← المكتبة ▭ صفحة واحدة
أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم
ابن القيم مسائل فقهية 751 هـ
A− A+
595 · ص268 · ج2
ومحابِّه يقلب تلك النار بردًا وسلامًا؛ كما قلب قصدُ الخليل التقرُّبَ إلى ربِّه، وإيثار محبته ومرضاته، وبذل نفسه، وإيثاره إياه على نفسه= تلك النار بأمر الله بردًا وسلامًا. فليس أمره سبحانه إيَّاهم بدخول النار عقوبةً ولا تكليفًا بالممتنع، وإنما هو امتحانٌ واختبارٌ لهم: هل يوطِّنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته؟ وقد عَلِم سبحانه ما يقع منهم، ولكنَّه ١ لا يُجازِيهم على مجرَّد علمِه فيهم ما لم يحصل معلومُه الذي يترتَّب عليهم به الحجة. فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة. الوجه الثالث عشر ٢: أنَّ هذا مطابقٌ لتكليفه عبادَه في الدنيا، فإنَّه سبحانه لم يستفِدْ بتكليفهم منفعةً تعود إليه، ولا محتاجٌ إليه. وإنَّما امتحنهم وابتلاهم ليتبيَّن مَن يُؤثِر رضاه ومحبته ويشكره ممن يكفر به ويُؤثِر سخطه. قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنَّه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة. وكثيرٌ من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظيرُ الأمر بدخول النار، فإنَّ الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم، وتعريضِهم لأَسْرهم لهم وتعذيبهم واسترقاقهم= لعلَّه أعظم من الأمر بدخول النار. وقد كلَّف بني
١ في الأصل: «ولكنهم»، والمثبت أشبه. ٢ في الأصل: «الرابع عشر»، ثم يليه «الثالث عشر»، ثم «الرابع عشر» للمرة الثانية، إلى أن تبلغ ثمانية عشر وجهًا على اضطراب في أثنائها. فصححنا الترقيم من هنا إلى «الوجه التاسع عشر»، واكتفينا بهذا التنبيه عن إعادته مع كل رقم.
596 · ص269 · ج1
ذكر معاملتهم عند اللقاء وكراهة أن يُبدَؤوا بالسلام، وكيف يُرَدُّ عليهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبدؤوا اليهودَ والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيقهِ"، رواه مسلم في "صحيحه" ١. وفي "الصحيحين" ٢ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سلَّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّامُ عليك، فقل: وعليك". هكذا بالواو، وفي لفظ ٣: "عليك" بلا واوٍ. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". رواه أحمد ٤ هكذا. وفي لفظٍ للإمام أحمد ٥: "فقولوا: عليكم" بلا واوٍ. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل رهطٌ من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السام عليك، ففهمتُها فقلت: عليكم السَّامُ واللعنة، فقال رسول الله
١ برقم (٢١٦٧). ٢ البخاري (٦٢٥٧) ومسلم (٢١٦٤/ ٩). ٣ البخاري (٦٩٢٨) ومسلم (٢١٦٤/ ٨). ٤ برقم (١١٩٤٨)، وهو عند البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣) أيضًا. ٥ برقم (١٣٢١١).