← المكتبة ▭ صفحة واحدة
ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد
أحمد بن ناصر الحمد العقيدة
A− A+
143 · ص145
واحدة تلو الأخرى بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم. ١ فالرائي بهذا - ونحوه مما هو كثير في الحيوانات والحشرات - بعقل وتفكر يدرك أن لها خالقًا بالغ العناية بها أوحى إليها بهذا العمل الذي فيه صلاحها وفوائدها. ومن تفحص هذه المعاني، وعرفها علم أنها أتت من قبل فاعل قاصد لذلك كله مريد له حيث لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة. وإن في الظاهر من هذا الكون للحواس السليمة لأوضح دلالة على عناية فاعل مختار لما يفعل وهو اللطيف الخبير وقد ذكر سبحانه وتعالى في كثير من المواضع من كتابه العزيز عنايته بهذا الإنسان ورعايته له فقال: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)}، ٢ ويقول: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} ٣ ويقول: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}. ٤
١ مفتاح دار السعادة لابن القيم ج ١ ص ٢٤٨، ٢٤٩. بتصرف، وانظر شفاء العليل ص ١٤٥ - ١٤٩. وكلام ابن القيم يوحي بالمراد للاستدلال. وقد أصبحت المعرفة عن النحل أدق. ٢ سورة الجاثية الآيتان (١٢، ١٣). ٣ سورة النبأ الآيات (٦ - ١٦). ٤ سورة عبس الآيات (٢٤ - ٣٢).
144 · ص146
هذه الآيات وغيرها في القران كثير جدًّا يذكر المولى تبارك وتعالى فيها عنايته بنا ورعايته لما يصلحنا بما سخر لنا مما به معاشنا وعليه قوام حياتنا من الانتقال إلى الأماكن البعيدة، وحمل الأثقال وتبادل المنافع بين الأقطار بوساطة الفلك في البحر، والأساطيل الجوية في السماء والحيوانات والسيارات على الأرض التي قد مهدت وجعلت ذلولا لتوطأ بالأقدام وتضعرب بالمعاول، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال وقد هيئت لما يراد منها تهيئة تامة، من إخراج الماء والمرعى، وشق الأنهار فيها، وجعل السبل والفجاج فتبارك الله رب العالين، واقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها الجبال وبها أرساها لئلا تميد وليستقو عليها من فوقها من مخلوقاته جل وعلا، وغير هذا مما نعلم أكثر وما لا نعلم من الحكم والمنافع أكثر وأعظم. ولو حاولنا أن نعد نعم الله سبحانه علينا لعيينا يقول سبحانه {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ١ ويظهر مصداق هذا لو أردنا معرفة ما أنعم الله تعالى علينا به من نعمة حاسة من الحواس فقط فكيف بباقي النعم الكثيرة والمستمرة. ٢
١ سورة إبراهيم آية (٣٤). ٢ انظر مناهج الأدلة لابن رشد مع المقدمة ص ١٥٢، ١٥٣، وبيان تلبيس الجهمية ج ١ ص ١٧٢ - ١٧٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ٦ ص ٢٦٥ والتبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص ٢١٦، ٢١٧ والتفكير الفلسفي في الإسلام لعبد الحليم محمود جـ ١ ص ٦٦.