← المكتبة ▭ صفحة واحدة
ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد
أحمد بن ناصر الحمد العقيدة
A− A+
437 · ص444
وإن كل ما فعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان" ١. ويبرهن أبو محمد على امتناع أن يكون الله تعالى يخلق شيئًا لعلة بقوله: إنه لو فعل شيئًا مما فعل لعلة كانت تلك العلة إما لم تزل معه وإما مخلوقة محدثة ولا سبيل إلى قسم ثالث، فلو كانت لم تزل معه لوجب من ذلك شيئان ممتنعان: أحدهما: أن معه تعالى غيره لم يزل. والثاني: أنه كان يجب إذ كانت علة الخلق لم تزل أن يكون الخلق لم يزل لأن العلة لا تفارق المعلول، ولو فارقته لم تكن علة له. وأيضًا فلو كانت ههنا علة موجبة عليه تعالى أن يفعل ما فعل لكان مضطرًا مطبوعًا أو مدبرًا مقهورًا لتلك العلة وهذا خروج عن الإلهية ولو كانت العلة محدثة لكانت ولا بد إما مخلوقة له تعالى وإما غير مخلوقة. والقول بعلة محدثة وغير مخلوقة غير صحيح، لأن المحدث لا يكون إلا مخلوقًا فبطل هذا القسم. وإن كانت مخلوقة وجب ولابد أن تكون مخلوقة لعلة أخرى أو لغير علة، فإن وجب أن تكون مخلوقة لعلة أخرى وجب مثل ذلك في العلة الثانية وهكذا أبدا وهذا يوجب وجوب محدثين لا نهاية لعددهم وهذا باطل. وإن قالوا: بل خلقت العلة لا لعلة، سئلوا: من أين وجب أن
١ الفصل لابن حزم (١: ٦٩).
438 · ص445
يخلق الأشياء لعلة ويخلق العلة لا لعلة؟ ولا سبيل إلى دليل" ١. هذا ما يراه ابن حزم في أفعال الله تعالى، أنها غير معللة. وأن الله تعالى لا يفعل شيئًا لعلة أوجبت عليه الفعل، مع أن كل ما فعله ويفعله فهو عدل وحكمه أي شيء كان. هذا المبحث - تعليل أفعال الله، أو عدم تعليلها - مبحث واسع جدًّا يدخل فيه حدوث العالم، ووحدانية الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه إلى غير ذلك من المباحث الطويلة والمتشعبة. وليس غرضنا هنا هو بحث الموضوع من حيث هو والتعرض لمسائله وفروعه فإن هذا ليس مجال بحثنا، فموضوعنا هو معرفة مذهب ابن حرم ونقده. ومن خلال عرضنا السابق لرأي ابن حزم في أفعال الله ظهرت لنا مخالفته لرأى السلف القائلين بتعليل أفعال الله تعالى إذ ينفى أن الله تعالى يفعل شيئًا لعلة وهذا القول كما قال ابن تيمية: "قد قال به طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهو قول الأشعرى وأصحابه وقول كثير من نفاة القياس الظاهري كابن حزم وأمثاله" ٢.
١ المحلى لابن حزم (٥: ١، ٦) بتصرف، وانظر الفصل له (٢٣: ١، ٢٤، ٦٩، ٧٧) والأصول والفروع له (١: ١٨٦). ٢ رسالة الإِرادة والأمر لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل الكبرى: (١: ٣٢٦، ٣٢٧) وانظر مجموعة الفتاوي له (٨: ٣٧، ٣٨). ومنهاج السنة النبوية له (١: ٣٤، ٣٥). وشرح قصيدة ابن القيم النونية للهراس (١: ٢٥).