331 · ص331
وأجاب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاةٍ يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضكم في قياسكم الفاسد، وشرعكم بذلك ما لم يأذن به الله عز وجل. ١
ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة.
ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن ٢، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه ٣، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم ٤ - كان هكذا. ٥
كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه.
١ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).
٢ تقدم تخريجه عند الضابط السابع من المبحث الثالث في التمهيد.
٣ تقدم تخريجه عند الضابط الثامن من المبحث الثالث في التمهيد.
٤ تقدم تخريجه في المطلب الرابع من المبحث السادس في الفصل الأول.
٥ ينظر: المازري: المعلم بفوائد مسلم (٢/ ١١٠). القاضي عياض: المصدر السابق، (٤/ ٦٤٠).
332 · ص332
في حين إن عامة فقهاء المسلمين ١ يعتبرون المعنى الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وهو الاغتذاء الذي يشد اللحم والعظم، وأمارته: سد الجوعة، ولم يلتفتوا إلى طريق حصوله أو يشترطوا صفة معينة في التناول لإثبات التحريم بها كالتقام الثدي؛ لأن الحرمة الثابتة في الشريعة لا تتوقف على الإرضاع من الثدي، بل المدار على وصول اللبن إلى الجوف. ٢
فأما إن كانت قارورة الرضاعة مصنوعة من ذهب أو فضة؛ فالشرب فيها وإن كان محرمًا؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه ٣؛ إلا أن هذا النهي المقتضي للتحريم لا يعود على إثبات التحريم مما شرب فيه من ألبان الآدميات بالإبطال؛ لأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه، وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغةً؛ قطعًا، ولا شرعًا؛ لتغاير المتعلِّقَين. ٤
١ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢، ٤١٤). القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٧٦). الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٧). النووي: المصدر السابق، (٩/ ٦). ابن قدامة: المصدر لسابق، (١١/ ٣١٣).
٢ ينظر: ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١٤).
٣ ينظر: البخاري: المصدر السابق، (كتاب الأطعمة - باب الأكل في إناء مفضض - ٧/ ٢١٦، كتاب الأشربة - باب آنية الفضة - ٧/ ٣٢٤)، برقم (٥٤١٩، ٥٦٣٢). مسلم: المصدر السابق، (كتاب اللباس - باب لا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا تلبسوا الديباج والحرير - ٥/ ٤٢٥)، برقم (٢١٢٦).
٤ ينظر: ابن الحاجب: المصدر السابق، (ص ٩٦ - ٩٧). الشوكاني: إرشاد الفحول (٣٨٦ - ٣٩٠).