233 · ص233
المسألة السادسة: تعدد الرضعات في أحد الطرفين.
صورة المسألة: إذا حلبت مرضعة حليبها في إناء خمس حلبات في خمسة أوقات، ثم سقته الرضيع دفعة واحدة، أو حلبته دفعة واحدة، ثم سقته غلامًا في خمسة أوقات؛ فقد اختلف الفقهاء فيما يثبت في ذلك من الرضعات، على ما يأتي:
القول الأول: الاعتبار بخروج اللبن من المرضع؛ فما خرج دفعة واحدة؛ فهو رضعة، ولو سقيه الصبي على دفعات، وما خرج دفعات؛ فهو رضعات بعددها، ولو جمعت عدة رضعات، فسقي بها الصبي؛ مرةً واحدة.
وهو منسوب إلى الشافعي ١، ووجه عند الشافعية في الصورة الأولى؛ استظهره النووي ٢، وعلى الصورة الثانية مذهب الشافعية ٣، وبه قطع النووي ٤.
القول الثاني: الاعتبار بوصول اللبن للرضيع؛ فما يرتضعه الطفل في الوجبة الواحدة؛ فهو رضعة واحدة، ولو حلب على دفعات، وما يرتضعه الطفل عدة مرات حتى يسد جوعته عدة مرات؛ فهو عدة رضعات بعدد ما يرتضع حتى يمسك بنفسه ويسكن جوعه، ولو كان قد حلب دفعة واحدة.
وهو مذهب الحنابلة ٥، ووجه للشافعية ٦.
وقبل الانتقال إلى الأدلة أشير إلى أن هذه المسألة لا ترد على أصل أبي حنيفة ٧، ومالك ٨، وغيرهما ٩؛ ممن يكون عنده قليل الرضاع ككثيره في التحريم، من دون اشتراط عدد.
ولا ترد أيضًا على أصل داود وابن حزم في اشتراط امتصاص الراضع من ثدي المرضعة لثبوت التحريم باللبن ١٠؛ لأن الحلب أو السقي على دفعات، يقتضي الإيجار، والوجور هو صب اللبن في الفم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ١١، واختيار أبي بكر من الحنابلة ١٢.
- الأدلة:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
١ - إن الاعتبار بالرضاع، والوجور فرعه. ١٣
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
١ - كما لو جعل الطعام في إناء واحد في خمسة أوقات، ثم أكله دفعة واحدة؛ كان أكلة واحدة. ١٤.
٢ - إن شرب الصبي هو المحرِّم، ولذلك كان الاعتبار به في ألبان الآدميات، من دون رضاع مباشر من الثدي. ١٥
٣ - إنه لو ارتضع بحيث يصل الحليب إلى فيه، ثم مجه؛ لم يثبت التحريم، فكان الاعتبار بشرب الصبي؛ فإذا سقته المرضع في أوقات، فقد وجد في خمسة أوقات، ولو لم يحلب إلا دفعة واحدة.
- الترجيح: الراجح مراعاة حال الرضيع، وتقدير الرضعة بما يشبعه من الألبان أيًّا كانت طريقة الورود وعدد مرات حلبه؛ لأن خطاب الشارع في إثبات التحريم مناط بالمرتضع، وذلك في مثل ضمير الغائب الذي جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للزانية: "اذهبي، فأرضعيه حتى تفطميه" ١٦، وقوله لسهلة بنت سهيل - رضي الله عنها -: "أرضعيه "
١ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٤).
٢ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٩).
٣ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٩).
٤ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٩).
٥ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٤). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٣٨).
٦ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٩).
٧ ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (٥/ ٢٥٥). ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٣٩٩). الميداني: المصدر السابق، (٤/ ٧٥).
٨ ينظر: القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٤).
٩ ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (٢/ ٤٤٤). ابن القيم: المصدر السابق، (٥/ ٥٧١).
١٠ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩ - ١٠). ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٣). شمس الدين ابن قدامة (٢٤/ ٢٣٧).
١١ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٣). شمس الدين ابن قدامة (٢٤/ ٢٣٦). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٧).
١٢ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٣). شمس الدين ابن قدامة (٢٤/ ٢٣٦).
١٣ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٤).
١٤ ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٤).
١٥ ينظر: المبحث الأول من الفصل الثالث.
١٦ تقدم تخريجه في الفرع الثاني من المطلب الثالث للمبحث الثاني في الفصل الأول.
234 · ص234
١ رواهما مسلم، ولما كان العرف عند النساء أن الرضيع لا يسمى مرتضعًا إذا شرب من حليب الآدمية حتى يرتوي منه ويسكن جوعه؛ حمل الحكم الشرعي على الحال العرفي، ولذلك؛ فلو حلبته مرة واحدة فسقته خمس مرات؛ تشبعه كل مرة؛ فهي رضعة معتبرة في كل مرة تشبعه؛ لأنها وجبة سدَّت جوعته.
- ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في فروع، منها:
١ - سقي المرضعِ الصبيَّ لبنًا مجموعًا جرعةً بعد جرعة؛ متتابعةً.
ظاهر قول الخرقي أنه رضعة واحدة ٢، ويحتمل عند الحنابلة أيضًا أن يخرَّج على الخلاف فيما إذا قطعت عليه المرضعة الرضاع، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام على ضابط الرضعة ٣.
٢ - إذا حلبت المرضع من صدرها دفعة واحدة أو دفعتين، ثم سقت رضيعها منه خمس رضعات مشبعات؛ ثبت بينهما التحريم؛ فيما ترجح من الأقوال، وهو مذهب الحنابلة، ولم يثبت التحريم؛ في القول المرجوح، وهو مذهب الشافعية.
٣ - لا يلتفت في بنوك الحليب إلى مرات سحب الحليب من المرضعة لتقدير عدد رضعات المستفيد، بل يقدر ذلك بما يتناوله الرضيع حتى يشبع، فتكون رضعة، وهذا على القول المترجح، وهو مذهب الحنابلة وقول للشافعية، واعتبر الشافعي فيما نسب إليه وعامة أتباعه مراتِ خروج اللبن من المرضع في حساب عدد رضعات الرضيع.
وقبل بيان النتائج المتصلة بعنوان هذا المطلب، أشير إلى أنه وقع من بين الباحثين المعاصرين من أطلق الحكم نافيًا انتشار حرمة النكاح من ألبان بنوك الحليب الحالية. ٤
١ مسلم: المصدر السابق، (كتاب النكاح وإجابة الداعي - باب رضاعة الكبير - ٤/ ٨٢)، برقم (١٤٧٥)؛ من طريق عمرو الناقد، وابن أبي عمر؛ عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ به مرفوعًا.
٢ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٤)؛ لاعتبار الخرقيِّ خمسَ رضعات متفرقات، ولأن المرجع في الرضعة إلى العرف، وهم لا يعدون هذا رضعات؛ فأشبه ما لو أكل الآكل الطعام لقمة بعد لقمة، فإنه لا يعد أكلات.
٣ ينظر: المبحث الأول من الفصل الثالث.
٤ ينظر: د. أمل الدباسي: المصدر السابق، (ع ٢٦/ ٥١١). وقد تقدم بيان آراء الباحثين المعاصرين حول حكم إنشائها، ولكن عنوان هذا المطلب متعلق بأثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية.