المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( وَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُخْتَارًا لِمِيقَاتِ الْمَكَانِ ( فَإِنْ فَعَلَ ) أَيْ : أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِ الْمَكَانِ ، وَالزَّمَانِ ( فَهُوَ مُحَرَّمٌ ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الصِّحَّةَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ إِجْمَاعًا ; لِأَنَّهُ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَبْلَ دَاوُدَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُعْظَمُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، وَكَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ ، وَأَنْكَرَهُ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرَ ، وَعُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .
114 قَالَ الْبُخَارِيُّ : كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، فَكُرِهَ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ ، وَلِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ مَحْظُورٍ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ ، وَالْوِصَالُ ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَمْنُ مَعَ احْتِمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ صِحَّةُ الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ كَالْأَوَّلِ نَقَلَ طَالِبٌ وَسِنْدِيٌّ : يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ ، فَلَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ ، وَعَنْهُ : يَنْعَقِدُ عُمْرَةً ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ ، وَابْنُ حَامِدٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً لَا يَجُوزُ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ الْبَقَرَةِ : 189 ] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ ، وَقَوْلُهُ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ الْبَقَرَةِ : 197 ] أَيْ : مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَوْ أَرَادَ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ ، وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ ، أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ ، وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ ، وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
( وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ) رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهُ ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ : الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَنَقُولُ : سِرْنَا عَشْرًا ، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ ، وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَعَلَى اثْنَتَيْنِ ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفْسُدُ فِيهَا تَوْقِيتٌ 115 بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ السَّنَةِ ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ ، لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ قَالَ : حَجَّةً مَعِي ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَالنَّحْرِ ، وَالتَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ ، وَلَا دَلِيلَ ، وَعَنْهُ : يُكْرَهُ . رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَائِشَةَ . وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ .
114 قَالَ الْبُخَارِيُّ : كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، فَكُرِهَ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ ، وَلِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ مَحْظُورٍ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ ، وَالْوِصَالُ ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَمْنُ مَعَ احْتِمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ صِحَّةُ الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ كَالْأَوَّلِ نَقَلَ طَالِبٌ وَسِنْدِيٌّ : يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ ، فَلَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ ، وَعَنْهُ : يَنْعَقِدُ عُمْرَةً ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ ، وَابْنُ حَامِدٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً لَا يَجُوزُ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ الْبَقَرَةِ : 189 ] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ ، وَقَوْلُهُ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ الْبَقَرَةِ : 197 ] أَيْ : مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ الْحَجُّ عَرَفَةُ أَوْ أَرَادَ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ ، وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ ، أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ ، وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ ، وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
( وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ) رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهُ ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ : الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَنَقُولُ : سِرْنَا عَشْرًا ، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ ، وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَعَلَى اثْنَتَيْنِ ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفْسُدُ فِيهَا تَوْقِيتٌ 115 بَلْ يُفْعَلُ فِي كُلِّ السَّنَةِ ، وَهِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ ، لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ قَالَ : حَجَّةً مَعِي ، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَالنَّحْرِ ، وَالتَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ ، وَلَا دَلِيلَ ، وَعَنْهُ : يُكْرَهُ . رَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْ عَائِشَةَ . وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث