المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
page 996 · printed p. 111 · commentary
( وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوَزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَجَاوَزُوهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ إِلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ۝ لَا يَدْخُلْ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَعَنْهُ : لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ نُسُكًا ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهِيَ ظَاهِرَةٌ ، وَيَنْبَنِي عَلَى 111 عُمُومِ الْمَفْهُومِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، وَحُكْمُ مَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ كَمَكَّةَ ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ دُخُولَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْنِ ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ .
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ ، وَلِعَدَمِ تَكَرُّرِ حَاجَتِهِ ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ : لَا يَلْزَمُهُ ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَعَلَى الْأُولَى إِذَا دَخَلَ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ دَاخِلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ ، فَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ .
فَلَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ لِمِيقَاتِهِمْ فَمِنْ مَوْضِعِهِمْ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ .
وَعَنْهُ : بَلَى لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : يَلْزَمُ مَنْ أَسْلَمَ ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ; لِأَنَّهُ عَاقِلٌ كَالْمُسْلِمِ ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ .
( إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ ) لِدُخُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحْرَمَ ، وَحُكْمُ الْخَوْفِ كَذَلِكَ .
( أَوْ حَاجَةٍ مُكَرَّرَةٍ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ ) كَالْحَشَّاشِ لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يَدْخُلَنَّ إِنْسَانٌ مَكَّةَ إِلَّا مُحْرِمًا إِلَّا الْحَمَّالِينَ ، وَالْحَطَّابِينَ ، وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَحُكْمُ الْمَكِّيُّ إِذَا تَرَدَّدَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ كَذَلِكَ إِذْ لَوْ وَجَبَ لَأَدَّى إِلَى ضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ قَيِّمِهِ لِلْمَشَقَّةِ .
( ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ ) أَيْ : مَنْ لَا تَلْزَمُهُ ، أَوْ لَمْ يُرِدِ الْحَرَمَ ( النُّسُكُ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ ) ; لِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ 112 الْمَكَانِ ، وَلِأَنَّ مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ . وَعَنْهُ : يَلْزَمُهُ كَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ .
( وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ رَجَعَ ) إِلَى الْمِيقَاتِ ( فَأَحْرَمَ مِنْهُ ) ; لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ وَاجِبٌ ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ ، وَشَرْطُ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَطْلَقَ فِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهَيْنِ .
( فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ ) صَحَّ إِحْرَامُهُ .
( وَعَلَيْهِ دَمٌ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ .
( وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ ) بَعْدَ إِحْرَامِهِ ، لَمْ يَسْقُطِ الدَّمُ عَنْهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِ إِحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ ، وَعَنْهُ : يَسْقُطُ لِإِتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ .
فَرْعٌ : إِذَا أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا ، لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ . وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَدَمٍ مَحْظُورٍ ، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَنُقِلَ مِنْهَا تَسْقُطُ ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ .
( وَالِاخْتِيَارُ ) أَيِ : الْأَفْضَلُ ( أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ ) الْمَكَانِيِّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الْأَفْضَلِ ، وَالْجَوَازُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ ، وَنَقَلَ صَالِحٌ : إِنْ نَوَى عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ ، وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُ بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ 113 ذَنْبِهِ ، وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتُهُمَا قَالَ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ .
وَجَوَابُهُ : بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَقَوْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرْدُودٌ .
وَجَوَابُهُ : بِأَنَّ مَعْنَى أَهَلَّ ، أَيْ : قَصَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَيَكُونُ إِحْرَامُهُ مِنَ الْمِيقَاتِ قَالَهُ الْقَاضِي ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْوُقُوفِ مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحْرَمَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْرِمُ فِي غَيْرِهِ إِلَّا مِنَ الْمِيقَاتِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith