بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 368 · printed p. 343
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي رَافِعِ الْحِنْثِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْأَيْمَانِ هِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَنْوَاعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكَفَّارَتُهُ ) الْآيَةَ . وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا حَنِثَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مِنْهَا ( أَعْنِي : الْإِطْعَامَ أَوِ الْكِسْوَةَ أَوِ الْعِتْقَ ) ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَلَّظَ الْيَمِينَ أَعْتَقَ أَوْ كَسَا ، وَإِذَا لَمْ يُغَلِّظْهَا أَطْعَمَ .
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ :
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى : فِي مِقْدَارِ الْإِطْعَامِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ .
الثَّانِيَةُ : فِي جِنْسِ الْكِسْوَةِ إِذَا اخْتَارَ الْكِسْوَةَ وَعَدَّدَهَا .
الثَّالِثَةُ : فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ لَا اشْتِرَاطِهِ .
الرَّابِعَةُ : فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَسَاكِينِ .
الْخَامِسَةُ : فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ وَالْحُرِّيَّةِ .
وَالسَّادِسَةُ : فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامَةِ فِي الرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ مِنَ الْعُيُوبِ .
السَّابِعَةُ : فِي اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِيهَا .
343 الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
[ مِقْدَارُ الطَّعَامِ ]
- أَمَّا مِقْدَارُ الْإِطْعَامِ : فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : يُعْطَى لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ ، بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : الْمُدُّ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ لِضِيقِ مَعَايِشِهِمْ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمُدُنِ فَيُعْطُونَ الْوَسَطَ مِنْ نَفَقَتِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَجْرِي الْمُدُّ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْطِيهِمْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ ، قَالَ : فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ أَجَزْأَهُ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ : اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) هَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ قُوتُ الْيَوْمِ ، وَهُوَ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ ؟ فَمَنْ قَالَ : أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ : الْمُدُّ وَسَطٌ فِي الشِّبَعِ . وَمَنْ قَالَ : غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ قَالَ : نِصْفُ صَاعٍ .
وَلِاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ ، وَهُوَ تَرَدُّدُ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْأَذَى . فَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الْفِطْرِ قَالَ : مُدٌّ وَاحِدٌ ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الْأَذَى قَالَ : نِصْفُ صَاعٍ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ مَعَ الْخُبْزِ فِي ذَلِكَ إِدَامٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ كَانَ فَمَا هُوَ الْوَسَطُ فِيهِ ؟ فَقِيلَ : يُجْزِي الْخُبْزُ قِفَارًا . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُجْزِي . وَقِيلَ : الْوَسَطُ مِنَ الْإِدَامِ : الزَّيْتُ . وَقِيلَ : اللَّبَنُ وَالسَّمْنُ وَالتَّمْرُ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ مَنِ الْأَهْلُ الَّذِينَ أَضَافَ إِلَيْهِمُ الْوَسَطَ مِنَ الطَّعَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) ؟ فَقِيلَ : أَهْلُ الْمُكَفِّرِ ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُخْرَجُ الْوَسَطُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي مِنْهُ يَعِيشُ ، إِنْ قُطْنِيَّةً فَقُطْنِيَّةٌ ، وَإِنْ حِنْطَةً فَحِنْطَةٌ ، وَقِيلَ : بَلْ هُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُعْتَبَرُ فِي اللَّازِمِ لَهُ هُوَ الْوَسَطُ مِنْ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا مِنْ عَيْشِهِ ( أَعْنِي : الْغَالِبَ ) ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُحْمَلُ قِدْرُ الْوَسَطِ مِنَ الْإِطْعَامِ ( أَعْنِي : الْوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، أَوِ الْوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلُ الْبَلَدِ أَهْلِيهِمْ إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ خَاصَّةً ) .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith