بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
180 الْبَابُ السَّابِعُ
فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ ، وَالْبُرُوزَ عَنِ الْمِصْرِ ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ .
وَسَبَبُ الْخِلَافِ : أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى ، وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ .
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى ، وَبِهِ أَخَذَ الْجُمْهُورَ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَسْقَى " خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ ، فَمِنْهَا : حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ : " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ " . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَسْقَى ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً ، وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَعْنِي : أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ - .
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا ، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُنَّتِهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ . وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُنَّتِهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُنَّتِهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْعِيدَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الْخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ " وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ وَبِهِ نَأْخُذُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ ، وَمَنْ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ فَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي عِلْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرٌ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ .
وَسَبَبُ الْخِلَافِ : اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ . وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ " .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْإِمَامُ الْقِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ ، وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ ؟
فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ : فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ . وَقَالَ 181 الشَّافِعِيُّ : بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ .
وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ " . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ : " أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ؟ قَالَ : بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ " . وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ : " اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلُهُ أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ " .
وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الْإِمَامُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا : يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنَ الْخُطْبَةِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ " إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهِمْ .
وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ " .
فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ ، وَالْبُرُوزَ عَنِ الْمِصْرِ ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ .
وَسَبَبُ الْخِلَافِ : أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى ، وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ .
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى ، وَبِهِ أَخَذَ الْجُمْهُورَ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَسْقَى " خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ ، فَمِنْهَا : حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ : " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ " . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَسْقَى ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً ، وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَعْنِي : أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ - .
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا ، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُنَّتِهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ . وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُنَّتِهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُنَّتِهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْعِيدَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الْخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ " وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ وَبِهِ نَأْخُذُ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ ، وَمَنْ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ فَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي عِلْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرٌ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ .
وَسَبَبُ الْخِلَافِ : اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ . وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ " .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْإِمَامُ الْقِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ ، وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ ؟
فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ : فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ . وَقَالَ 181 الشَّافِعِيُّ : بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ .
وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ " . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ : " أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ؟ قَالَ : بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ " . وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ : " اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلُهُ أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ " .
وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الْإِمَامُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا : يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنَ الْخُطْبَةِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ " إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِهِمْ .
وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ " .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith