23 · ص23
وشُرحت, وتيسرت السبل إلى معرفة الحكم على الأحاديث وطرق الشواهد والاعتبار, ودُوّن الفقه وأصوله والعربية, وقربت هذه العلوم إلى الفهوم, وتيّسرت وسائل طباعة الكتب وانتشاره, وحفظ المعلومات واسترجاعها؛ حتى لم يبقَ إلا التشمير لبلوغ هذا المنصب من قبل فريق من الأمة؛ استعدادًا لمواجهة النوازل, وذلك فرض لا يجوز تركه حتى لا يخلو عصر من قائم لله تعالى بالحجة؛ يقول بعض علماء القرن السابع - في إمكان وجود الاجتهاد المطلق -: ومنذ زمن طويل عُدِمَ الاجتهاد المطلق, مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دُوِّنا, وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك, لكن الهمم قاصرة, والرغبات فاترة, ونار الجد والحذر خامدة, اكتفاء بالتقليد, واستغناء من التعب الوكيد, وهربًا من الإثقال, وأربًا في تمشية الحال وبلوغ الآمال ولو بأقل الأعمال, وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه, ولم يعقلوه ليفعلوه ا. هـ ١
وقد تولى ربنا هذا المقام بنفسه في مثل قوله جل ذكره: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِسَاءِ؛ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} [سورة النساء: ١٢٧]، وقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ؛ قُلِ الله يُفْتِكُمْ فِي الكلَالَة} [سورة النساء: ١٧٦].
ولا أدل في هذا المقام من أن يتولى سبحانه مقام الإفتاء والنظر في النوازل؛ إلا فضل هذه المنزلة وعظيم شأنها، وذلك لشرف المتعلق، وكفى بذلك فضلًا وشرفًا.
ومما يزيد هذا النوع من التبيان لأحكام الشرع فضلًا وأهمية؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد انتصب لها حين كان تصرفه بالفتيا وإجابة السائلين عما ينزل بهم يشغل كثيرًا من أحواله - عليه الصلاة والسلام -.
ولم يقف الصحابة - رضوان الله عنهم - وتابعوهم ومن سار على هديهم من الأئمة والمجتهدين؛ أن ينهجوا هذا الطريق بالتبليغ والبيان والتعليم، مع معالجة ما يستشكل من النصوص؛ مما يؤكد منزلة هذا النوع من الاجتهاد والنظر في الإسلام. ٢
١ ابن حمدان: صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص ١٧). وقال الألباني: بعض الفقهاء المقلدين القائلين: إن الاجتهاد انقطع منذ القرن الرابع، فليس إلا التقليد؛ هم أحيانًا يجتهدون، وليت أنهم يجتهدون، وأنى لهم الإصابة وهم فعلًا مقلدون؛ لا يعرفون كيف يجتهدون؛ لأنهم ليس وسائل الاجتهاد، ومنها السنة، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومعرفة أصول الفقه، وغير ذلك من الوسائل المعروفة عند أهل العلم ا. هـ ينظر: الألباني: المصدر السابق، (١/ ٣٥٣).
٢ ينظر: د. مسفر القحطاني: المصدر السابق، (٢٦١ - ٢٦٢).
24 · ص24
وذلك أن النصوص التي يستشكل ظاهرها لم تقع قي الكتاب والسنة عفوًا، وإنما هو أمر مقصود شرعًا؛ ليبلو الله ما في النفوس، ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبوابًا من الجهاد يرفعهم به درجات. ١
والبحث في فقه النوازل هو الترجمة العملية الواقعية للفقه الإسلامي؛ بحيث يظهر إيجابية الفقه في معالجة ما يستجد من أمور الحياة.
فإن الحاجة للفتوى متجددة كلما تجدد الزمان, وتعاقب الجديدان, فالوقائع والحوادث بصمات لسير الحياة على صفحة هذا الكون الفسيح, وكلما وقعت واقعة احتيج معها إلى فتوى.
وحاجتنا للفتوى في النوازل الواقعة لا تنقص أهمية عن الحاجة إلى المطاعم والمشارب؛ فبالطعام والشراب يستقيم أمر المعاش المادي في الدنيا, وبالحكم الشرعي يستقيم أمر الدنيا والآخرة.
وأمر الفتوى ومكانتها في الدين؛ عظيم, جليل القدر والرتبة, ولن يقوم بحقها إلا من شدا طرفًا من علوم الإسلام, ونهل من مصادره العذبة؛ حتى ارتوى وصار ريَّانًا, وكان على قدر من التقوى والورع والاستقلالية في الرأي والتجرد، وعلى اطلاع بواقع الأمة, وحال النوازل العصرية التي هو بصدد البحث فيها؛ حتى تكتمل مقومات الفتوى لديه.
وقد جعل الله سبحانه معالجة النوازل لأهل الاستنباط؛ ليستمدوا ذلك من الكتاب والسنة والقواعد والأصول المقررة منها؛ فقال عز من قائل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أو الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهْ وَلَو رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُم لَعَلَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء: ٨٣].
وهذا من العمل المناط بهم، والعمل روح العلم الذي هو عارية وغير منتفع به ولا مطلوب - أي: العلم - إلا من جهة ما بتوسل به إليه، وهو العمل؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ
١ المعلمي: الأنوار الكاشفة (ص ٣٠٨).