21 · ص21
هذه الأمة - الذين كانوا أعلم بني آدم علومًا ومعارفَ - لم يكن تكلف هذه الحدود من عادتهم؛ فإنهم لم يبتدعوها، ولم تكن الكتب الأعجمية الرومية عربت لهم، وإنما حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة، ومن حين حدثت صار بينهم من الاختلاف والجهل ما لا يعلمه إلا الله ... ، كذلك الحدود التي يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة وغير ذلك من معاني الأسماء المتداولة بينهم، فإذا كان حذاق بني آدم في كل فن من العلم أحكموه بدون هذه الحدود المتكلفة؛ بطل دعوى توقف المعرفة عليها، وأما علوم بني آدم الذين لا يصنفون الكتب، فهي مما لا يحصيه إلا الله، ولهم من البصائر والمكاشفات والتحقيق والمعارف ما ليس لأهل هذه الحدود المتكلفة؛ فكيف يجوز أن تكون معرفة الأشياء متوقفة عليها؟ ا. هـ ١
وقال الشيخ د. يوسف الغفيص: والحد للأشياء - الذي يسمى التعريف، واسمه في المنطق: الحد - والمعاني أمرٌ حادث في العلم؛ ينبغي لطالب العلم ألا يلتفت إليه كثيرًا؛ لأن هذا الحد يقع عنه في كثير من الأحوال جملة من المفاسد، من أخصها التضييق للمعاني، واستباقها.
فإذا نقدنا مسألة الحد، وقلنا: إن الذين بالغوا في تقريرها هم علماء الكلام، فقيل: ما البديل عنها؟ قلنا: الذي كان عليه السلف - الصحابة والأئمة من بعدهم - هو الاستقراء؛ فيكون تحقيق المعاني باستقراء جميع مواردها ا. هـ ملخصًا ٢
- أركان الرضاع:
للرضاع أركان يذكرها بعض الفقهاء توضح معالم هذا الباب وأسسه، وتظهر ما تقرر شرعًا إزاءه، وهي ثلاثة:
الركن الأول: المرضع.
الركن الثاني: اللبن.
الركن الثالث: المحل، وهو: الرضيع متمثلًا في معدته، أو ما في معنى المعدة. ٣
١ ابن قاسم: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (٩/ ٤٥ - ٤٧).
٢ من تسجيل شرح الإيمان لأبي عبيد.
٣ ينظر: بدر الدين الزركشي: الديباج في توضيح المنهاج (٢/ ٨٩٧). النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتين (٩/ ٣ - ٦).
22 · ص22
المبحث الثاني
أهمية الاجتهاد في بيان أحكام النوازل
الإنسان يتسم بالحيوية والنشاط؛ لأنه كائن حي متحرك، ومن العادي أن يحدث له أو يحدث هو أمورًا مستجدة لم تعرف فيمن قبله مما يعتاز إلى حكم، وأفعال العباد جميعًا محكوم عليها في الشرع أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا. ١
وأدلة الشرع؛ من كتاب وسنة، وما تفرع عنهما؛ محيطة بأحكام الحوادث في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها؛ يقول الحق تعالى: {اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: ٣].
فما من نازلة إلا في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حكمها؛ علم ذلك من علمه، وجهله من جهله؛ إذ كانت الشريعة ثرَّةً في مصادرها، لا ينضب معينها في نصوصها إذا أخذت بعمومها وعللها ومقاصدها، ومن أعانه الله فكان خبيرًا بذلك لم يعوزه حكم النازلة مهما استجدت. ٢
والاجتهاد ممكن في كل عصر؛ حيث لم يقفل بابه, وقد تيسرت أسبابه وموجباته في هذا الزمن بما لم يكن في الزمن الأول؛ فبُينت آيات الأحكام ومواضعها وفُسرت, وجُمعت السنة
١ ينظر: الشاطبي: المصدر السابق، (١/ ١٠٨).
٢ ينظر: ابن قاسم: المصدر السابق، (٢٨/ ١٢٩).