المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
تَنْبِيهٌ : إِذَا عَجَزَ عَنِ السُّجُودِ بِغَيْرِ الْجَبْهَةِ سَجَدَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ هُوَ الْهُبُوطُ ، وَلَا يَحْصُلُ بِالرَّفْعِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْجَبْهَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ إِلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ : إِنَّهُ يُجْزِئُهُ ، حَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَقِيلَ : لَا يَسْقُطُ ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُهُ بِدُونِ بَعْضِهَا ، وَيُمْكِنُ رَفْعُهُ بِدُونِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَيُجْزِئُهُ بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا ، وَذَكَرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَجِبُ سُجُودُهُ بِبَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَقِيلَ : وَأَصَابِعُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُهُ عَلَى كِلَاهُمَا عَنْ جَبْهَتِهِ وِفَاقًا ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْزَاءَ ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا ، قُلْتُ : وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ ، وَالْأَنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ ، 455 لِإِشَارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِ ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهِ .
( وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ ، لِصِحَّةِ صَلَاةِ لَابِسِ الْخُفَّيْنِ ، وَفِي الرُّكْبَتَيْنِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْعَوْرَةِ أَوْ مِنْهَا ، عِنْدَ بَعْضٍ ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الْيَدَيْنِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : جَاءَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( إِلَّا الْجَبْهَةَ ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِهَا ( عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ لِقَوْلِ خَبَّابٍ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا ، فَلَمْ يُشْكِنَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ جِبَاهُنَا وَأَكُفُّنَا ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْسِرِ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةَ ، وَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَائِلٌ لَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَجِبُ ، وَهِيَ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ ، وَنَصَرَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُونَ ، وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ ، وَعَلَى عَمَائِمِهِمْ . وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ مَا يُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ أَوْ تَسْقِيفِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ ، لَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا الرُّخْصَةَ فِي السُّجُودِ عَلَى الْعَمَائِمِ ، وَالْأَكْمَامِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ 456 يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَفِي كَرَاهَةِ حَائِلٍ مُتَّصِلٍ حَتَّى طِينٍ كَثِيرٍ رِوَايَتَانِ ، وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ ، نَقَلَهُ صَالِحٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَيْسَ بِمُرَادٍ ، بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ : يُكْرَهُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لِتَرْكِ الْخُشُوعِ ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ .
( وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ ، لِصِحَّةِ صَلَاةِ لَابِسِ الْخُفَّيْنِ ، وَفِي الرُّكْبَتَيْنِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْعَوْرَةِ أَوْ مِنْهَا ، عِنْدَ بَعْضٍ ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الْيَدَيْنِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : جَاءَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ( إِلَّا الْجَبْهَةَ ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِهَا ( عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ لِقَوْلِ خَبَّابٍ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا ، فَلَمْ يُشْكِنَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ جِبَاهُنَا وَأَكُفُّنَا ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْسِرِ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةَ ، وَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَائِلٌ لَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَجِبُ ، وَهِيَ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ ، وَنَصَرَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُونَ ، وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ ، وَعَلَى عَمَائِمِهِمْ . وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ مَا يُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ أَوْ تَسْقِيفِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ ، لَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا الرُّخْصَةَ فِي السُّجُودِ عَلَى الْعَمَائِمِ ، وَالْأَكْمَامِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ 456 يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَفِي كَرَاهَةِ حَائِلٍ مُتَّصِلٍ حَتَّى طِينٍ كَثِيرٍ رِوَايَتَانِ ، وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ ، نَقَلَهُ صَالِحٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَيْسَ بِمُرَادٍ ، بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ : يُكْرَهُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لِتَرْكِ الْخُشُوعِ ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith