277 · ص277
المطلب الثالث
أثر الأشكال التي يحوَّل إليها الحليب في انتشار المحرمية
قرر فقهاء المسلمين أن من الحليب ما يكون محضًا، ومنه ما يكون مشوبًا؛ فما كان خالصًا لم يخالطه سواه؛ فهو محض، وإلا؛ فمشوب ١، ثم بحثوا أثر اختلاط حليب الأم وامتزاجه بغيره على بقاء خاصية التحريم، وكان من بين ما درسوه في هذا الصدد المسائل الآتية:
المسألة الأولى: اختلاط الحليب بالماء.
صورة المسألة: إذا صُبَّ حليب في ماء، ثم أوجره صبي؛ فهل يحصل به الرضاع المحرِّم؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي:
القول الأول: إذا غلب الحليب تعلق به التحريم، وكذا إذا استويا، وإن غلب الماء لم يتعلق به تحريم، ومثل الماء كل مائع وجامد.
وبه قال الحنفية ٢.
القول الثاني: لا يحرِّم.
وهو قول مخرج على قول أبي حنيفة في مسألة اختلاط الحليب بالطعام ٣.
القول الثالث: إذا غلب الحليب تعلق به التحريم، ولم يبينوا الحكم حالة الاستواء، والظاهر أنهم لا يرون فيه تحريمًا؛ لتخلف صفة الغلبة حينئذ.
وهو قول المالكية ٤، وقول عند الشافعية ٥؛ اختاره المزني ٦، وابن حامد من الحنابلة ٧ وأبو الخطاب ٨، وأبو ثور ٩، والمزني ١٠.
١ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥).
٢ الجصاص: المصدر السابق، (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧). ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١). الميداني: المصدر السابق، (٤/ ٨٢).
٣ ينظر: الجصاص: المصدر السابق، (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
٤ ينظر: الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٥).
٥ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٤).
٦ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥).
٧ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١). ابن رجب: تقرير القواعد (ص ١٣٧). المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١).
٨ ينظر: المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١).
٩ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥).
١٠ ينظر: شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١).
278 · ص278
وعمم الشافعية القول في ذلك على كل مائع؛ كالماء، ولبن الشاة، ولو نجسًا؛ كالخمر عندهم. ١
القول الرابع: يحرِّم؛ إلا إذا كان الحليب مغلوبًا، فلا يقع التحريم إلا أن يشرب جميع المخلوط.
وهو وجه للشافعية ٢، واستظهره النووي وعزاه لابن سريج وأبي إسحاق والماوردي ٣.
وعمم الشافعية القول في ذلك على كل مائع، ولو نجسًا. ٤
القول الخامس: يحرِّم مطلقًا، ولو شرب بعض المخلوط فيما كان الحليب فيه مغلوبًا.
وهو قول الشافعي ٥، ووجه عند الشافعية ٦؛ اختاره الصميري والقاضي أبو الطيب ٧، والأصح من مذهب الحنابلة إذا كانت صفات اللبن باقية ٨ - وهي: الطعم، واللون، والريح - ٩، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به؛ لم يثبت به التحريم عندهم ١٠.
وقيده الشافعي بشرط الوصول إلى الجوف ١١، وبه قال النووي إذا تحقق انتشاره في الخليط، وحصول بعضه في المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن؛ ثبت به
١ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٤، ٥).
٢ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٤، ٥).
٣ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٤، ٥).
٤ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٤، ٥).
٥ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٣).
٦ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٥).
٧ ينظر: النووي: المصدر السابق، (٩/ ٥).
٨ ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣١٥ - ٣١٦). شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١ - ٢٤٢). المرداوي: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤١). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٨).
٩ ينظر: البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٨).
١٠ ينظر: شمس الدين ابن قدامة: المصدر السابق، (٢٤/ ٢٤٢). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٨٨).
١١ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٣).