بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالصَّيْدِ وَشُرُوطِهَا .
- وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالصَّيْدِ هِيَ الْعَقْرُ . وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أُصُولَهَا الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ سِوَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْآلَةِ وَفِي الصَّائِدِ ; وَجَدْتَهَا ثَمَانِيَةَ شُرُوطٍ :
اثْنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الذَّكَاتَيْنِ ( أَعْنِي : ذَكَاةَ الْمَصِيدِ وَغَيْرِ الْمُصِيدِ ) وَهِيَ : النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ .
وَسِتَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الذَّكَاةِ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْآلَةُ أَوِ الْجَارِحُ الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُذَكَّى بِذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ مِنَ الضَّرْبِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ .
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ الصَّيْدُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ ( أَعْنِي : لَا مِنَ الْآلَةِ كَالْحَالِ فِي الْحِبَالَةِ ) ، وَلَا مِنَ الْجَارِحِ كَالْحَالِ فِيمَا يُصِيبُ الْكَلْبُ الَّذِي يَنْشَلِي مِنْ ذَاتِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً .
وَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَهُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِهِ .
وَالْخَامِسُ : أَنْ لَا يَكُونَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ .
378 وَالسَّادِسُ : أَنْ لَا يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ رُعْبٍ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ بِصَدْمَةٍ مِنْهُ .
فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الشُّرُوطِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ اشْتِرَاطِهَا أَوْ لَا اشْتِرَاطِهَا عَرَضَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ، وَرُبَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي وُجُودِهَا فِي نَازِلَةٍ نَازِلَةٍ ، كَاتِّفَاقِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ ، وَاخْتِلَافِهِمْ إِذَا أَفْلَتَ الْجَارِحُ مِنْ يَدِهِ أَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَغْرَاهُ ; هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ الصَّيْدُ أَمْ لَا ؟ لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ لَهَا هَذَا الشَّرْطُ أَوْ لَا يُوجَدَ ، كَاتِّفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ إِذَا أُدْرِكَ غَيْرُ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ أَنْ يُذَكَّى إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ، وَاخْتِلَافِهِمْ بَيْنَ أَنْ يُخَلِّصَهُ حَيًّا فَيَمُوتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ هَذَا ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَرَآهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ ( أَعْنِي : إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ مِنَ الْجَارِحِ حَتَّى مَاتَ ) لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ أَدْرَكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ ، وَفِي غَيْرِ يَدِ الْجَارِحِ ، فَأَشْبَهَ الْمُفَرِّطَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْهُ فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ .
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ أُصُولَ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصَّيْدِ مَعَ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآلَةِ وَالصَّائِدِ نَفْسِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ; يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَأَسْبَابُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ مَشْهُورِ مَسَائِلِهِمْ . فَنَقُولُ :
أَمَّا التَّسْمِيَةُ وَالنِّيَّةُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِمَا وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ ، وَمِنْ قِبَلِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ ( عِنْدَ مَنِ اشْتَرَطَهَا إِذَا أَرْسَلَ الْجَارِحَ عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ آخَرَ ) ذَكَاةُ ذَلِكَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُرْسَلْ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُؤْكَلُ .
وَمِنْ قِبَلِ هَذَا أَيْضًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْإِرْسَالِ عَلَى صَيْدٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ ، كَالَّذِي يُرْسِلُ عَلَى مَا فِي غَيْضَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ وَلَا يَدْرِي هَلْ هُنَالِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي هَذَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَهْلِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْخَاصُّ بِذَكَاةِ الصَّيْدِ مِنَ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ( وَهُوَ أَنَّ عَقْرَ الْجَارِحِ لَهُ إِذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ ، إِنَّمَا يَكُونُ ذَكَاةً لَمْ يُدْرِكْهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا ) : فَبِاشْتِرَاطِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ " . وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ : إِذَا أَدْرَكْتَهُ حَيًّا وَلَمْ يَكُنْ مَعَكَ حَدِيدَةٌ فَأَرْسِلْ عَلَيْهِ الْكِلَابَ حَتَّى تَقْتُلَهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَصِيرًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) .
وَمِنْ قِبَلِ هَذَا الشَّرْطِ قَالَ مَالِكٌ : لَا يَتَوَانَى الْمُرْسِلُ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ ، فَإِنْ تَوَانَى فَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا ; فَإِنْ كَانَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ بِسَهْمٍ حَلَّ أَكْلُهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ ; مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَوَانَ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي ( وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الْقَانِصِ وَيَكُونَ مُتَّصِلًا حَتَّى يُصِيبَ الصَّيْدَ ) : فَمِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تُصِيبُهُ الْحِبَالَةُ وَالشَّبَكَةُ إِذَا أُنْفِذَتِ الْمَقَاتِلُ بِمُحَدَّدٍ فِيهَا : فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ الصَّيْدَ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ الْجَارِحُ فَتَشَاغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ ( وَهُوَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً لَهُ ) : فَهُوَ شَرْطٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَذْكُرُ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ .
379 وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ ( وَهُوَ أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ ، وَلَا فِي قَتْلِ جَارِحِهِ لَهُ ) : فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ مَصْرَعُهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِكَ ، أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ . وَبِالْكَرَاهِيَةِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : إِذَا بَاتَ الصَّيْدُ مِنَ الْجَارِحِ لَمْ يُؤْكَلْ ، وَفِي السَّهْمِ خِلَافٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ ; وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا بَاتَ وَإِنْ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَأْكُلَهُ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا تَوَارَى الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ الْمُرْسِلُ مَقْتُولًا جَازَ أَكْلُهُ مَا لَمْ يَتْرُكِ الْكَلْبُ الطَّلَبَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْنَا أَكْلَهُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ اثْنَانِ :
1 - الشَّكُّ الْعَارِضُ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ أَوْ فِي زَكَاتِهِ .
2 - وَالسَّبَبُ الثَّانِي : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ : " كُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ " . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : " إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ فَكُلْ مَا لَمْ يَبِتْ " . وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " إِذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ فِيهِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ " .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّيْدِ يُصَادُ بِالسَّهْمِ أَوْ يُصِيبُهُ الْجَارِحُ فَيَسْقُطُ فِي مَاءٍ أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ مَاتَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَلَا يَشُكَّ أَنَّ مِنْهُ مَاتَ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُؤْكَلُ إِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ مَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ ، وَيُؤْكَلُ إِنْ تَرَدَّى . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يُؤْكَلُ أَصْلًا إِذَا أُصِيبَتِ الْمَقَاتِلُ ; وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ زَهُوقُ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ التَّرَدِّي أَوْ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ زُهُوقِهَا مِنْ قِبَلِ إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ .
وَأَمَّا مَوْتُهُ مِنْ صَدْمِ الْجَارِحِ لَهُ : فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنَعَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُثَقَّلِ ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَا مَاتَ مِنْ خَوْفِ الْجَارِحِ أَنَّهُ غَيْرُ مُذَكَّى .
وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حِينِ الْإِرْسَالِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِيمَا عَلِمْتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ يُوجَدُ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ غَرَرٍ ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ نَشَبَ فِي شَيْءٍ ، أَوْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ ، أَوْ رَمَاهُ أَحَدٌ فَكَسَرَ جَنَاحَهُ أَوْ سَاقَهُ .
وَفِي هَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ بَيْنَ أَنْ يُوصَفَ فِيهَا الصَّيْدُ بِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، مِثْلَ أَنْ تَضْطَرَّهُ الْكِلَابُ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ : يُؤْكَلُ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْعَقْرِ إِذَا ضُرِبَ الصَّيْدُ فَأُبِينَ مِنْهُ عُضْوٌ : فَقَالَ قَوْمٌ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ دُونَ مَا بَانَ مِنْهُ . وَقَالَ قَوْمٌ : يُؤْكَلَانِ جَمِيعًا . وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ مَقْتَلٍ ، فَقَالُوا : إِنْ كَانَ مَقْتَلًا أُكِلَا جَمِيعًا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ أُكِلَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُؤْكَلِ الْعُضْوُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، وَإِلَى هَذَا 380 يَرْجِعُ خِلَافُهُمْ فِي أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ بِنِصْفَيْنِ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الثَّانِي .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ " لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ) .
فَمَنْ غَلَّبَ حُكْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ الْعَقْرُ مُطْلَقًا ، قَالَ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَالْعُضْوُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الصَّيْدِ ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْإِنْسِيِّ ; وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ مَعًا وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِالْحَدِيثِ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ فَقَالَ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ دُونَ الْعُضْوِ الْبَائِنِ . وَمَنِ اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ ( أَعْنِي : فِي قَوْلِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ ) فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ مَقْتَلٍ .
- وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالصَّيْدِ هِيَ الْعَقْرُ . وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أُصُولَهَا الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ سِوَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْآلَةِ وَفِي الصَّائِدِ ; وَجَدْتَهَا ثَمَانِيَةَ شُرُوطٍ :
اثْنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الذَّكَاتَيْنِ ( أَعْنِي : ذَكَاةَ الْمَصِيدِ وَغَيْرِ الْمُصِيدِ ) وَهِيَ : النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ .
وَسِتَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الذَّكَاةِ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْآلَةُ أَوِ الْجَارِحُ الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُذَكَّى بِذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ مِنَ الضَّرْبِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ .
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ الصَّيْدُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ ( أَعْنِي : لَا مِنَ الْآلَةِ كَالْحَالِ فِي الْحِبَالَةِ ) ، وَلَا مِنَ الْجَارِحِ كَالْحَالِ فِيمَا يُصِيبُ الْكَلْبُ الَّذِي يَنْشَلِي مِنْ ذَاتِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً .
وَالرَّابِعُ : أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَهُ ، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِهِ .
وَالْخَامِسُ : أَنْ لَا يَكُونَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ .
378 وَالسَّادِسُ : أَنْ لَا يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ رُعْبٍ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ بِصَدْمَةٍ مِنْهُ .
فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الشُّرُوطِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ اشْتِرَاطِهَا أَوْ لَا اشْتِرَاطِهَا عَرَضَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ، وَرُبَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي وُجُودِهَا فِي نَازِلَةٍ نَازِلَةٍ ، كَاتِّفَاقِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ ، وَاخْتِلَافِهِمْ إِذَا أَفْلَتَ الْجَارِحُ مِنْ يَدِهِ أَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَغْرَاهُ ; هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ الصَّيْدُ أَمْ لَا ؟ لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ لَهَا هَذَا الشَّرْطُ أَوْ لَا يُوجَدَ ، كَاتِّفَاقِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ إِذَا أُدْرِكَ غَيْرُ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ أَنْ يُذَكَّى إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ، وَاخْتِلَافِهِمْ بَيْنَ أَنْ يُخَلِّصَهُ حَيًّا فَيَمُوتَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ هَذَا ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَرَآهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ ( أَعْنِي : إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ مِنَ الْجَارِحِ حَتَّى مَاتَ ) لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ أَدْرَكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ ، وَفِي غَيْرِ يَدِ الْجَارِحِ ، فَأَشْبَهَ الْمُفَرِّطَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْهُ فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ .
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ أُصُولَ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصَّيْدِ مَعَ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآلَةِ وَالصَّائِدِ نَفْسِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ; يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَأَسْبَابُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ مَشْهُورِ مَسَائِلِهِمْ . فَنَقُولُ :
أَمَّا التَّسْمِيَةُ وَالنِّيَّةُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِمَا وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ ، وَمِنْ قِبَلِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ ( عِنْدَ مَنِ اشْتَرَطَهَا إِذَا أَرْسَلَ الْجَارِحَ عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ آخَرَ ) ذَكَاةُ ذَلِكَ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ يُرْسَلْ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُؤْكَلُ .
وَمِنْ قِبَلِ هَذَا أَيْضًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي الْإِرْسَالِ عَلَى صَيْدٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ ، كَالَّذِي يُرْسِلُ عَلَى مَا فِي غَيْضَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ وَلَا يَدْرِي هَلْ هُنَالِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي هَذَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَهْلِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ الْخَاصُّ بِذَكَاةِ الصَّيْدِ مِنَ الشُّرُوطِ السِّتَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ( وَهُوَ أَنَّ عَقْرَ الْجَارِحِ لَهُ إِذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ ، إِنَّمَا يَكُونُ ذَكَاةً لَمْ يُدْرِكْهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا ) : فَبِاشْتِرَاطِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ " . وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ : إِذَا أَدْرَكْتَهُ حَيًّا وَلَمْ يَكُنْ مَعَكَ حَدِيدَةٌ فَأَرْسِلْ عَلَيْهِ الْكِلَابَ حَتَّى تَقْتُلَهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَصِيرًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) .
وَمِنْ قِبَلِ هَذَا الشَّرْطِ قَالَ مَالِكٌ : لَا يَتَوَانَى الْمُرْسِلُ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ ، فَإِنْ تَوَانَى فَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا ; فَإِنْ كَانَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ بِسَهْمٍ حَلَّ أَكْلُهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ ; مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَوَانَ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي ( وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الْقَانِصِ وَيَكُونَ مُتَّصِلًا حَتَّى يُصِيبَ الصَّيْدَ ) : فَمِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تُصِيبُهُ الْحِبَالَةُ وَالشَّبَكَةُ إِذَا أُنْفِذَتِ الْمَقَاتِلُ بِمُحَدَّدٍ فِيهَا : فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ الصَّيْدَ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ الْجَارِحُ فَتَشَاغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ ( وَهُوَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً لَهُ ) : فَهُوَ شَرْطٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَذْكُرُ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ .
379 وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ ( وَهُوَ أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ ، وَلَا فِي قَتْلِ جَارِحِهِ لَهُ ) : فَمِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ مَصْرَعُهُ ، فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً : لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِكَ ، أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ مَا لَمْ يَبِتْ ، فَإِذَا بَاتَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ . وَبِالْكَرَاهِيَةِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : إِذَا بَاتَ الصَّيْدُ مِنَ الْجَارِحِ لَمْ يُؤْكَلْ ، وَفِي السَّهْمِ خِلَافٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ ; وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا جَمِيعًا إِذَا بَاتَ وَإِنْ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَأْكُلَهُ إِذَا غَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا تَوَارَى الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ الْمُرْسِلُ مَقْتُولًا جَازَ أَكْلُهُ مَا لَمْ يَتْرُكِ الْكَلْبُ الطَّلَبَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَرِهْنَا أَكْلَهُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ اثْنَانِ :
1 - الشَّكُّ الْعَارِضُ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ أَوْ فِي زَكَاتِهِ .
2 - وَالسَّبَبُ الثَّانِي : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ : " كُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ " . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : " إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ عَنْكَ مَصْرَعُهُ فَكُلْ مَا لَمْ يَبِتْ " . وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " إِذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ فِيهِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْ " .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّيْدِ يُصَادُ بِالسَّهْمِ أَوْ يُصِيبُهُ الْجَارِحُ فَيَسْقُطُ فِي مَاءٍ أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ مَاتَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَلَا يَشُكَّ أَنَّ مِنْهُ مَاتَ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُؤْكَلُ إِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ مَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ ، وَيُؤْكَلُ إِنْ تَرَدَّى . وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يُؤْكَلُ أَصْلًا إِذَا أُصِيبَتِ الْمَقَاتِلُ ; وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ زَهُوقُ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ التَّرَدِّي أَوْ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ زُهُوقِهَا مِنْ قِبَلِ إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ .
وَأَمَّا مَوْتُهُ مِنْ صَدْمِ الْجَارِحِ لَهُ : فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنَعَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمُثَقَّلِ ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَا مَاتَ مِنْ خَوْفِ الْجَارِحِ أَنَّهُ غَيْرُ مُذَكَّى .
وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي حِينِ الْإِرْسَالِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِيمَا عَلِمْتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ يُوجَدُ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَى أَخْذِهِ بِالْيَدِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ غَرَرٍ ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ نَشَبَ فِي شَيْءٍ ، أَوْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ ، أَوْ رَمَاهُ أَحَدٌ فَكَسَرَ جَنَاحَهُ أَوْ سَاقَهُ .
وَفِي هَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ بَيْنَ أَنْ يُوصَفَ فِيهَا الصَّيْدُ بِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، مِثْلَ أَنْ تَضْطَرَّهُ الْكِلَابُ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ : يُؤْكَلُ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْعَقْرِ إِذَا ضُرِبَ الصَّيْدُ فَأُبِينَ مِنْهُ عُضْوٌ : فَقَالَ قَوْمٌ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ دُونَ مَا بَانَ مِنْهُ . وَقَالَ قَوْمٌ : يُؤْكَلَانِ جَمِيعًا . وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ مَقْتَلٍ ، فَقَالُوا : إِنْ كَانَ مَقْتَلًا أُكِلَا جَمِيعًا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ أُكِلَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُؤْكَلِ الْعُضْوُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، وَإِلَى هَذَا 380 يَرْجِعُ خِلَافُهُمْ فِي أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ بِنِصْفَيْنِ ، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنَ الثَّانِي .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ " لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ) .
فَمَنْ غَلَّبَ حُكْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ الْعَقْرُ مُطْلَقًا ، قَالَ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَالْعُضْوُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الصَّيْدِ ، وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْإِنْسِيِّ ; وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ مَعًا وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِالْحَدِيثِ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ فَقَالَ : يُؤْكَلُ الصَّيْدُ دُونَ الْعُضْوِ الْبَائِنِ . وَمَنِ اعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ ( أَعْنِي : فِي قَوْلِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ ) فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ مَقْتَلًا أَوْ غَيْرَ مَقْتَلٍ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith