595 · ص188
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ١ أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي) ا. هـ ٢.
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن العفو إنما هو على شيء وهو هنا الدية، وتقديم الكلام على العفو دليل على أن القود هو الأصل وإنما يأتي العفو تبعاً.
الموافقون:
قال السيوطي: (فيه مشروعية العفو على الدية. . .) ٣، كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين منهم: الطبري، والبغوي، وابن عطية، وأبو المظفر السمعاني، والرازي، والبيضاوي، والخازن، وابن عادل الحنبلي، وحقي، والشوكاني. ٤
١ وذكر بعض المفسرين استنباطاً آخر عند هذه الآية وهو: أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود، إلا أن يكون عفواً عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود، وعفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن خلقهم، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوماً منه. انظر: التفسير الكبير (٥/ ٤٦).
٢ انظر: تفسير السعدي (٨٤).
٣ انظر: الإكليل (١/ ٣٣٩).
٤ انظر: جامع البيان (٢/ ١١٤)، ومعالم التنزيل (١/ ١٠٢)، والمحرر الوجيز (١٥٩)، وتفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني (١/ ١٧٣)، والتفسير الكبير (٥/ ٤٥)، وأنوار التنزيل (١/ ١٠٣)، ولباب التأويل (١/ ١٠٧)، واللباب في علوم الكتاب (٣/ ٢٢٢)، وروح البيان (١/ ٢٨٥)، وفتح القدير (١/ ٢١٩).
596 · ص189
المخالفون:
خالف الجصاص في ذلك حيث جعل قبول الدية راجعاً إلى القاتل؛ لأن الذي في كتاب الله هو القصاص فقط، فإذا أوجبنا الدية بغير رضاه أوجبنا عليه شيئاً من غير دليل قال الجصاص: (لما بينا من أن الذي أوجبه الله تعالى في الكتاب هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص، ونفي لإيجاب القصاص، ومثله عندنا يوجب النسخ، فإذاً الواجب هو القود لا غيره، فلا جائز له أخذ المال إلا برضى القاتل؛ لأن كل من له قِبَل غيره حق يمكن استيفاءه منه لم يجز له نقله إلى بدل غيره إلا برضى من عليه الحق) ١، كما أشار إلى ذلك الألوسي ٢.
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، ومما يؤيده أن مقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص ٣، وحينئذ فلا معنى لربط ذلك برضا القاتل؛ لأن القصاص حق لولي المقتول فإذا تنازل عنه إلى شيء آخر لزم القاتل قبوله وقد يربط ذلك أيضاً بوجوب المحافظة على النفس وهي من الضرورات التي أوجبتها الشريعة فما
حفظ النفس وجب قبوله والدية هنا فيه حفاظ على النفس، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها ٤.
١ انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٨٧).
٢ انظر: روح المعاني (٢/ ٥٠).
٣ انظر: التحرير والتنوير (٢/ ١٤٢).
٤ انظر: تفسير حدائق الروح والريحان (٣/ ١٣٢).