بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 630 · printed p. 600
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
كِتَابُ الشَّرِكَةِ .
وَالنَّظَرُ فِي الشَّرِكَةِ : فِي أَنْوَاعِهَا ، وَفِي أَرْكَانِهَا الْمُوجِبَةِ لِلصِّحَّةِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَمَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا قَصَدْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ .
وَالشَّرِكَةُ بِالْجُمْلَةِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ : شَرِكَةُ الْعِنَانِ ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ ، وَشَرِكَةُ 600 الْمُفَاوَضَةِ ، وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ . وَاحِدَةٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَهِيَ شَرِكَةُ الْعِنَانِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا اللَّفْظَ ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ . وَالثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَمُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عِنْدَ مَنِ اتَّفَقَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا .
الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ .
وَأَرْكَانُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ ثَلَاثَةٌ :
الْأَوَّلُ : مَحِلُّهَا مِنَ الْأَمْوَالِ .
وَالثَّانِي : فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الرِّبْحِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ .
وَالثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ .
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ .
[ مَحِلُّهَا مِنَ الْأَمْوَالِ ] .
فَأَمَّا مَحِلُّ الشَّرِكَةِ : فَمِنْهُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْعَيْنِ ( أَعْنِي : الدَّنَانِيرَ ، وَالدَّرَاهِمَ ) ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعًا لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَاجَزَةٌ ، وَمِنْ شَرْطِ الْبَيْعِ فِي الذَّهَبِ وَفِي الدَّرَاهِمِ الْمُنَاجَزَةُ ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الشَّرِكَةِ .
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى الشَّرِكَةِ بِالْعَرْضَيْنِ يَكُونَانِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّرِكَةِ بِالْعَرْضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَبِالْعُيُونِ الْمُخْتَلِفَةِ ، مِثْلَ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ أَحَدِهَا وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الْآخَرِ ، وَبِالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ إِذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا ، فَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى .
[ الشَّرِكَةُ فِي صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ] .
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَا فِي صِنْفَيْنِ مِنَ الْعُرُوضِ ، أَوْ فِي عُرُوضٍ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ ، فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ .
وَسَبَبُ الْكَرَاهِيَةِ : اجْتِمَاعُ الشَّرِكَةِ فِيهَا وَالْبَيْعُ ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضَانِ مُخْتَلِفَيْنِ ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ جُزْءًا مِنْ عَرَضِهِ بِجُزْءٍ مِنَ الْعَرَضِ الْآخَرِ .
وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الْعُرُوضِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الشَّرِكَةُ الْقِيَمَ . وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ : لَا تَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ إِلَّا عَلَى أَثْمَانِ الْعُرُوضِ . وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ مِثْلَ الْقِرَاضِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ ، وَالدَّنَانِيرِ ، قَالَ : وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْإِشَاعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَ الْخَلْطِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
[ الشَّرِكَةُ فِي صِنْفَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ ] .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصِّنْفَانِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ مِثْلَ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا ، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ ، أَوْ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً ، وَمَنَعَهُ مَرَّةً . وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ 601 الشَّرِكَةَ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا ، وَالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ مِنَ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ مَعًا ، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ ، وَلِمَا يَدْخُلُ الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الشَّرِكَةِ ، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ; وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْعِلَلَ أَجَازَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ .
[ الشَّرِكَةُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ رِبَوِيٍّ ] .
وَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ : فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ ، أَوِ الْفِضَّةِ ، وَمَنَعَهَا مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - بِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ; إِذْ رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَى مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ بِالْإِجْمَاعِ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ وَجْهَ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ لِذَلِكَ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْقِيمَةِ ، وَالْبَيْعُ يَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ ، فَافْتَقَرَتِ الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إِلَى اسْتِوَاءِ الْقِيمَةِ ، وَالْكَيْلِ ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يُوجَدُ ، فَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ ، فَهَذَا هُوَ اسْتِوَاءُ الْقِيمَةِ ، وَالْكَيْلِ ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يُوجَدُ ، فَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي جِنْسِ مَحِلِّ الشَّرِكَةِ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ مَالِ الشَّرِكَةِ أَنْ يَخْتَلِطَا إِمَّا حِسًّا ، وَإِمَّا حُكْمًا ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَا فِي صُنْدُوقٍ وَاحِدٍ وَأَيْدِيهُمَا مُطْلَقَةً عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ حَتَّى يَخْلِطَا مَالَيْهِمَا خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَالُ أَحَدِهِمَا مِنْ مَالِ الْآخَرِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ الشَّرِكَةُ ، وَإِنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِهِ .
فَأَبُو حَنِيفَةَ اكْتَفَى فِي انْعِقَادِ الشَّرِكَةِ بِالْقَوْلِ . وَمَالِكٌ اشْتَرَطَ إِلَى ذَلِكَ اشْتِرَاكَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ; وَالشَّافِعِيُّ اشْتَرَطَ إِلَى هَذَيْنِ الِاخْتِلَاطَ .
وَالْفِقْهُ أَنَّ بِالِاخْتِلَاطِ يَكُونُ عَمَلُ الشَّرِيكَيْنِ أَفْضَلَ وَأَتَمَّ; لِأَنَّ النُّصْحَ يُوجَدُ مِنْهُ لِشَرِيكِهِ كَمَا يُوجَدُ لِنَفْسِهِ ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَفِي شُرُوطِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith