المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الحادي عشر
الصفحة 3445 · ص. المطبوع 77
" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " .
لَفْظُهُ خَبَرٌ ، وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالِاسْتِجَابَةِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى سَمِعَ اسْتَجَابَ قَالَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً مِنَ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِينَ ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ . وَعَلَى مَذْهَبِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي جَمْعِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ ، فَتَشِيعَ الدَّعْوَةُ مِنْ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَلِأَصْحَابِهِ . آخِرُ كَلَامِهِ .
" رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " .
صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَدُونِهَا فَكِلَاهُمَا مُجْزِئٌ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ بِالْوَاوِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَيَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ : الدُّعَاءُ وَالِاعْتِرَافُ ؛ أَيْ رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِكَ إِيَّانَا . وَيُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهْ ، بِمَعْنَى الدُّعَاءِ ، وَعَلَى حَذْفِ الْوَاوِ يَكُونُ بِالْحَمْدِ مُجَرَّدًا ، وَيُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، خَبَرٌ .
" ۝ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ " .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا كَلَامُ تَمْثِيلٍ وَتَقْرِيبٍ ، وَالْكَلَامُ لَا يُقَدَّرُ بِالْمَكَايِيلِ ، وَلَا تُحْشَى بِهِ الظُّرُوفُ ، وَلَا تَسَعُهُ الْأَوْعِيَةُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ : تَكْثِيرُ الْعَدَدِ حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ أَجْسَامًا ، تَمْلَأُ الْأَمَاكِنَ ، لَبَلَغَتْ مِنْ كَثْرَتِهَا مَا يَمْلَأُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ، قَالَ : وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَجْرَهَا وَثَوَابَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّعْظِيمُ لَهَا وَالتَّفْخِيمُ لِشَأْنِهَا ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : تَكَلَّمَ فُلَانٌ الْيَوْمَ بِكَلِمَةٍ كَأَنَّهَا جَبَلٌ ، وَحَلَفَ بِيَمِينٍ كَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ، كَمَا يُقَالُ : هَذِهِ الْكَلِمَةُ تَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ ؛ أَيْ إِنَّهَا تَسِيرُ 77 وَتَنْتَشِرُ فِي الْأَرْضِ ، كَمَا قَالُوا : كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ وَتَمْلَأُ السَّمْعَ وَنَحْوُهَا مِنَ الْكَلَامِ . وَالْمِلْءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الِاسْمُ مِنْ قَوْلِكَ : مَلَأْتُ الْإِنَاءَ أَمْلَؤُهُ مَلَأً . آخِرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ . وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ : " مِلْءَ " بِالنَّصْبِ وَوَجْهُهُ : أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ : لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا مِلْءَ السَّمَاءِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ ، وَوَجْهُهُ : أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَمْدِ ؛ أَيْ لَكَ الْحَمْدُ الْمَالِئُ ؛ لِأَنَّ " مِلْءَ " وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُشْتَقِّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث