← المكتبة ▭ صفحة واحدة
ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد
أحمد بن ناصر الحمد العقيدة
A− A+
35 · ص36
بين الجوارى في قصر والده لا يغادره ولا يتصل بغير مربياته منهن فقد أدرك مع صغر سنه أن والده جعل منهن رقيبات على حركاته داخل هذا القصر فكان لهذا الأثر الكبير في سلوكه من بعد. ويحدد لنا أبو محمد حضوره مجلس المظفر بن أبي عامر وأنها أول مرة وصل إلى هذا المجلس وهو في الثالثة عشر من عمره يقول الحميدي: "وأخبرني أبو محمد علي بن الوزير أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم أنه سمع أبا العلا صاعد بن الحسن ينشد: إليك حدوت ناجية الركاب ... محملة أماني كالهضاب بين يدي المظفر في يوم عيد الفطر سنة ست وتسعين وثلاثمائة. قال أبو محمد: وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر ولما رآني أستحسنها وأصغى إليها، كتبها لي بخطه وأنفذها إلى" ١. بدأ الوزير أحمد بن سعيد يصطحب ابنه محمد في المجالس العامة، ونرى كيف كان يتذوق الشعر مع صغر سنه مما جعل صاعد بن الحسن يكتب له القصيدة التي ألقاها بين يدي المظفر. ثم إن والده كان حريصًا على تربيته وتنشئته، فبعد أن تعلم القرآن وحفظ كثيرًا من الأشعار وجهه إلى صحبة رجل مستقيم النفس والخلق فكان لهذه الصحبة الأثر القوي في سلوكه وعفته، يقول عن نفسه أثناء كلامه عن قبح المعاصي: "ومع هذا يعلم الله وكفى به عليما أنى برىء الساحة، سليم الأديم صحيح البشرة، نقى الحجرة، وأنى أقسم بالله أجل الأقسام أنى ما حللت مئزرى على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة ألزنا مذ عقلت إلى يومي
١ جذوة المقتبس للحميدى ص ٢٤١.
36 · ص37
هذا والله المحمود على ذلك والمشكور فيما مضى والمستعصم فيما بقى .. وكان السبب فيما ذكرته أنى كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقطورًا محضرًا على بين رقباء ورقائب، فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسى ١ في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدى ٢ شيخنا وأستاذي رضي الله عنه وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا عالمًا ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط وما رأيت مثله جملة علمًا وعملًا ودينًا وورعًا فنفعني الله به كثيرًا وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي ٣. كشف لنا أبو محمد سر هذه العفة والاستقامة في تلك الحياة الناعمة في ظل والده الذي أحاطه بالعناية التامة وجعل من مربياته رقيبات عليه فكان حريصا كل الحرص على تنشئته تنشئة قوية في تلك الرفاهية التامة. ثم لما ترعرع قاده تلك القيادة النفسية فوجهه إلى صحبة رجل مستقيم هو أبو الحسين الفاسي. تلك هي نشأة أبي محمد بن حزم الأولى صافية نقية لا يشوبها كدر، ولكن ذلك العيش الهنىء وتلك السعادة التامة لم يستمرا لهذا
١ ستأتي ترجمة مع شيوخ ابن حزم انظر ص ٥٢. ٢ أبو القاسم هذا مصرى قدم الأندلس سنة ٣٩٤ هـ روى عن أبي علي بن السكن وأبي العلاء بن ماهان وغيرهما، وحدث عنه أبو عمرو بن الجذاء وقال كان رجلا أديبا شاعرا حلوا حافظا للحديث وأسماء الرجال والأخبار، وخرج من الأندلس وقت الفتنة إلى مصر وبها توفى سنة عشرة وأربعمائة. وكان قد ولد بها ليلة الجمعة مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. انظر الصلة لابن بشكوال ج ١ ص ٣٣٧. ٣ طوق الحمامة لابن حزم ص ٢٧٤، ٢٧٥.