189 · ص193
معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى ولكان يكفي منها اسم واحد يدل على هذه الذات، وكان الباقي لغوًا ليس لذكره فائدة تعالى الله بأسمائه وصفاته عن النقائص والعيوب وتنزه عن أن يكون شيء من ذلك لغوًا ١. ويقال لمن نفى اتصاف الله تعالى بالصفات لماذا لا تنفى الأسماء معها حتى لا يحتج عليك بهذا الإِثبات، لأن هذه الأسامي إذا لزمت ذاتًا من الذوات لزمتها الصفات التي من أجلها وقعت الأسامي، إذ لو جاز أن يكون عالمًا بغير علم أو سميعًا بغير سمع أو بصيرا بغير بصر لجاز أن يكون الجاهل مع عدم العلم عالمًا والأعمى مع فقد البصر بصيرًا والأصم مع غيبوبة السمع سميعا، فلما لم يجز ما ذكر صح أن العالم إنما صار عالمًا لوجود العلم والبصير، والسميع، لوجود السمع، والبصر ٢.
فإن قال: كيف أنفى أسماء الله تعالى وقد ذكرها في كتابه؟
قلنا: وقد ورد في كتابه تعالى ذكر العلم، والقوة. فذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه منها قوله تعالى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} ٣. وقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} ٤. وذكر القوة فقال: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ٥. وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} ٦ فيلزمك لهذا إثباتهما.
فإن قال: أنا لا أنفيهما وقولي فيهما "أن علم الله تعالى وقدرته،
١ انظر شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦، ٧٧. ومجموع فتاوى ابن تيمية جـ ٥ ص ٤٩٤. والتفسير الكبير للرازي جـ ١٥ ص ٦٦.
٢ انظر شرح الأصفهانية ص ٨١. والاعتقاد للبيهقي ص ٢٦.
٣ سورة النساء آية (١٦٦).
٤ سورة فاطر آية (١١).
٥ سورة الذاريات آية (٥٨).
٦ سورة فصلت آية (١٥).
190 · ص194
وقوته حق وليس العلم غير القدرة، ولا القدرة غير العلم، وليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" ١.
قلنا: إن هذا لا يستقيم مع ما ورد في الآيات إذ فيها أن العلم له معنى يخالف معنى القدرة، وتعلقات تخالف تعلقاتها فالعلم يتعلق بالمعلومات، والقدرة تتعلق بالمقدورات فالعلم أعم لتعلقه بالواجب والممكن والمستحيل لأن كل شيء يصلح أن يكون معلومًا ٢. بخلاف القدرة فلا تتعلق إلا بالممكن.
ولو كان المفهوم من الصفتين واحدًا لوجب أن يعلم بقدرته، ويقدر بعلمه ويكون من علم الذات مطلقًا علم أن له قدرة، وعلمًا، وليس الأمر كذلك فإن هذه حقائق متنوعة، فإن جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول، إن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم هي حقيقة اللون وأمثال ذلك مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة ومن العلوم أن الجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت فمن قال: إن العالم هو العلم، والعلم هو العالم، والقادر هو القدرة، والقدرة هي القادر، فضلا له بين. وكذا القول. إن القدرة هي العالم وأن العلم هو القادر ٣، وسيأتي الكلام على العلم والقدرة ٤. أما قولك "ليس ذلك غير الله، ولا يقال إنه الله" فنفى
١ انظر الفصل جـ ٢ ص ١٢٩، ١٤٠، ١٧٢.
٢ انظر مجموعة فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية جـ ٥ ص ٤٩٤. ودرء تعارض العقل والنقل له جـ ١ ص ٢٨٥.
٣ انظر درء تعارض العقل والنقل جـ ١ ص ٢٨٥. وشرح الأصفهانية ص ٨٠. ورد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد ٢٢، ٢٣.
٤ انظر ص ٢٢٦ - ٢٤٠.