بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 624 · printed p. 596
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ .
فِي مَحِلِّ الْمُسَاقَاةِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّ الْمُسَاقَاةِ ، فَقَالَ دَاوُدُ : لَا تَكُونُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي النَّخِيلِ فَقَطْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي النَّخْلِ ، وَالْكَرْمِ فَقَطْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَجُوزُ فِي كُلِّ أَصْلٍ ثَابِتٍ كَالرُّمَّانِ ، وَالتِّينِ ، وَالزَّيْتُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَتَكُونُ فِي الْأُصُولِ غَيْرِ الثَّابِتَةِ كَالْمَقَاثِئِ ، وَالْبِطِّيخِ مَعَ عَجْزِ صَاحِبِهَا عَنْهَا ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ ، وَلَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْبُقُولِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا ابْنَ دِينَارٍ ، فَإِنَّهُ أَجَازَهَا فِيهِ إِذَا نَبَتَتْ قَبْلَ أَنْ تُسْتَغَلَّ .
فَعُمْدَةُ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى النَّخْلِ : أَنَّهَا رُخْصَةٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِهَا مَحِلَّهَا الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ السَّنَةُ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّهَا رُخْصَةٌ يَنْقَدِحُ فِيهَا سَبَبٌ عَامٌّ ، فَوَجَبَ تَعْدِيَةُ ذَلِكَ إِلَى الْغَيْرِ . وَقَدْ يُقَاسُ عَلَى الرُّخَصِ عِنْدَ قَوْمٍ إِذَا فُهِمَ هُنَالِكَ أَسْبَابٌ أَعَمُّ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عُلِّقَتِ الرُّخَصُ بِالنَّصِّ بِهَا ، وَقَوْمٌ مَنَعُوا الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ ، وَأَمَّا دَاوُدُ فَهُوَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ عَلَى الْجُمْلَةِ ، فَالْمُسَاقَاةُ عَلَى أُصُولِهِ مُطَّرِدَةٌ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ : فَإِنَّمَا أَجَازَهَا فِي الْكَرْمِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُسَاقَاةِ هُوَ بِالْخَرْصِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ الْحُكْمُ بِالْخَرْصِ فِي النَّخْلِ ، وَالْكَرْمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ ، فَكَأَنَّهُ قَاسَ الْمُسَاقَاةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الزَّكَاةِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ هُوَ : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ وَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا ، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا " . وَدَفَعَ دَاوُدُ حَدِيثَ عَتَّابِ ابْنِ أَسِيدٍ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَلِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ مَعَ النَّخْلِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ أَوْ مَعَ الثِّمَارِ; هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُسَاقَى الْأَرْضُ مَعَ النَّخْلِ بِجُزْءٍ مِنَ النَّخْلِ ، أَوْ بِجُزْءٍ مِنَ النَّخْلِ وَبِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ ؟
فَذَهَبَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ طَائِفَةٌ ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَجَمَاعَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إِلَّا فِي التَّمْرِ فَقَطْ .
وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَقَالَ : إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ تَبَعًا لِلثَّمَرِ ، وَكَانَ الثَّمَرُ أَكْثَرَ ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ اشْتَرَطَ جُزْءًا خَارِجًا مِنْهَا ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، وَحَدُّ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ ( أَعْنِي : أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ كِرَاءِ الْأَرْضِ الثُّلُثَ مِنَ الثَّمَرِ فَمَا دُونَهُ ) ، وَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَشْتَرِطَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَ الْبَيَاضَ لِنَفْسِهِ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ جَائِزٌ [ هَكَذَا بِالنَّسْخِ ، وَلَعَلَّهُ مُتَنَاقِضٌ فِي النَّقْلِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الثَّمَرَةِ ، وَهُنَا أَنَّهُ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ مَعًا فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ ، تَأَمَّلْ ا هـ مُصَحِّحُهُ ] .
وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ( أَعْنِي : عَلَى الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا ) : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ .
596 وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَحَادِيثُ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةُ الْأَلْفَاظِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ . وَأَمَّا تَحْدِيدُ مَالِكٍ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ فَضَعِيفٌ ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الْأُصُولِ; لِأَنَّ الْأُصُولَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجَائِزِ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ . وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُسَاقَاةِ فِي الْبَقْلِ; فَأَجَازَهَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْبَقْلِ ، وَإِنَّمَا أَجَازَهَا الْجُمْهُورُ; لِأَنَّ الْعَامِلَ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا سَقْيٌ فَيَبْقَى عَلَيْهِ أَعْمَالٌ أُخَرُ ، مِثْلُ الْإِبَارِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ; وَأَمَّا اللَّيْثُ فَيَرَى السَّقْيَ بِالْمَاءِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْمُسَاقَاةُ ، وَلِمَكَانِهِ وَرَدَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith