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَجَوَابُهُ : أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا . أَوْ يَقُولُ : رُفِعَ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ . فَلَمْ يُقْبَلْ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ . الثَّانِيَةُ : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَدْ قَضَيْتُهُ ، وَكَانَ سَرِيعًا أَوْ بَعْضُهُ . قُبِلَ يَمِينُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، اخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا .
وَعَنْهُ : يُقْبَلُ فِي بَعْضِهِ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ . وَإِنْ قَالَ : قَضَيْتُ جَمِيعَهُ . لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ 327 كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ . وَإِذَا قَالَ : جَوَابًا لِلدَّعْوَى أَبْرَأَنِي مِنْهَا ، أَوْ بَرِئْتُ إِلَيْهِ مِنْهَا . فَالْخِلَافُ . الثَّالِثَةُ : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ اسْتَوْفَاهَا . لَزِمَهُ الْأَلْفُ . الرَّابِعَةُ : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ . لَزِمَهُ الْأَلْفُ ; لِأَنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ . فَذِكْرُهُ لَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ رَفْعٌ لِلْأَلْفِ بِجُمْلَتِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْأُولَى : لَا مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَلْفٌ . الْخَامِسَةُ : إِذَا قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِشَرْطِ خِيَارٍ . فَتَلْزَمُهُ الْأَلْفُ ، عَلَى الْأَشْهَرِ . السَّادِسَةُ : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَلْفًا . لَزِمَهُ الْأَلْفُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ .
السَّابِعَةُ : إِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا سِتَّمِائَةٍ . لَزِمَهُ الْأَلْفُ ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ . وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " . وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَوْ لَمْ أَقْبَضْهُ ، أَوْ مِنْ مُضَارَبَةٍ تَلِفَتْ ، وَشَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ عَادَةً . فَوَجْهَانِ .
فَرْعٌ : قَالَ لَهُ : لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ . فَقَالَ : قَضَيْتُكَ مِنْهُ مِائَةً . فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْبَاقِي . وَيَجِيءُ عَلَى الرِّوَايَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا ادَّعَى قَضَاءَهُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " الْمُنْتَخَبِ " . ( وَإِنْ قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَضَيْتُهُ ، أَوْ قَضَيْتُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ . فَقَالَ الْخِرَقِيُّ ) وَعَامَّةُ شُيُوخِنَا ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " : ( لَيْسَ بِإِقْرَارٍ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ . ( وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ) ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ : أَنَّ أَحْمَدَ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُمْكِنُ صِدْقُهُ وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَاسْتِثْنَاءِ 328 الْبَعْضِ ، بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ .
وَلِهَذَا لَا يَرْفَعُهُ اسْتِثْنَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ . ( وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ مُقِرًّا ) لِأَنَّ قَوْلَهُ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ . يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَرِّ بِهِ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ سَكَتَ عَلَيْهِ ( مُدَّعِيًا لِلْقَضَاءِ ) لِأَنَّ قَوْلَهُ : قَضَيْتُهُ . دَعْوَى لِذَلِكَ ( فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا لَوِ ادَّعَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ ، وَكَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ . ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ وَلَمْ يَبْرَأْ ، وَاسْتَحَقَّ ) لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ادَّعَى الْقَضَاءَ ، وَقَوْلُهُ مُحْتَمِلٌ . فَيَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْتَحِقُّ ; لِأَنَّ خَصْمَهُ أَقَرَّ بِهِ . ( وَقَالَ : هَذِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ) وَاخْتَارَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَغَيْرُهُ ; لِسُكُوتِهِ قَبْلَ دَعْوَاهُ . وَعَنْهُ : لَيْسَ بِجَوَابٍ صَحِيحٍ فَيُطَالَبُ بِرَدِّ الْجَوَابِ . وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " : هُوَ أَشْهَرُ .
وَقِيلَ : تُقْبَلُ دَعْوَى الْوَفَاءِ لَا الْإِبْرَاءِ . وَبَنَى عَلَيْهَا فِي " الْوَسِيلَةِ " لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَخَذْتُ مِنْكَ كَذَا قَبْلَ الْعِتْقِ . قَالَ : بَعْدَهُ .
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا لَوْ قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ . هَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ ؛ فَذَكَرَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ : لَا تُسْمَعُ . قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ " : بِلَا خِلَافٍ . تَنْبِيهٌ : إِذَا قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ . وَسَكَتَ ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا .
وَيَتَخَرَّجُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ 329 فِي زَمَنٍ مَاضٍ . وَكَذَا لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ . وَجَوَابُهُ : أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ .
وَالْأَصْلُ : بَقَاؤُهُ حَتَّى يُوجَدَ مَا يَرْفَعُهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكُهُ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا . إِلَّا أَنَّهُ هُنَا إِذَا عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوِ الْإِبْرَاءَ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيهِ ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith