المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
الصفحة 913 · ص. المطبوع 437 · الشرح
( وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى سَائِرِ مَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) ، وَفِيهِ مَسَائِلُ .
الْأُولَى : ظَاهِرُ " الْمَذْهَبِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِ عَمُودَيْ نَسَبِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ ، كَالْأُخْتِ أَوِ الْأَخِ ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " ۝ وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَكَمَا لَوْ تَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ ، وَحُكْمُ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ كَذَلِكَ ، وَإِذَا قِيلَ زَكَاةٌ ، دَفَعَهَا إِلَيْهِ قَرِيبُهُ وَلَا نَفَقَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ، وَطَالَبَ بِنَفَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أُجْبِرَ ، وَلَا يُجْزِئْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَعْلُهَا زَكَاةً .
437 وَالثَّانِيَةُ : الْمَنْعُ ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " ، وَالْقَاضِي ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ لِغِنَاهُ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إِلَى الدَّافِعِ ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَرِيبَ إِذَا لَمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ ، فَلَوْ وَرِثَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، كَعَمَّةٍ وَابْنِ أَخِيهَا ، وَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ ، وَأَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَفِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ الْخِلَافُ ، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ ، فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ ، وَفِي الْإِرْثِ بِالرَّدِّ الْخِلَافُ ، وَعَلَى الْمَنْعِ يُعْطَى قَرِيبُهُ لِعُمَالَةٍ وَتَأْلِيفٍ ، وَغَزْوٍ وَغُرْمٍ لِذَاتِ الْبَيْنِ ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ : لَوْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ يَتِيمٍ ، وَضَمَّهُ إِلَى عِيَالِهِ جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ ، وَاخْتَارَهُ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْإِرْشَادِ " : لَا ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّهُ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَى بِهَا مَالَهُ وَعِرْضَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا فِي غَيْرِ مُؤْنَتِهِ الَّتِي عَوَّدَهُ إِيَّاهَا تَبَرُّعًا ، جَازَ ، نَصَّ عَلَيْهِ .
الثَّانِيَةُ : يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الزَّوْجِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤَلِّفُ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي فَقَالَ : " ۝ لَهَا أَجْرَانِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالثَّانِيَةُ ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ؛ وَلِأَنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إِلَيْهَا لِتَمَكُّنِهَا مِنْ أَخْذِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ مِنْهُ ، أَوْ مِنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ مَعَ الْعَجْزِ الْكُلِّيِّ ، وَحَدِيثُ زَيْنَبَ تَأَوَّلَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسِيسٍ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ ، وَجَوَابُهُ 438 بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ جَمَاعَةٌ شَيْئًا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ فِي الزَّوْجَيْنِ لَغُرْمٍ لِنَفْسِهِ وَكِتَابَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ نَفَقَةَ وَاجِبٍ كَعَمُودَيْ نَسَبِهِ .
الثَّالِثَةُ : يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا " الْخِرَقِيُّ " ، وَالشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمْ لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ ؛ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ؛ وَهُوَ لَا يَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ ، وَأَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ ، وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ بَلْ بِالنُّصْرَةِ ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا ، بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ ، وَالثَّانِيَةُ : نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْمُنَجَّا : الْمَنْعُ لِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا قَالَ : " ۝ بَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ فَمُنِعُوا كَبَنِي هَاشِمٍ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُنِعُوا مِنَ الْخُمُسِ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَأَتَّى الْخِلَافُ هُنَا ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَوَالِيهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : لَا تُعْرَفُ فِيهِ رِوَايَةٌ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ ، وَجَزَمَ فِي " الْوَجِيزِ " بِالْمَنْعِ ، وَسُئِلَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ مَوْلَى قُرَيْشٍ : يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ ؛ قَالَ : مَا يُعْجِبُنِي ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ مَوْلَى مَوْلًى ؛ قَالَ : هَذَا أَبْعَدُ فَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ .
( وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ) كَبَنِي هَاشِمٍ وَالْعَبِيدِ ( وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ) أَيْ : جَاهِلًا بِحَالِهِ ( ثُمَّ عَلِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " ، وَفِي " الْفُرُوعِ " فِي الْأَشْهَرِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ ، وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ 439 بِجَهَالَتِهِ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي الْكُفْرِ لِتَقْصِيرِهِ لِظُهُورِهِ غَالِبًا ، فَعَلَى ذَلِكَ يُسْتَرَدُّ بِزِيَادَتِهِ مُطْلَقًا ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي ، وَشَمَلَ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَرِيبًا ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا ، وَأَطْلَقَ فِيهَا فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْغَنِيِّ رِوَايَتَيْنِ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ : يُجْزِئُهُ ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَرَفَهَا وَكِيلُ الْمَالِكِ إِلَيْهِ وَهُوَ فَقِيرٌ ، فَلَمْ يَعْلَمَا ، لَا تُجْزِئُ لِعَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ ، ( إِلَّا لِغَنِيٍّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا ) فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ( فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِلْمَشَقَّةِ ، لِخَفَاءِ ذَلِكَ عَادَةً ، فَلَا يَمْلِكُهَا الْآخِذُ ، وَالثَّانِيَةُ وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ ، وَالْمَجْدُ ، وَغَيْرُهُمَا : لَا يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ بَانَ كَافِرًا ، وَلِحَقِّ الْآدَمِيِّ ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْغَنِيِّ بِهَا أَوْ بِقِيمَتِهَا إِنْ تَلِفَتْ يَوْمَ تَلَفِهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا زَكَاةٌ ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَمَنْ مَلَكَ الرُّجُوعَ فَمَاتَ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ إِلَى فَقِيرٍ فَبَانَ غَنِيًّا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ، قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الزَّكَاةِ إِبْرَاءُ الذِّمَّةِ ، وَلَمْ تَحْصُلْ ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ ، وَفِي التَّطَوُّعِ الثَّوَابُ ، وَلَمْ يَفُتْ .
فَرْعٌ : إِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ أَهْلًا فَبَانَ غَيْرَهُ ، فَرِوَايَاتٌ ، ثَالِثُهَا : لَا يَضْمَنُ إِذَا بَانَ غَنِيًّا ، وَيَضْمَنُ غَيْرُهُ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ أَشْهَرُ ، وَجَزَمَ الْمَجْدُ : لَا يَضْمَنُ مَعَ الْغِنَى ، وَفِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ .
تَنْبِيهٌ : يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُ الْمُعْطَى ، لَكِنْ لِلْإِمَامِ قَضَاءُ دَيْنِ مَدْيُونٍ حَيٍّ ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ ، وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ ، وَعَنْهُ : إِنْ أَكَلَ الطَّعَامَ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ : يُصْرَفُ ذَلِكَ فِي أُجْرَةِ رِضَاعِهِ وَكُسْوَتِهِ ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَيَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُ مَنْ يَلِي مَالَهُ ، وَكَذَا الْهِبَةُ وَالْكَفَّارَةُ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : قَالَ 440 سُفْيَانُ : لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إِلَّا الْأَبُ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ قَاضٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : جَيِّدٌ ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ احْتِمَالًا أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ أَوْ قَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ عَنِ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث