المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
page 994 · printed p. 108 · commentary
بَابُ الْمَوَاقِيتِ هِيَ جَمْعُ مِيقَاتٍ ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً : الْحَدُّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا : زَمَنُ الْعِبَادَةِ ، وَمَكَانُهَا .
( وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ، وَفَتْحِ اللَّامِ بَيْنَهَا ، وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ ، [ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ] مَسِيرَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، ( وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْغَرْبِ مِنَ الْجُحْفَةِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ اسْمُهَا " مَهْيَعَةَ " فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا ، وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْبَحْرِ ، وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَثَلَاثٍ مِنْ مَكَّةَ ، ( وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ ) وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ، وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُ " أَلَمْلَمُ " وَلَيْسَتْ بِمَزِيدَةٍ ، ( وَأَهْلِ نَجْدٍ ) هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَسُكُونِ الْجِيمِ قَالَ صَاحِبُ " الْمَطَالِعِ " : هُوَ مَا بَيْنَ جُرَشَ إِلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ ، وَكُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ ، وَالْغَوْرُ : هُوَ تِهَامَةُ كُلُّهَا ، وَكُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَنَجْدٌ انْتَهَى . فَنَجْدُ الْيَمَنِ وَنَجْدُ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ ( قَرْنٌ ) بِسُكُونِ الرَّاءِ فَقَطْ ، وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ ، وَهُوَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى يَوْمٍ ، وَلَيْلَةٍ مِنْهَا ، ( وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ ) مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا ، وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ ، وَقِيلَ : الْعِرْقُ الْأَرْضُ السَّبْخَةُ تُنْبِتُ الطُّرَفَاءَ ، وَأَصْلُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ، هُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ ، وَالْعُمْرَةَ ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ .
108 وَعَنْ عَائِشَةَ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
فَدَلَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " : أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلصَّوَابِ ، وَلَيْسَ الْأَفْضَلُ لِلْعِرَاقِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْعَقِيقِ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ .
وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ . تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ ، ( وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا ) كَمَا سَلَفَ ( وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ ) كَالشَّامِيِّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، قِيلَ لَهُ : يُهِلُّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنَ الْجُحْفَةِ ؛ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ . وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَعَطَاءً ، وَأَبَا ثَوْرٍ قَالُوا : يُحْرِمُ مِنَ الْجُحْفَةِ ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى مِثْلِهِ . قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ( وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ ، وَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ يَسْكُنُهَا جَازَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ أَيِّ : جَوَانِبِهَا شَاءَ ، وَالْأَوْلَى الْأَبْعَدُ ، ( وَأَهْلُ مَكَّةَ إِذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ فَمِنَ الْحِلِّ ) ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعَمِّرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْحِلِّ لِيَجْتَمِعَ فِي إِحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخِلَافِ 109 الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ . وَظَاهِرُهُ مِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ ، جَازَ ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ : كُلَّمَا تَبَاعَدَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ قِيلَ : التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إِلَى مَكَّةَ ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " الْجِعْرَانَةُ لِاعْتِمَارِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْهَا ، ثُمَّ مِنْهُ ، ثُمَّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ .
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إِذَا أَرَادَ عُمْرَةً وَاجِبَةً فَمِنَ الْمِيقَاتِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ لِمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ، وَأَحْرَمَ دُونَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْلًا ، فَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ، فَلَوْ خَالَفَ فَأَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِمُخَالَفَةِ الْمِيقَاتِ ، وَيُجْزِئُهُ إِنْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِهَا ، وَكَذَا بَعْدَهُ ، كَإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِ الْحَجِّ ، وَقِيلَ : لَا ; لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا كَالْحَجِّ فَعَلَيْهِ لَا يُعْتَدُّ بِأَفْعَالِهِ ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا ، وَإِنْ أَتَى مَحْظُورًا فَدَى ، وَبِالْوَطْءِ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَقَضَاهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْحِلِّ ، وَيُجْزِئُهُ عَنْهَا ، وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ .
فَرْعٌ : حُكْمُ مَنْ كَانَ بِالْحَرَمِ حُكْمُ مَنْ بِمَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith