113 · ص113
١ - المعتبر في دليل الخطاب؛ فمن لم يحتج بمفهوم المخالفة - وهم أكثر الحنفية -؛ لم يروا في قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَابِكُمْ} [سورة النساء: ٢٣] ما يدل على حل نكاح زوجة الابن من الرضاع، ومن احتج به في بعض الصور دون الجميع - وهو قول طائفة؛ كتقي الدين ابن تيمية -؛ أمكنه أن لا يعَدِّي مفهوم المخالفة في الآية الكريمة إلى غير أبناء التبني، ومن احتج بعموم جميع مفاهيم المخالفة - وهم الجمهور؛ في غير مفهوم اللقب -؛ فأصوله تحمله على القول بحل حلائل الأبناء سوى أبناء الصلب. ١
ولقائل أن يقول: إذا كان الجمهور يعتبرون مفهوم المخالفة حجةً؛ فما بالهم أغفلوا مفهوم المخالفة من الآية، وحرَّموا حلائل أبنائنا الذين من أصلابنا وحلائلَ أبنائنا من الرضاعة، مع كون الآية نصت على حلائل أبناء الصلب، ومقتضى مفهوم المخالفة الذي يحتجون بعمومه حلُّ زوجاتِ الأبناء من الرضاعة؟
والجواب: إن شروط الاحتجاج بمفهوم المخالفة عندهم لم تتوافر في هذا النص، وذلك أن تخصيص الأبناء ذوي الحليلات بوصف الصلبية جرى مجرى الغالب، وحينذاك لا يحتج به؛ إذ الغالب كون الابن صلبيًّا، ومن الذي يكون له ابن من الرضاع إذا ما قورن بمن له ابن من النسب والصلب؟ . ٢
فإن قيل: فما معنى قول الحق جل ذكره: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [سورة النساء: ٢٤]، بعد قوله سبحانه في بيان من يحرم نكاحهن: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَابِكُمْ} [سورة النساء: ٢٣]، إلا أن تكون حلائل أبناء غير الصلب مما أحل بنص الآية؟
كان الجواب: إن الله تبارك وتعالى لما ذكر في الآية التي بين فيها المحرمات من ذكر؛ اقتصر على من هو محرم بكل حال؛ مثل: الأم، والأخت، والعمة، والخالة ... ، حتى ذكر حليلة ابنه الصلبي، وهي من تحرم عليه بالاتفاق ولو طلقها الابن، فأما من لم يحرم نكاحه بإطلاق؛ كأخت الزوجة، أو عمتها، أو الأجنبية الخامسة؛ فلم يكن هذا محلها؛ لأن نكاحها ليس
١ ينظر: الخبازي: المغني (ص ١٦٤ - ١٦٨). ابن القصار: المقدمة في الأصول (ص ٨١). الشافعي: الرسالة (ص ٢٧٢ - ٢٧٤). ابن قاسم: مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٥٢٠). د. عبد الله آل مغيرة: دلالات الألفاظ عند شيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٦٠٨ - ٦١٢).
٢ ينظر: الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ص ٥٩٦). أ. د. عياض السلمي: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص ٣٨٤ - ٣٨٦).
114 · ص114
حرامًا بكل حال، وكذلك الشأن في حليلة ابن الرضاع؛ تحرم على أبيه ما لم يطلقها، ولذلك كان التقدير: وأحل لكم ما وراء ذلكم بالحال التي أحلها به. ١
وبعد ذلك، فلبيان أثر استخدام مدرات الحليب في انتشار المحرمية؛ أنتقل إلى دراسة المسائل الآتية:
المسألة الأولى: رضاع البكر.
صورة المسألة: إذا نزل للبكر ٢ لبن، فأرضعت به صبيًّا؛ فهل يتعلق به تحريم ٣؟
اختلف فقهاء الإسلام في تعلق التحريم بلبن البكر، على ما يأتي:
القول الأول: إذا نزل للبكر بنت تسع سنين لبن، فأرضعت به صبيًّا؛ تعلق به التحريم، وصارت أمًّا للصبي، ولو كانت صبية لا يوطأ مثلها، أو نقصت عن سن المحيض، ولا أب له.
وبه قال الثوري ٤، وهو قول للحنفية ٥، والمذهب عند المالكية ٦، وبه قال الشافعي ٧، وأبو ثور ٨، وأظهر الروايتين عند الحنابلة ٩ التي عليها جماهير الأصحاب ١٠،
١ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (ص ٢٩٦ - ٢٩٧).
٢ وإن كانوا لم يتفقوا على عبارة تبين المقصود من البكر؛ فأطلقت الحنفية ذلك فيمن لم يوطأ بنكاح أو سفاح ولو زالت العذرة بنحو وثبة، وقصر آخرون مفهوم البكارة هنا على معانٍ أخرى؛ كمن لا زوج لها في مذهب المالكية، أو من لا حمل فيها في مذهب الشافعي، أو من لم تحمل، أو من لم توطأ؛ أقوال وتفسيرات لفقهاء الحنابلة، ويجمع ما تقدم أن لا يكون في يدها صبي ثاب لبنها من حملها به.
ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١). الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٥). الشافعي: الأم (٦/ ٨٥). ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٢٤). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣). شمس الدين ابن مفلح: الفروع (٩/ ٢٨٠). المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٢).
٣ المراد بالتحريم هنا وفي سائر مواطن البحث أمران: تحريم النكاح، والمحرمية التي تجيز وضع الحجاب، والخلوة، وغيرها من أحكام المحرمية التي ستأتي بإذن الله تعالى، وهكذا يراد هذان المعنيان - الحرمة والمحرمية - إذا أطلق معنى المحرمية وانتشارها في فرع من الفروع؛ لأن أحد المعنيين قد يوجد في فرع دون المعنى الآخر؛ كما أن أمهات المؤمنين - رضي الله عنهم - يحرم نكاحهن على سائر المسلمين، مع عدم ثبوت المحرمية، وإلا لجاز لهن وضع الحجاب أمام المؤمنين، والخلوة بهم، وغيرها من أحكام المحرمية، ولذلك قال أبو العباس ابن تيمية: "إنهن أمهات المؤمنين في التحريم دون المحرمية.
ينظر: ابن تيمية: منهاج السنة النبوية (٣/ ٦٨). ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٧٤). ابن القيم: المصدر السابق، (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠).
٤ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٢٤). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣).
٥ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١).
٦ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٠). الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٥).
٧ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٥).
٨ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٢٤). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣).
٩ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٢٤).
١٠ ينظر: المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٢٣).